أرسل لصديق ||

الأمَّة الإسلاميَّة بين رابحٍ وخاسرٍ في أحداث فلسطين

Image
إنَّ ما يحدث على أرض فلسطين الحبيبة من قتلٍ وتشريدٍ واغتصابٍ للأرض وهدمٍ للمنازل وانتهاكٍ للحرمات وحرمان الإنسان من أبسط حقوقه الآدميَّة لَيُنطِق كلَّ أخرس ويحرِّك كلَّ ساكنٍ ويؤجِّج نار الغضب في صدر كلِّ مسلمٍ حرّ. 

وممَّا يغيظ المسلم بل ويجعله يتميَّز من الغيظ أن ترى قومًا من المسلمين يستهينون بما يسمعون أو يبصرون، ولا يأبهون بحرمة نفسٍ تُزهق أو مقدَّسٍ يدنَّس أو عرضٍ ينتهك وكأنَّ الأمر لا يعنينا. 

ممَّا جعلني أقسِّم الناس حسب تباين ردود أفعالهم وتعاطفهم إلى رابحٍ وخاسر، وميزان الربح والخسارة هنا هو الإيجابيَّة والتحرُّك الواعي المنبعث من فهم القضيَّة فهمًا صحيحًا بأبعادها المعلنة والخفيَّة.

أوَّل الخاسرين

1- كلُّ مسلمٍ جَبُن أو تخاذل عن الجهاد في سبيل الله، ولم يتوافر عنده العزم عليه إن تهيَّأت أسبابه خاصَّةً بعد أن تعيَّن الجهاد على كلِّ مسلمٍ في زماننا هذا.

قال علماؤنا يتعيَّن الجهاد في حالةٍ من ثلاث حالات:

أ- أن يحضر المكلَّف صفَّ القتال، ويوجد في المعركة، ولذا قال تعالى: "يا أيُّها الذين آمنوا إذا لقيتم فئةً فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلَّكم تفلحون"، ولقوله تعالى: "يا أيُّها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولُّوهم الأدبار"، والفرار من الصفِّ في هذه الحالة من الكبائر.

ب- إذا نزل العدوُّ ببلدٍ إسلاميٍّ حينئذٍ يجب على كلِّ قادرٍ على حمل السلاح أن يخرج لقتال العدوّ، ولا يحتاج الأمر حينئذٍ أن يستأذن أحدٌ أحدًا لأنَّ الدفاع عن النفس والعرض واجب، ولا يجوز للمسلم أن يسلِّم نفسه لعدوِّه وعدوِّ دينه وهو قادرٌ على قتاله، ولذا قال تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنَّ الله لا يحبُّ المعتدين".

ج- إذا عيَّن الإمام المسلم قومًا للقتال فيتعيَّن في حقِّهم ولا يجوز لهم التخاذل في القيام بواجبهم لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهادٌ ونيَّةٌ وإذا استنفرتم فانفروا"، ولأنَّ الله وبَّخ المتثاقلين عن القتال بعد دعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى النفير له، وقال تعالى: "يا أيُّها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثَّاقلتم إلى الأرض".

2 – كلُّ مسلمٍ بخل بماله وضنَّ به على إخوانه، ونسي أنَّه مستخلفٌ في هذا المال وأنَّ تملُّكه له أمرٌ عارض، ناسيًا أو متناسيًا قول الله تعالى: "هأنتم هؤلاء تُدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنَّما يبخل عن نفسه والله الغنيُّ وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثمَّ لا يكونوا أمثالكم".

وتاركًا أفضل أبواب النفقة والخير لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له بسبعمائة ضعف". فأيَّ خسرانٍ أعظم من ذلك.

3 – كلُّ وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئيَّة في بلادنا العربيَّة ونخصُّ إعلامنا المصريَّ الذي لم يرتفع إلى مستوى الحدث، وتعامل مع هذه الأحداث بلا قلبٍ ولا عقلٍ ولا ضمير، وهذا أمرٌ تعوَّدناه من القائمين عليه.

فبرغم كثرة الجثث وتناثر الأشلاء وأنهار الدم التي تتدفق وإزهاق الأرواح وهدم المنازل على ساكنيها وتجريف الأرض المزروعة وحرق الثمار قبيل نضجها، برغم كلِّ ذلك فإنَّ المسلسلات الماجنة والأفلام الهابطة والمسرحيَّات الهزليَّة ومباريات الكرة لم تتوقَّف وكأنَّ الذي يحدث لا يهمُّنا في قليلٍ ولا كثيرٍ ممَّا أثار غضب كلِّ مسلم.

4 – كلُّ حاكمٍ أو قائدٍ هادن أعداء الإسلام أو والاهم أو ناصرهم أو طبَّع علاقته بهم أو فتح ديار المسلمين لهم أو ترك لهم مجاله الجوي، أو صافاهم الودَّ أو بشَّ في وجوههم أو هشَّ لرؤيتهم بعد أن وصفهم الله بأنَّهم أعداء وبعد أن رأينا كلَّ ذلك منهم: "لتجدنَّ أشدَّ الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا".

قال ابن خويذ منداد من علماء المالكيَّة: "إذا أردت أن تعرف قيمة الدين عند أهل الزمان فلا تنظر إلى تزاحمهم على أبواب المساجد ولا إلى ضجيجهم في الموقف بلبيك، ولكن انظر إلى مسارعتهم في أعداء الإسلام".

5 – كلُّ مسلمٍ اندفع اليأس إلى قلبه فقعد عن العمل والسعيِّ وظنَّ أنَّه ليس في الإمكان أبدع ممَّا كان، وأنَّ المسلمين قد أخذ نجمهم في الأفول، وأنَّ شمسهم بدأت تغيب، وأنَّهم سيندثرون كما اندثر غيرهم من الأمم.. وهؤلاء يجهلون حقيقة الدين وطبيعته.

أوَّلا: لأنَّ القرآن ندَّد باليأس واليائسين في قول الله تعالي: "يا بنيَّ اذهبوا فتحسَّسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنَّه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون".

ثانيا: لأنَّ القرآن الكريم يشير في كثيرٍ من آياته بأنَّ المستقبل لهذا الدين، وأنَّ النصر في النهاية هو قدر الفئة المؤمنة الذي ينتظرها: "حتى إذا استيأس الرسل وظنُّوا أنَّهم قد كُذبوا فنجِّي من نشاء ولا يردُّ بأسنا عن القوم المجرمين"، وقال تعالى: "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنَّهم لهم المنصورون وإنَّ جندنا لهم الغالبون"، وقال تعالى: "وكان حقّا علينا نصر المؤمنين".

ثالثا: لأنَّ في أحداث التاريخ فتراتٌ وأزماتٌ كانت أصعب وأشدُّ على المسلمين ممَّا يحدث اليوم وأثبت التاريخ أنَّ أمَّة الإسلام قد تضعف أو تمرض لكنَّها لا تموت، فمن الذي كان يتصوَّر أن تقوم للمسلمين قائمةٌ بعد أن اجتاح التتار العالم الإسلاميَّ من أقصاه إلى أقصاه فأزالوا معالم الحضارة، وداسوا القيم ودمَّروا البلاد، وقهروا العباد وهتكوا الأعراض، وذبحوا الشيوخ والنساء والأطفال حتى قيل إنَّ جبالاً شاهقة أقامها هولاكو من جماجم المسلمين، ممَّا دفع ابن الأثير أن يقول في تأريخه لهذه الأحداث: "لقد بقيت سنينًا طوالاً مُعرِضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها، كارهًا لذكرها، فكنت أقدِّم رجلاً وأؤخِّر الأخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام بيديه، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك، فيا ليت أمِّي لم تلدني ويا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسيًا منسيّا".

أول الرابحين

وإذا أردت الحديث عن الرابحين فأوَّل الرابحين في نظري هو:

1 – الشهيد الفلسطينيُّ الذي يفجِّر جسده في عدوِّه، تراه وهو يعلن وصيَّته ويسجِّلها قبل تنفيذه للعمليَّة الاستشهاديَّة فترى عزيمةً لا تلين، وإقدامًا على لقاء الله في غير تردُّدٍ ولا تململ.

وترى ابتسامةً هانئةً على وجهه كضوء الصبح بعد استشهاده وقبل دفنه، إنَّه فرح بتركه الدنيا غير فاتنٍ ولا مفتونٍ ولا خائنٍ ولا عميل.. ثمَّ هو يفرح بلقاء رسول الله –صلى الله عليه وسلم- غير مبدِّلٍ ولا مغيِّر، باقٍ على عهده، واختار هذه الخاتمة الشريفة فأحسن صناعة الموت.. واختار ميتةً يختال بها فرحًا على كلِّ الجبناء الذين رضوا بالحياة الدنيا عن الآخرة، وعلى كلِّ مجرمٍ يتاجر بآلام أمَّته وشعبه.

أيُّها الأقصى الحزين كم صلَّى فيك منافق، وهتف باسمك عميل، وبكى عليك شيطان، فوالله لو اطَّلعت على قلوبهم لوجدتها قلوب سماسرةٍ ينتظرون من يدفع أكثر.

 

وهذا الشهيد هو الذي غيَّر موازين القوَّة ومفهومها عند المجتمع الدوليِّ المعاصر، مضيفًا إلى الأسلحة التي يتباهون باقتنائها سلاحًا آخر لا يقلُّ في شأنه عن القنابل النوويَّة والأسلحة الجرثوميَّة الفتَّاكة سلاحٌ لا يستطيع اليهود تقليده لأنَّه صناعةٌ إسلاميَّة، أمَّا اليهود فهم كما قال الله تعالى: "ولتجدنَّهم أحرص الناس على حياة" وقال عنهم في آيةٍ أخرى: "لا يقاتلونكم جميعًا إلا في قرىً محصَّنةٍ أو من وراء جدرٍ بأسهم بينهم شديد".

وهو الذي ذكَّرنا وأعاد إلى أذهاننا صور أصحاب النبيِّ الذين باعوا أنفسهم لله فذكَّرنا بالبراء بن مالك وموقفه مع جيش مسيلمة الكذاب الذي تحصن بحديقة الموت، وذكَّرنا بأنس بن النضر الذي انطلق مقتحمًا صفوف العدوِّ يوم أحد ينادي عليه أصحابه فيقول واهًا لريح الجنة أجده دون أحد، وما هي إلا لحظاتٍ يلقى ربَّه بعدها شهيدًا.

وتأبى المرأة الفلسطينيَّة المسلمة إلا أن تكون على مثل هذه الروح العالية الوثَّابة لتتربَّع على هذه القمَّة السامقة التي تنقطع أنفاس كثيرٍ من رجال اليوم ولا يصلونها.. فتحيَّةً معطَّرةً بكلِّ معاني العزَّة والفخر لوفاء إدريس التي كانت رمزًا للوفاء لدينها ولأمَّتها، وتحيَّةً لآيات الأخرس التي أخرست الكثير من الألسنة التي تزايد على جهاد هذا الشعب البطل، وتحيَّةً لكلِّ فتاةٍ سلكت طريقها ومشت على دربها فاستحقَّت أن يذكرها التاريخ على القمَّة مع الخنساء وأم خلاد وأم عمارة نسبية بنت كعب المازنيَّة.

2 – ويربح معهم كلُّ مسلمٍ ساندهم بالمال أو النفس عملا بقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "من جهَّز غازيًا فقد غزا، ومن خلف غازيًا في أهله بخيرٍ فقد غزا".

وقد أجمع مجمع البحوث الإسلاميَّة بالقاهرة في اجتماعه الأخير بضرورة أن توجَّه زكاة المال هذا العام للمجاهدين على أرض فلسطين على اعتبار أنَّه مصرفٌ من مصارف الزكاة، "وفي سبيل الله" وهذا المصرف يحتلُّ أولويَّةً عن غيره من المصارف في زمننا هذا، وكذلك توجَّه نفقات حجِّ النافلة لمن أراد الحجَّ من المسلمين بعد أن أسقط الفريضة عن نفسه.

3 – ويربح معهم كلُّ مسلمٍ أظهر غضبه وغيظه ورفضه لما يحدث، وأعلن سخطه عليه وحوَّل غضبه إلى برامج عمليَّةٍ فعَّالةٍ فانطلق يبصِّر الناس بقضيَّتهم العادلة وأعذر إلى الله.. فتحيَّةً إلى شباب العالم الإسلاميِّ صاحب النفس التواقة إلى الجهاد في سبيل الله، والذي أثبت للعالم من أقصاه إلى أقصاه أنَّ الدم ما زال يجري في عروق الأمَّة المسلمة، وأنَّ الأمَّة المسلمة ستظلُّ أبيَّةً عصيَّةً على كلِّ غاصب.. تحيَّةً إلى شباب مصر والسودان والبحرين.. تحيَّةً إلى شباب بيروت وقطر.. تحيَّةً إلى قادة الأحزاب السياسيَّة وإلى أعضاء النقابات المهنيَّة وإلى القائمين على الجمعيَّات الأهليَّة الذين كانوا على مستوى الحدث شجاعةً ونصرةً.. وتحيَّةً إلى أرواح الشهداء الذين سقطوا وهم يُعبِّرون عن رأيهم برصاص الغدر.

4 – ويربح معهم كلُّ عالمٍ نطق بكلمة الحقِّ ولم يخف في الله لومة لائم، الذين قال الله فيهم: "الذين يبلِّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله وكفى بالله حسيبًا".

والذين بيَّنوا للناس ما كانوا يجهلونه من مكانة القدس عند المسلمين، وكشفوا للأمَّة غدر اليهود مع الرسول وأصحابه، ووضَّحوا لهم فرضيَّة الجهاد ومشروعيَّته لتحرير الأرض وصيانة العرض والذود عن المقدَّسات.. تحيَّةً إلى العلماء الذين أشادوا بالعمليَّات الاستشهاديَّة وأكَّدوا على أنَّ الاستشهاديِّين شهداء لكنَّهم من نوعٍ فريدٍ ولم يستجيبوا للمغالطات التي تردَّدت بأنَّهم منتحرين، وأوضحوا للناس الفرق بين هذا وذاك.

5 – ويربح معهم كلُّ راعٍ استرعاه الله على رعيةٍ فأحاطها بالنصح والتوجيه وخشي المساءلة أمام الله في موقفٍ لا ينفع فيه مالٌ أو كرسيٌّ أو حاشية، قال -صلى الله عليه وسلم-: "من استرعاه الله رعية فلم يحط من ورائها بالنصيحة، ومات وهو لها غاش أدخله الله النار".

الأب في بيته يبصِّر أبناءه ويتخوَّلهم بالموعظة الحسنة والفهم الصحيح، يسمع كلام الله ويسمعهم وينقاد إلى الله ويقودهم، يعلِّمهم بغض اليهود كما يعلِّمهم حبَّ الصحابة.

والمعلِّم بين تلامذته لا ضير من أن يجعل ولو لحظاتٍ في كلِّ فترةٍ يذكِّر فيها تلامذته بدورهم الواجب عليهم ناحية مقدَّساتهم ودينهم، وكذلك رئيس العمل بين مرؤوسيه.

6 – ويربح معهم كلُّ مسلمٍ قاطع منتجًا من منتجات العدوِّ أو منتج أيِّ دولةٍ تساند العدوَّ الغاشم في حربه علينا كالولايات المتَّحدة وبريطانيا، ورفض أن يقتل إخوانه على أرض فلسطين بماله وتغاضى عن فارق الجودة بين المنتج المحليِّ والمنتج المستورد، وقد أثبتت التقارير خطورة المقاطعة لمنتجات العدوِّ ودورها في التأثير على موقفه، وما صورة الزعيم الهنديِّ غاندي عنَّا ببعيد.. والذي رفض أن يلبس ثيابًا من منتجات عدوِّه وعمَّم فكرة المغزل لكلِّ مواطنٍ هنديٍّ فكان لا يزرع إلا ما يأكله ولا يأكل إلا ما يزرعه، ولا يلبس إلا ما يصنعه ولا يصنع إلا ما يلبسه.

وختامًا، ليسأل كلُّ مسلمٍ نفسه بعد ذلك هل هو من الرابحين فيهنِّئ نفسه؟ أم من الخاسرين فيبادر بتصحيح موقفه وتعديل وضعه قبل أن يندم؟ ولات ساعة مندم.


  إمام وخطيب بمساجد الأوقاف المصرية