حديث المرآة
أشياء كثيرة تلك التي تحول بينها وبين اتخاذ القرار.. أفاقت من غفوتها وهي ما زالت شاخصة أمام المرآة.. انتبهت لساعة الحائط التي انعكست صورتها أمامها وقد تسارعت عقاربها إلى الساعة الخامسة صباحا.. السكون يغلف ما حولها.. لا شيء يتحرك سوى القلق الذي يعتريها والحيرة التي تسكنها.. ووسط تلك الهدأة أتى صوت خاشع يعلن أذان الفجر.. وكأن الكون خشع للرحمن فلا تسمع إلا همسًا.. تجاوب ما بداخلها وسكن اضطرابها.. اتجهت للوضوء وهي تشعر بدفقات الصنبور تغسلها بخيوط من نور.. تترقرق على وجهها قطرات الماء وهي تردد دعاءها.. وقفت ترفع كفيها لتكبيرة الصلاة.. قنتت وركعت.. وحينما سجدت اقتربت.. شعرت أن كل خلية من خلاياها تسجد لربها.. الآن ذاقت لذة التسليم..
وبعد التسليم يمينا ويسارا.. جلست تتفكر في أمرها.. أي لذة تلك التي كانت فيها؟ وأي حرية هذه التي شعرت بها؟ إن سجودها إنما حررها من عبودية العالمين.. خيوط من نور تسللت لمخيلتها وقد ألقت بظلالها على تلك المشاهد المسرعة المتراكبة لتتضح لها شيئا فشيئا.. فحجج من يشككون ويرفضون الأمر إنما يرفضون منظومة أخلاقية كاملة من الأمن الاجتماعي تبدأ بمظاهر العفة ولا تنتهي عندها، إنما تمضي بنا لبناء حضارة كاملة.
والصوت الغليظ إنما أخطأ الأسلوب وخسر الوسيلة فاعتلا المنبر لينفر لا ليفسر ويعمل على تخليص القلوب وفتح مدارك العقول.
الفتيات اللاتي انطلقن في غير اتجاه وبدون مرسى وملجأ يركنّ إليه إنما راهنّ على العملة الزائلة.. على مظهر قد يتبدل وصورة لا تدوم.
وهؤلاء اللاتي ارتدين الحجاب كقطع من قماش زائد لا يمثل لديهن أكثر من ذلك في تغيير خلق أو تثبيت مبدأ إنما ذكَّرنها بالعبء الذي يجب أن تنتبه له لتستقيم صورتها واحترامها لذاتها من نقاء السر والعلن.
وتلك التي تدثرت عازفة عن حقيقة دورها إنما جعلتها تمعن النظر لتدرك أن الحجاب إنما جاء ليسمح لها بأن تتحرك مدافعة عن دينها وقيمها واقفة على أرضية ثابتة لا تمور.
إذن فهذا هو القرار يأتي بخطا ثابتة واثقة يطرق بابها ويغير من حياتها.. ساعات قليلة، بعدها خرجت تستقبل يومها بهندام بسيط رقيق يشير لوجودها دون صخب ويمنحها حق التجول بأمان دون مبالغة أو تكتيم.. وهي تواجه الحراك الخارجي حولها والخلط بثبات داخلي وهدوء نفس.. مرت سنون ولم تعد بحاجة لأن تقف لتقنع الآخرين بما يمثله الحجاب لها.. وبما تمثله هي.. فتكفي لحظات لمراقبتها حتى يدرك الجميع أنها صارت منطلقًا تدرك هي مواضع ضبطه. معرفة تنير لمن حولها.. وخيرا تهديه للعالمين.. صمت يكسوها حسنًا فوق الحسن.. ونطق من أعذب ما يكون.. إنها صارت "دعوة بالحال".. وحين تسألها عما تحتاجه لتتزود به في طريقها، تردد لك: أحتاج بين فينة وأخرى لأن أطيل السجود حتى أكمل المسير.. ولعلها تفعل كل ليلة.


















