الفروق الخمسة بين الداعية والصحافي
وفي اللغة القديمة فإن الذي يصحِّف الكلام هو من يخطئ في قراءته أو يقوم بتحريفه! والصحَّاف أو الصحفي هو من يقع في ذلك الخطأ! ولذلك قيل قديمًا: "لا تأخذوا العلم عن صحفي"، علمًا بأن لكلمة الصحاف مفهوم آخر، فهو من يحترف صناعة أواني الطعام (هل تذكر وزير الإعلام العراقي السابق محمد سعيد الصحّاف؟)؛ إذ "الصحفة" من الأواني، وفي القرآن: "يطاف عليهم بصحاف من ذهب"، والأمر كذلك، فإن التوصيف الصحيح للمشتغل بالصحافة هو أنه "صحافي" وليس صحفيًّا كما هو التعبير الشائع في بعض الأقطار العربية، ومصر في المقدمة منها.
هذه هي المفارقة، ولكن المشكلة كانت في مصطلح الخطاب الإسلامي؛ لأن لكلمة "الخطاب" مفهومًا حديثًا يختلف عنه في الفصحى القديمة، إذا جاز التعبير فالخطاب قديمًا كان يقصد به توجيه أو حجة في أمر أساسي، وفي القرآن: "وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب" و"فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب".
أربع ثغرات في الخطاب الصحافي الإسلامي
|
أصحاب المشروع الإسلامي يحاورون أنفسهم وليس "الآخر". |
ذلك أنني عندما بدأت الكتابة في الشأن الإسلامي كنت مهتمًّا بأمرين: أولهما مراجعة قضايا الفكر وأطروحات الجماعات الإسلامية باختلاف توجهاتها، وثانيهما: واقع المسلمين في ديار المسلمين مترامية الأطراف. وكانت لي في هذا الصدد أربع ملاحظات، هي:
1- أن الكتاب الإعلاميين يتحرجون في مناقشة قضايا الفكر الإسلامي من خلال مجالات الإعلام المفتوحة، الأمر الذي لم يوفر فرصة الحوار بين أصحاب المشروع الإسلامي، حتى بدا وكأن كل طرف يحاور نفسه ولا يحاور الآخر.
2- أن الخطاب الإسلامي في الصحافة لم ينشغل كثيرًا بهموم الناس اليومية، فركز على الموضوع الدعوي وليس الجانب الحياتي، فاهتمت الكتابات الإسلامية بالجوانب العبادية والأخلاقية، والشعائر والمظاهر، ولم تهتم بمشكلات التنمية والتخلف والبطالة والمواصلات والفساد السياسي مثلاً.
3- أن ذلك الخطاب وهو يركز على الجانب الدعوي، فإنه توجه صوب المسلمين وحدهم والمتدينين منهم، ولم يروا غير هؤلاء باختلاف درجات التزامهم الديني أو باختلاف عقائدهم؛ ولهذا فإن ذلك الخطاب ظل محصورًا في دائرة محدودة، هي جزء من المجتمع، وليس كل المجتمع، فبدا -والأمر كذلك- وكأنه مشروع جماعة معينة، وليس مشروعًا يحتوي الأمة بأسرها.
4- أن ذلك الخطاب انكفأ على ذات المسلمين في الداخل، ولم يَعْنِ بالمسلمين في العالم الخارجي التي أصبحت متابعة أحوالهم تتم من خلال التقارير الأجنبية ووكالات الأنباء الغربية.
لا أستطيع أن أقطع بأن تقييمي هذا كان صحيحًا أم لا، لكن ما أستطيع قوله: إن هذه هي الثغرات التي رأيتها في بداية مشواري المهني والتي حاولت أن أعالجها من خلال ما بذلته من جهد متواضع خلال العقود الثلاثة الأخيرة على الأقل، وهو ما يدعوني إلى الوقوف أمام خبرة تلك المرحلة.
خبرة ثلاثة عقود
|
الخطاب الإسلامي اهتم بالعبادات والأخلاق وأهمل هموم الناس. |
بعد قليل تعرضت لأسئلة كثيرة حول الجماعة التي أنتمي إليها، وكان صعبًا على كثيرين أن يتصوروا كاتبًا له صلة بالخطاب الإسلامي ليس منخرطًا في جماعة بذاتها، ولم يصدقوا أن ذلك الكاتب يمكن أن يكون مستقلاًّ، حتى أشاع البعض أنني نائب لرئيس إحدى الجماعات، ولكنني أخفي تلك الصفة!.
في ذلك الوقت المبكر أيضًا تلقيت رسائل عدة، وسمعت ملاحظات، وتساؤلات مثل: لماذا لا أبدأ مقالتي بالبسملة؟ ولماذا لا أضع هذه البسملة على رأس صفحة الفكر العربي التي أسستها، وكنت أشرف على تحريرها في السبعينيات في جريدة الأهرام القاهرية؟.
أيضًا تلقيت نصائح من البعض دعتني إلى "ترطيب" الكلام الذي أكتبه، وفهمت أن المقصود بالترطيب هو أن أستشهد بمجموعة من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، لتعزيز المواقف ووجهات النظر التي أدافع عنها، لكي تكون أكثر قبولاً لدى الناس.
مهنتان مختلفتان.. الدعوة والصحافة
|
هل يجب أن يكون الكاتب الإسلامي منخرطًا في جماعة بذاتها؟ |
ورغم أن الرجل كان شديد التهذيب والرقة في معاتبتي، فإنني ظللت متمسكًا بضرورة التفرقة بين الصحفي والداعية، وقلت: إن الدعاة الكبار قد يكون لديهم جمهور غفير وعريض، لكنهم يظلون من الدرجة الثانية أو الرابعة في عالم الصحافة، وذلك لا يعيبهم أو ينقص من أمرهم؛ لأن لكل مهنة مجالها وأهلها وفنونها وأدواتها في التواصل مع الناس.
الفروق الخمسة
|
عمر التلمساني |
- أن الداعية يجب أن يكون متخصصًا وعلى إحاطة جيدة بالعلوم الشرعية، فضلاً عن موهبته الشخصية، وإذا كان شرط الموهبة مطلوبًا في الصحافي أيضًا إلا أن إحاطته بالعلوم الشرعية ليس شرطًا، وغاية ما يمكن أن يطالَب به في هذا الصدد أن تكون ثقافته الإسلامية جزءاً من ثقافته العامة.
- أن الداعية وظيفته التبشير والهداية والترغيب في كل ما من شأنه مرضاة الله، أما الصحافي فوظيفته مغايرة تمامًا، وهي أقرب إلى الإخبار والتنوير، ومن ثَم فالأول موضوعه ما يجب أن يكون عليه المرء، أما الثاني فهو يتعامل مع ما هو كائن بالفعل.
- أن لغة الداعية تعتمد بالدرجة الأولى على مخاطبة المتلقي، استنادًا إلى المرجعية الإسلامية واستدلالاً بالنصوص الشرعية، وهو يستثير فيهم العاطفة الإيمانية والحماس الديني، أما الصحافي -حتى وإن كان ملتزمًا دينيًّا- فإن حركته تظل منضبطة بمنظومة القيم الإسلامية، لكنه ليس مضطرًّا إلى الاستدلال بالنصوص الشرعية، ناهيك عن أنه يخاطب عقل القارئ وليس عاطفته، ولا يغيب عن البال أن جمهوره أعرض وأكثر تنوعًا، من حيث إنه يخاطب مختلف ألوان الطيف في المجتمع، والمتدينين وغير المتدينين، وذلك فإن اعتماده على الحجج العقلية أجدى وأنفع في التوصيل من الحجج النقلية.
- أن الكلمة المنطوقة والمسموعة هي أداة الداعية في التوصيل، والمنبر أو المنصة أو قاعة الدرس هي وسائطه في مخاطبة المتلقين، أما الصحافي فهو يخاطب الناس بالكلمة المكتوبة، ومنبره الأساسي هو الصحف والمجلات المطبوعة.
- أن فنون الدعوة غير فنون الصحافة، فأدوات الأولى محصورة في التوجيه المباشر "الخطب والأحاديث" أو غير المباشر الذي قد يتمثل في الأعمال الفنية الرسالية، أما فنون الصحافة فأدواتها الكلمة المكتوبة والصورة الكاريكاتيرية.
ثلاثة شروط لنجاح الخطاب الإسلامي
|
الخطاب يغدو مسلمًا إذا التزم بقيم الإسلام ومقاصده. |
أولها- إدراك ذلك الفاصل بين مهنتي الداعية والصحافي، والوعي الكافي بطبيعة وخصوصية وأدوات كل من المهنتين.
وأكرر هنا أننا لسنا بصدد تفضيل مهنة على أخرى، ولكن دعوتنا ترتكز على احترام المهنتين واستمرارهما بطبيعة الحال، فنحن بحاجة إلى الداعية بلا ريب، ويجب أن يؤدي عمله في مجاله على أفضل وجه، بعد أن يؤهَّل لذلك.
ونحن أشد حاجة إلى منبر الصحافة لأسباب لا أحسب أنني لست بحاجة إلى التفصيل فيها، بل أزعم أن الصحافة قد تصبح من أهم مجالات الدعوة إذا أُحسن استخدام أدواتها ووُظِّفت فنونها في خدمة الأهداف الرسالية النبيلة، ليست الصحافة وحدها، وإنما وسائط الإعلام الأخرى المرئية والمسموعة التي تقدمت فنونها على نحو مذهل، بحيث أصبحت قادرة على إعادة التشكيل العقلي والوجداني في المجتمعات المعاصرة.
الشرط الثاني الذي لا يقل أهمية هو: توسيع مفهوم إسلامية الخطاب، وقد سبق أن أشرت إلى أن الخطاب يغدو مسلمًا إذا التزم بقيم الإسلام ومقاصده، وإذا كنا نعتبر أن قيم الإسلام تنتظم حياة المرء كلها، ونعرف أنه مثاب على كل ما يفعل إذا خلصت نيته، فإن محاصرة الخطاب الإسلامي في النطاق العبادي المباشر والأخلاقي فقط تظلم الإسلام وتبخسه حقه، وإذا اعتقدنا أن الخطاب الإسلامي يكتسب هذه الصفة فقط حين "يرطب" الكلام بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية فذلك اعتقاد قاصر يختزل الإسلام ويضيق من دائرته.
للإمام ابن القيم عبارة نفيسة أوردها في كتابه "إعلام الموقعين"، يقول فيها: "إن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحق وقامت أدلة العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثمّ شرع الله ودينه ورضاه وأمره".
في هذه العبارة ذهب ابن القيم بعقله الكبير وفهمه العميق إلى أن كل ما من شأنه إحقاق الحق وإقامة العدل هو من شرع الله ودينه، وإذا جاز لي أن أقيس على كلامه في السياق الذي نحن بصدده، فإنني أذهب إلى أن كل ما كان من المعروف الذي يحقق مصلحة للعباد ويبني شيئًا إيجابيًّا في حياتهم، يظل ضمن الخطاب الإسلامي.
ولعلي لا أبالغ إذا قلت: إن التمييز هنا مهم بين الخطاب الديني بمفهومه الاصطلاحي والخطاب الإسلامي، فالأول هو ذلك الذي يدور في فلك العبادات والأخلاق وما يتصل بعلاقة المرء بربه، على الأقل فذلك يوحي به مصطلح الدين في زماننا المتأثر إلى حد كبير بفكرة الدين في العالم الغربي، حيث تعتبر الكنيسة محوره وساحته، أما الخطاب الإسلامي فهو يضيف المعاملات إلى العبادات والأخلاق، ومن ثَم فهو يُخرِج الدين من دائرة المسجد إلى محيط الحياة الأوسع.
|
الداعية وظيفته الهداية والتبشير والصحافي وظيفته الإخبار والتنوير. |
المستوى الثاني يركز على المعاملات ومصالح الخلق الدنيوية، لكل ما يسهم في إسعادهم والنهوض بمجتمعاتهم، والصحافة هي المجال الأنسب للقيام بذلك.
لا تعارض بين المستويين بطبيعة الحال، وإنما كل منهما يكمل الآخر ويصب في مجرى عمارة الدنيا والآخرة وإسعاد الإنسان في الدارين، كما يقال.
في رحلتي المهنية وجدت صعوبة بالغة في إقناع من أعرف بأن الخطاب الإسلامي عنوان يشمل كل انحياز لما هو نبيل وشريف في حياة الناس، معتبرًا أن هذا الموقف هو التعبير المهني المعاصر عن فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحقاق الحق وإزهاق الباطل.
اعترت أغلب السامعين دهشة شديدة حين قلت في إحدى الندوات: "إن التحليل العلمي أو التعليق الاقتصادي والرأي السياسي أو حتى التغطية الإخبارية لحدث رياضي أو لمشروع عمراني ينفع الناس، ذلك كله يمكن أن يحسب ضمن رصيد الخطاب الإسلامي" واضطررت لأن أقضي نصف ساعة إضافية لأشرح للمندهشين الحيثيات التي دعتني إلى إطلاق هذا الكلام!!.
الشرط الثالث لنجاح الخطاب الإسلامي في مجال الصحافة: هو ضرورة التصالح الفقهي مع مختلف أدوات الفن الصحافي، وفي المقدمة منها طباعة الصور واستخدام الرسوم والكاريكاتير.
وإذ أرجح أن الموقف الشرعي من مثل هذه الأدوات لم يَعُد مشكلة، إلا أنني أشير إلى هذه النقطة لأتحدث عن العقبات التي تحول دون حضور الخطاب الإسلامي في وسائل الإعلام الأخرى، المرئي منها والمسموع، المتمثلة في تحرج البعض من الإفتاء بحل الموسيقى والغناء ولغة الدراما والكوميديا، الأمر الذي يحرم الخطاب الإسلامي من أدوات من شأنها أن توصله إلى الناس، ولست هنا في مقام الإفتاء بإجازة كل ذلك، فغيري أولى وأقدر على ذلك، لكنني أريد أن أنبه إلى أمرين، هما:
1- أن هذه الوسائط والوسائل بمثابة أدوات محايدة، ليس هناك ما يعيب ذاتها، ولكن العيب قد يجيء من سوء استخدامها؛ ولهذا فإنني أتمنى ألا ينصب الخطر أو الكراهة على الموسيقى أو الغناء بإطلاق، وإنما توجه المؤاخذة والاتهام إن وجدا صوب المقاصد، فيُحارب ما كان منها ضارًّا وشريرًا، ويُشجَّع ما كان صالحًا ومفيدًا، حتى وإن كان ذلك في إطار الترويح البريء.
2- إن الخطاب الإسلامي يمنَى بخسارة شديدة، ويفوت فرصًا هائلة للترشيد والإحياء، بل وللتبليغ أيضًا، إذا لم يتمكن من وسائل الإعلام والاتصال الحديثة التي أصبحت الأقوى تأثيرًا في أفكار الناس ومداركهم، وإذ نحمد الله على أن ثمة حضورًا إسلاميًّا متزايدًا في عالم الاتصالات المتطور، إلا أنني أزعم أنهم لو أحسنوا استخدام أدواته ووسائطه، فإن ذلك يمكن أن يُعَدّ فتحًا جديدًا في مسيرة الإسلام والمسلمين، أرجو ألا تضيع فرصته.


















