فاطمة بري.. فارسة الخيار الصعب
وددنا أن نتعرف عليها وعلى تجربتها عن قرب؛ فكان لـإسلام أون لاين.نت هذا الحوار معها:
* نريد منك أن تعطينا نبذة تعريفية عنك وعن نشأتك.
- اسمي فاطمة بري بدير، أحمل شهادة دراسات عليا في اللغة العربية وآدابها، لكني أعمل في المجال الإعلامي منذ حوالي 12 سنة، وبالتحديد الإعلام الإسلامي.
وُلدتُ في بيروت وعشت فيها، ولكني كمعظم الناس الآتين من المدن أنتمي إلى إحدى قرى الجنوب اللبناني، وهي قرية تدعى "تبنين" في قضاء بنت جبيل على تخوم الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة. وأود أن أقول هنا: إن مسألة الانتماء للقرية مسألة تنمي في شخصية الإنسان الشفافية والعفوية والبساطة، بعيدا عن أساليب التصنع والتعلق بالمظاهر، وغيرها من السلبيات السائدة في أحوال المدن.
* هل كان لأسرتك وظروف نشأتك تأثير في تشكيل شخصيتك وتوجهك لهذا الدور الذي تقومين به؟
- أعتقد أن دور الأسرة والتنشئة ملازم لأي إنسان ولشخصيته، وتأثير ذلك واضح فينا، فكما أن لكل واحد بصماته الخاصة، كذلك لكل نشأته الخاصة التي تترك آثارها عليه عمليا ونفسيا ومعنويا.
وبالنسبة لي شخصيا، الإجابة على هذا السؤال تستوجب حكاية كاملة بعشرات الصفحات، لكني سأكتفي بالقول إنني أنتمي لأسرة متدينة جدا، ومحافظة جدا، ويجب أن أذكر بهذا السياق أن أمي تخبرني دوما بأنني أضع الحجاب على رأسي منذ أن كنت في الثانية أو الثالثة من العمر!! هذا أمر لا أتذكره، لكني أتذكر جيدا يومي الأول في مدرسة الروضات، وقد ذهبت ودخلت الصف وأنا بالحجاب، مجرد طفلة في عامها الرابع ربما، وتبعات هذا الأمر التصقت بي وصارت جزءا من شخصيتي.
والحمد لله وله الشكر أنه هيأ لنا هذه الظروف، لكن النشأة المحافظة جدا والمتدينة كانت سيفا ذا حدين؛ لأن أبي كان دائم التحفظ على ذهابي للمدرسة -رغم طفولتي- وهذا أمر أدى إلى تعلقي بالقراءة والعلم، والشغف بالمطالعة الدائمة، حيث آتت التربية ثمارها فيما بعد.
* ما أكثر العادات أو الهوايات قربا إلى نفسك؟
- أجد ذاتي دائما مقترنة مع صفة الكتابة أو القراءة، فهما المسألتان اللتان لم تفارقاني منذ طفولتي، أقرأ معظم الوقت أو أكتب، ولهذا فلو سألتني عن الصفة التي أريدها لنفسي، لقلت فورا: "كاتبة"؛ لأن صفة "إعلامية" أو "مذيعة تلفزيون" لا أحس بها كثيرا رغم ممارستي لها، صحيح أنني أعمل في الإعلام وأقدم برامج تلفزيونية، لكن الصفة لا تشبع نهمي للطموح الذي أحبه وأريده، وهو المتمثل بالكتابة.
* وهل لك إنتاج أدبي منشور بالفعل؟
- نعم، ففي صيف عام 2003 أصدرت مجموعتي القصصية الأولى بعنوان "مذكرات امرأة"، وهي قصص اجتماعية من واقع الحياة، وفي صيف عام 2004 أصدرت كتابي الثاني "حديث الذكريات" الذي يضم حوارات في السيرة الذاتية كنت قد أجريتها ضمن أحد برامجي على تلفزيون المنار. والآن بين يدي مجموعتي القصصية الخاصة بالأدب المقاوم ومجتمع المقاومة في لبنان وفلسطين، التي سأسلمها للطبع بعد فترة.
* هل تقتصر قراءاتك على نوع معين من الثقافة؟
- كانت قراءتي منذ البداية في المجال الأدبي والقصصي بالتحديد، وما زالت الرواية حبي واهتمامي، لكني في السنوات الأخيرة وجدت نفسي منساقة نحو الاهتمام بالكتب التاريخية؛ نظرا للأهمية والعبرة التي تقدمها، وربما ما يحدث الآن يجعلنا مجبرين على الاهتمام بالشأن التاريخي والجغرافي للوقوف على حقيقة ما جرى وما يجري.
* بخلاف عملك الإعلامي، هل تمارسين عملا اجتماعيا من خلال مؤسسة أو جمعية ما؟
- أنا لست عضوة مسجلة أو رسمية بأية رابطة أو مركز أو جمعية، ولكني في نفس الوقت تجدينني في كل مكان، والسبب يعود هنا إلى طبيعة عملي كإعلامية تعرفني وتحترمني كل الشرائح الاجتماعية، وكذلك الشخصيات الفاعلة في المجتمع، والعمل الاجتماعي أو الدعوي لا يحتاج إلى طلب توظيف، بل هو مشاركة وتفاعل.
|
شعار قناة المنار |
- التوفيق بين عمل المرأة في الإعلام والضوابط الشرعية أمر سهل جدا، كلنا نعرفه لو أردنا أن نكون منطقيين؛ فالمرأة الإعلامية عليها ألا تتبرج وألا تتزين، فما نفع الحجاب مع التبرج والألوان والخطوط والملابس اللافتة؟! وبالنسبة لي شخصيا ومن خلال المؤسسة التي أعمل ضمنها (قناة المنار)، فإن هذا الشأن يعطَى له أهمية قصوى، تكاد تكون مبالغا فيها في بعض الأحيان، وذلك للحفاظ دوما على الأمور الشرعية وعدم الوقوع في المحرمات. والقاعدة لدينا تقول: ما نفع كل البرامج التي سأقدمها فيما لو كنت أعصي الله أو أغضبه؟. وبالتأكيد مسألة الحدود الشرعية معروفة لكل النساء فيما لو أردن التوقف عندها والاستيضاح.
* ما الدور الدعوي الذي تقومين به من خلال عملك؟
- إني بفضل الله أمارس الدعوة دوما بشكل غير مباشر من خلال الحوارات أو المهام أو الأعمال التي أؤديها مع مئات الناس، حيث كانت لي بعض المشاركات في ندوات ومؤتمرات، وهى مشاركات تلقي بمسئولية كبيرة عليَّ لأنها تتطلب مني ذكاء وحنكة في الإقناع وإيصال الفكرة. وأنا أتكلم هنا عن بعض المؤتمرات التي شاركت فيها أمام جموع لا تعرف شيئا عن المرأة المسلمة ومهامها وعملها، لكني ألِفت مسألة القيام الدائم بالدعوة إلى الله من خلال كل حركة أو كل عمل أو كل لقاء أو كل حديث، وهذا ما أحاوله من خلال عملي.
* ما الخطوات التي اتخذتِها للعمل كمذيعة؟
- عملي كمذيعة جاء دون قصد وترتيب، ولطالما ذكرت هذا الأمر وكررته، لم أحلم ولم أعتقد ولم أفكر في أي يوم من الأيام أن أكون مذيعة راديو أو تلفزيون، ولطالما حلمت أن أكون كاتبة، وقد بدأت بالفعل الكتابة والعمل ضمن الصحف وبرامج الإذاعة، ثم ما لبثت الكتابة أن أفضت بي إلى إعداد البرامج بشكل شخصي، كنت أكتب وغيري يقدم، لكن الأقدار جعلتني أتحول نحو التقديم؛ لأجد نفسي اليوم كاتبة ومعدة برامج للإذاعة والتلفزيون، ومقدمة أيضا ومذيعة إذا شئت.
* ما الهدف الذي تسعين لتحقيقه من خلال عملك في المجال الإعلامي؟
- هدفي اليوم -كإعلامية- هو أن أستطيع رفع كلمة الله في أي مكان وُجدت فيه، وكلمة الله تتمثل بالدعوة إلى الحق والعدل، ونبذ الظلم، ومناصرة المظلوم، والدفاع عن بعضنا، والوقوف بوجه الظالمين... إلخ، وأحاول قدر الإمكان أن أقدم صورة الإعلامية الملتزمة التي تستطيع التفوق على أخريات ممن لا يحملن إلا جمال الأجساد ولا يجدن إلا الاستعراض كما هو سائد اليوم، لنقول للجميع: إن المرأة المسلمة تعمل وتبدع وتكتب وتفهم أيضا، بل هي تتفوق في بعض الأحيان من خلال المخزون الفكري والعقائدي الذي تملكه على الأخريات.
* في رأيك، ما الأدوار التي يمكن للمرأة المسلمة القيام بها في المجال الإعلامي؟
- تستطيع المرأة المسلمة أن تؤدي أدوارا كثيرة من خلال العمل الإعلامي، فقد نراها ونعرفها باحثة أو مقدمة أو حتى مراسلة إخبارية، لكن الأمر مرتبط هنا بالدور المسند إليها والموكل لها من قبل القائمين على المؤسسات والإدارات، خصوصا إذا كانت توجد أحيانا عقلية ذكورية تحاول تقييد المرأة وتحجيم أدوارها.
* ما الإنجازات التي ترين أنك قمت بها من خلال عملك كإعلامية؟
- من خلال عملي الإعلامي أنجزت ما يفوق الألف حوار ومقابلة، مع شرائح وشخصيات وفعاليات مختلفة في الثقافة والأدب والطب والصحة والعلوم والفن والاقتصاد والقانون والإعلام...إلخ، كما كونت العديد من العلاقات والصداقات في كثير من الأوساط، وتعرفت أكثر إلى أسرار وخبايا العمل الإعلامي، وما يجري في دهاليزه وكواليسه.
* ما أهم القضايا التي ركزت على تناولها في برامجك؟
- القضايا التي عملت بها وعليها بشكل أساسي منذ بداية عملي تنصب في معظمها على الجوانب الثقافية والأدبية والنقدية، خصوصا أن دراستي هي في مجال الأدب، وقراءاتي كذلك ونتاجي، لكن يحدث أن الإعلام يجر أرجلنا إلى الكثير من المواقع، فنعمل في الأبحاث والتحقيقات والدراسات، وقد قمت بعمل فيلم تسجيلي ذات مرة، وشاركت في وضع نصوص بضعة أفلام وثائقية، وكنت مسئولة عن فترات البث المباشر والتواصل مع المشاهدين والمستمعين.
وهكذا نجد أن الداخل إلى ساحات العمل الإعلامي لا يملك الوصول إلى طريق الخروج، بحيث تتنازعه كل أقسام العمل وتفريعاته الميدانية والتقنية والتكنولوجية... إلخ.
* ما مواصفات المذيعة المسلمة من وجهة نظرك؟
- مواصفات المذيعة المسلمة أن تكون شخصية محترمة على الدوام، وتملك من المؤهلات والكفاءات ما يجعلها قادرة على أية مواجهة، نحن نعيش زمنا لا يسمح لنا بالتراخي أو الكسل، وكل مقومات النجاح مطلوبة. وأنا مع وجهة النظر التي تنادي بجمال الشكل الخارجي؛ لأنه البوابة الأولى للتأثير، لكن بالتأكيد الشكل الخارجي وحده لا يكفي، وهذا ينطبق على الإعلامية المسلمة؛ إذ ماذا يفعل الجمال والطلعة البهية أمام عشرات الأخطاء اللغوية والأمية الثقافية.
* كيف استطعت تحقيق التوازن بين عملك وبيتك؟
- التوازن بين المنزل والعائلة والأولاد والعمل هو موضوع فُرض على طاولة البحث، ولطالما تكلمنا فيه بكثير من النظريات والأطروحات في الماضي، وكنت دائما أقول: إن التوازن بحاجة إلى وضع خطة محكمة للنجاح داخل المنزل وخارج المنزل، ومسألة ترتيب أو برمجة المسئولية ستؤدي إلى النجاح دوما، لكنى أحيانا وللأمانة ألخص المسألة بإجابة عملية وواضحة.
فأنا منذ سنوات أستعين بخادمة دائمة التواجد في المنزل بالتأكيد؛ لأننا لا نستطيع أن نضحك على أنفسنا؛ فالأولاد لهم متطلبات لا تنتهي، وأنا كنت في بعض الأحيان أسافر إلى خارج البلاد لأكثر من أسبوع. ثمة عمل جيد وملح، وثمة عائلة وأطفال، إذن لنبحث عن مخرج كهذا.
لقد حققت على المستوى الشخصي التوازن المطلوب، فلا أحد يحس بالغبن أو الحرمان، وأعمل براحة تامة بلا تأنيب ضمير؛ فالأطفال مرتاحون جدا جدا، والزوج كذلك يرتاح جدا عندما يلاحظ ويرى أن كل الأمور ممتازة وتسير على أحسن وجه، ولا أحد ينقصه شيء.
ولو فرضنا أن بعض الظروف العائلية تستدعي اهتمامات ومتابعة أكثر من العمل، فهنا يكون الخيار صعبا وربما قاسيا، ولكن لا مفر أبدا من القول إن العائلة أهم من العمل، ودائما نقول: ما النفع الذي نحصل عليه لو حصدنا كل النجاح والسداد في العمل، وصار الأولاد فاشلين والمنزل مليئا بالمشكلات؟.
المسألة تخضع لاعتبارات كل أسرة، وكل حالة على حدة، ودرس الأولويات هو الأهم.
* وما موقف زوجك من عملك وانشغالاتك؟
- زوجي يشجعني دائما وكثيرا، ولا أبالغ إن قلت إنه كان المحرك والدافع الأول والأساسي؛ فهو الذي دفعني للعمل منذ بداية زواجنا حتى لا يضيع الوقت هدرا وبلا فوائد كما يقول دوما، وقد تعودت على حياة العمل، بحيث إنني لو مضت عليَّ بضعة أيام بلا عمل أو بذل جهد أكاد أمرض.
* في النهاية، ما تقييمك للإعلام الإسلامي المقدَّم في هذا العصر؟
- بصراحة شديدة الإعلام الإسلامي ما زال قاصرا جدا رغم تعدد منابره؛ لأنه يقدَّم في بعض الأحيان بأساليب منفرة. ثمة برامج في الإعلام الإسلامي جميلة وهادفة ومن الممكن متابعتها، لكن بالمقابل هناك برامج تصيب بالانزعاج نظرا لجمودها وجفافها، وما قد يدعم قولي هذا أن الإعلام الإسلامي لم يستطع بعد أن يؤثر في العالم الغربي أو حتى العربي بقناعاته وبرامجه والمحتوى الذي يقدمه.


















