أم شريك.. الإعلامية الأولى
سابقة عصرها
عندما تغمر أضواء النبوة بطاح مكة ووديانها، وينتشر نبأ مبعث نبي قريش بين أهله وعشيرته، والناس بين مؤمن وجاحد، نرى إحدى عقيلات قريش ممن شُحِنت روحها بفيض نور الرسالة ومشكاة النبوة جندية من جند الله، في صراع الحق مع الباطل.
لقد استخدمت هذه الصحابية المؤمنة لونًا إعلاميًّا سبقت به عصرها بأربعة عشر قرنًا، فكانت بحق أول وكالة أنباء عرفتها تلك الحقبة، وقدمت صورة إيمانية فريدة من صور الجهاد السلمي في الدعوة بالكلمة.
لقد كانت رضي الله عنها تنتقل بين البيوت، وتجلس مع النساء تبلغهن دعوة الحق، وتنقل إليهن نور الوحي، وتهديهن إلى طريق النجاة، مستخدمة في ذلك الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن؛ فأثرت بأسلوبها في الكثير من النسوة القرشيات فأسلم بعضهن.
لا بد من الابتلاء
وما كان الله عز وجل ليذر مثل هذه الحالة الفريدة دون ابتلاء يمحص إيمانها، ويختبر صدق توجهها؛ فانكشف أمرها للكافرين، وما كان للظالمين الجاحدين أن يتركوها تزلزل بنيان الكفر، وتهدم عروش الظلام؛ فوقعت في أيديهم، فاعتقلوها وسجنوها، ومنعوا عنها الطعام والشراب، وأوثقوها في الشمس، وعذبوها، وهددوها بما هو أكثر من ذلك، ولكن منعهم عن هذا خوف قومها.
الفرَج من الله
ولكن الله عز وجل ما كان أيضًا ليتخلَّى عن عباده الصادقين، فيبعث إليها بالتثبيت والفرَج، ويشملها برعايته وعنايته سبحانه وتعالى، بعدما أبدت من الصبر والثبات الكثير، فيحدث لها كرامة من الكرامات التي يكرم بها عز وجل أولياءه، فيرسل إليها ما يزيل ألمها، ويروي غُلَّتها، ويشرح صدرها؛ فيأتيها الماء من رب الماء ورب كل شيء، فتشرب حتى ترتوي، وتفيض على جسدها وثيابها ما يخفف عنها حر الشمس.
فَضْل وزيادة
وأنعم عليها الله عز وجل بفضل وزيادة منه؛ فكانت سببًا في إسلام أعدائها الذين آذوها، بعدما رأوا كرامتها عند ربها، فعلموا صدقها، وصدق هذا الدين.
إنها رغم كونها امرأة ضعيفة فإنها تحملت في سبيل دينها ودعوتها ما تنوء به الجبال، فلم تترك عذرا لقاعد ولا متخلف، وكانت مثالا رائعا في العمل والهمة العالية والتضحية والفداء والصبر، رضي الله عنها وأرضاها.


















