أرسل لصديق ||

القرضاوي يناقش تجديد الخطاب الديني

رباب سعفان 03-09-2003

في بداية الندوة
في بداية الندوة
تحت عنوان "تجديد الخطاب الديني كيف ولماذا؟ أقامت نقابة الصحفيين المصرية في مساء الإثنين 1/9/2003 ندوتها التي استضافت بها العلامة د. يوسف القرضاوي الذي قدم رؤيته لمفهوم الخطاب الديني وأساليب تجديده، حيث أوضح د. القرضاوي أن المراد بكلمة الخطاب الديني هو كل بيان باسم الإسلام يوجه للناس سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين لتعريفهم بالإسلام، وقد يأخذ هذا الخطاب شكل الخطبة والمحاضرة والرسالة والمقال والكتاب والمسرحية والأعمال الدرامية، وبذلك ينبغي ألا نحصر الخطاب الديني في خطبة الجمعة فقط، وحول مفهوم تغيير الخطاب الديني طرح د. القرضاوي عدة تساؤلات منها: هل الخطاب الديني بمفهومه العام السابق يتغير في عصر العولمة عن أي عصر آخر؟ وهل يتغير من قوم إلى قوم؟ ومن مكان إلى مكان آخر؟

دعوة الإسلام للتجديد

د. القرضاوي يتحدث في الندوة
وأجاب على هذه التساؤلات موضحًا أن الدين به ثوابت لا مساس بها، ولكن تتغير في أسلوب عرضها، ومن هنا فعرض الثوابت في الخطاب الديني يختلف من زمن لزمن آخر ومن بيئة لأخرى ومن قوم لغيرهم، كما يتضمن الدين متغيرات تقبل التجديد والاجتهاد.

وانطلاقًا من هذه الطبيعة للدين أوضح أن فكرة التجديد ليست مرفوضة إسلاميًّا؛ فالقرآن الكريم قد غيّر من أسلوب خطابه الديني من مكان لمكان ومن وقت لوقت، ودلل على ذلك بالاستشهاد باختلاف الخطاب الديني في الموضوعات والأسلوب ما بين القرآن المكي والقرآن المدني.

فمثلاً نجد أن القرآن المدني لم يعتمد على أسلوب الزجر، ولم ترد به كلمة كلا، وهذا يدل على أن الخطاب يتغير، وقد قال تعالى {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه}، واللسان هنا لا يعني اللغة، وإنما يعني اختلاف الخطاب الموجه لعامة الناس عن خاصتهم.

ولا بد أن يُبنى هذا الخطاب على فهم دقيق لطريق المخاطبين وعقلياتهم وبيئاتهم، وقد قال علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-: "حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما لا يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله"، وروي عن بن مسعود: "ما أنت حدثت قومًا بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة".

كما أن هناك قاعدة فقهية تقول: "الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال والنية"، ومن هنا فالدعوة وخطابها أكثر قابلية للتغير من الفتوى.

من يقوم بالتغيير؟

جانب من الحضور
وبعد أن أكد على إمكانية تجديد الخطاب الديني تساءل:

من الذي يغير خطابنا الديني؟ وأجاب بأن علينا -نحن المسلمين- أن نغير خطابنا بأنفسنا ومن منطلقاتنا، ولا يجوز أن يُملى علينا هذا التغيير بأوامر تأتينا من الغرب؛ لأننا بذلك سنخضع لأهوائهم.

ونسأل أيضًا لماذا تطالبنا أمريكا وحدنا بتغيير خطبانا ولا تطالب الصهاينة الذي ينبني خطابهم الديني على إباحة اغتصاب أراضي وحقوق الآخرين؟ ولماذا لا تطالب اليمين المسيحي المتطرف بأن يراجع خطابه الديني؟ فإذا كنا نوافق على تغيير خطابنا من منطلقاتنا فلا بد أن يغير الآخرون خطابهم الديني أيضًا.

وأوضح أن هذه الدعوة الأمريكية لنا بتغيير خطابنا هدفها تغيير الإسلام الأصلي إلى إسلام مستأنس يمشي في الركاب ويتمسح في الأعتاب.

سياسة تجفيف الينابيع

أما الإسلام الذي يربي الشخصية القوية المدافعة عن الدين والوطن فهو مرفوض من هذه الجهات، ويجب تغييره وهذا ما ساعدت عليه بعض الأنظمة الحاكمة باتباعها لسياسة (تجفيف الينابيع)، أي تجفيف ينابيع التدين الإيجابي في التعليم والإعلام والثقافة والأنظمة التربوية حتى يظهر لنا إسلام الخرافة والموالد، فإذا كان معنى تجديد الخطاب هو تغيير الإسلام كما تريد هذه الجهات، وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر فإننا نرفض هذا التغيير.

وقد عرض د. يوسف القرضاوي لرؤيته لمنهج التجديد قائلاً: إن تجديد الخطاب من وجهة نظري والذي أدعو إليه منذ أربعين سنة هو العودة بالإسلام إلى منهج الوسطية والسمو الروحي استجابة لنداء الله؛ فالعودة بالإسلام إلى عهده الماضي لا تعني الجمود، ولكن تعني الانطلاق والسعة؛ فقد كان الإسلام أوسع ما يكون وأكثر تيسيرًا في عهد النبوة والصحابة ثم أضاف كل عصر إلى الدين بعض "الأحوطيات" والتشديدات حتى أصبح الدين حاليًّا مجموعة من "الأحوطيات" البعيدة عن جوهر الدين وهو التيسير.

منهج له ضوابطه

وشرح د. القرضاوي منهج تغيير الخطاب الديني، مؤكدًا انطلاق هذا المنهج من منبعه الأصلي الذي رسم القرآن وهو الدعوة إلى الله بالحكم والموعظة الحسنة، وأن ندرك أن قوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) ليس قاصرًا على الرسول صلى الله عليه وسلم وحده، ولكن دعوة لأمة المسلمين جميعًا أن تتحمل عبء الدعوة وأن تسعى إلى تغيير خطابها الديني؛ فكل مسلم داعية، وعليه أن يجدد خطابه مرتكزًا على منهاج الحكمة التي تخاطب العقول وتقنعهم بالدليل العلمي والموعظة الحسنة التي تستميل العواطف وتحرك القلوب، وأن يعتمد أسلوب الداعية على انتقاء الكلمات الطيبة؛ فالقرآن لم يخاطب غير المسلمين بلفظ الكافرين إلا في موضعين فقط في قوله تعالى: {يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون بما كنتم تعلمون}، وهذا الموضع هو خطاب من الله لهم في الآخرة وليس في الدنيا، والموضع الآخر هو سورة الكافرون والتي اختتمت بالتسامح في قوله تعالى: {لكم دينكم ولي ديني}.

وأوضح أن هناك أساليب غير حكيمة في الدعوة، منها الدعاء على اليهود والنصارى، متسائلاً لماذا نستثير الآخرين، فنحن لا نكره اليهود ليهوديتهم، وإنما لأنهم سلبوا أرضنا واغتصبوا حقنا وسفكوا دماءنا، وقبل ذلك لم يكن بيننا وبينهم قضية، وكذلك الصليبيون، وهناك فرق بين الصليبيين والنصارى.

واختتم قوله بأن الإسلام دين يجمِّع ولا يفرق، والخطاب الديني الذي نريده يجمع الناس على الجوامع الأساسية حتى مع غير المسلمين.