أرسل لصديق ||

قضايا الأمة في فكر العوا

نحن والآخر

محمد سليم العوا
محمد سليم العوا
** هل ما وقع في نيجيريا وتفجير الكنائس في باكستان، وغيرها من أحداث وقعت في أنحاء متفرقة من العالم الإسلامي ضد بعض المؤسسات الأجنبية؛ يعني أن هناك صدامًا بين المسلمين في كافة أنحاء العالم مع أبناء الثقافات الأخرى؟

- المسلمون المضطهدون موجودون ليس في العالم العربي فقط، وإنما في جميع أنحاء العالم.. في بلدان كثيرة من أوروبا وفي أمريكا وفي بلدان إسلامية مثل باكستان وأفغانستان وإندونيسيا وماليزيا، كما هم موجودون أيضًا في الصين والهند والجمهوريات السوفيتية الإٍسلامية. ونحن نرى الآن اضطهادا جديدا من قبل أمريكا للعالم الإسلامي، آخره ما يحدث للسعودية من اتهام بتمويل الإرهاب، والشاب السعودي لا يعرف ما يدور وراء الكواليس، ولا يدري أن الحكومة تستطيع الرد بالأطر الدبلوماسية الهادئة؛ فيحاول الذود عن كرامة بلاده، فيضرب سيارة تقل جنودًا أمريكيين هنا، أو يحرق محلا يرمز إلى الأكلات الأمريكية هناك… وهكذا.

وهذه الحركات والأعمال الفردية ستتحول بمرور الوقت وارتفاع وتيرة الاضطهاد إلى حركات منظمة تستهدف المصالح الأمريكية ومن يمثلها في المنطقة، ولا يقل ما يحدث من اضطهاد عن الشعور بالاحتقار؛ فالمسلمون يشعرون أن الغرب يحتقرهم، وهذا يدفعهم إلى ممارسة العنف تجاهه في كل مكان، وسأعطيك مثالا واحدًا لهذا الاحتقار، وهو ما حدث في نيجيريا؛ فأن تختار نيجيريا من دون بلاد الدنيا، وأن تختار مدينة "كادونا" التي كانت عاصمة للخلافة الإسلامية لمدة 200 عام في أفريقيا، ويوجد بها حتى الآن أمير مسلم يطلق عليه "الخليفة".. أن تختار هذه المدينة كي تجرى بها مسابقة لاختيار ملكة جمال العالم، وأن يكون كل المشتركات فيما عدا اثنتين جميعهن من البيضاوات الأوروبيات والأمريكيات، وأن تكتب مقالات تمهد للمسابقة يجيء في إحداها أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم لو كان هناك لاختار لنفسه زوجة من هؤلاء الفاتنات!.

هذه إهانة واضحة، ومحاولة لاحتقار، لا يختلف عليها اثنان من العقلاء. وبالطبع كان لا بد من أن يُجن جنون المسلمين وتبدأ أعمال العنف، وهذا ليس عنفا إسلاميا، ولكنه عنف اختلط فيه الشعور الديني بالشعور القبلي بالشعور بالاحتقار.. نفس الشيء يمكن أن يقال حول عمليات التبشير الغربي التي تمارَس في بلادنا، ونحن أقدم بلاد للمسيحية في العالم؛ فلماذا يمارس الغرب في بلادنا هذا النوع من التبشير، ولدينا أعظم كنائس الدنيا وأقدمها؟ هم لا يحترمون إسلامنا، ولا يحترمون مسيحيتنا، ولا يحترمونا بالأساس، مثل هذه المشاعر هي التي تولد الغضب في كل مكان في العالم، وتدفع إلى هذه الأعمال الغاضبة في كل مكان.

موقف الأمريكان

** مكثتم في أمريكا في رحلة العلاج الأخيرة أكثر من شهرين، وبالطبع تحدثتم مع عدد من المثقفين هناك.. كيف يمكن رصد وجهة النظر الأمريكية تجاه العرب والمسلمين؟

- الحقيقة لا يستطيع أحد أن يقول: إن هناك موقفا موحدا من قضايا العرب والمسلمين؛ فكل مشكلة من مشكلاتنا يقابلها عدد كبير من التصورات، وأنا كنت في مدينة هارفارد، وهذه بها جامعة شهيرة، والتقيت بها بعدد كبير من العلماء والمفكرين، وتحدثنا طول الوقت عن علاقة الإسلام بالإرهاب، ومعظمهم كان لا يرى أي رابط بين الاثنين، وأن ما يحدث من ربط لا يعدو أن يكون نوعًا من الدعاية السياسية تقوم بها حكومة بوش؛ كي تبرر ما تريد أن تفعله؛ لكي تسيطر على احتياطي البترول في بحر قزوين. ولكن عندما كنا نتحدث عن موضوع إسرائيل يقولون لك: إن دعم إسرائيل ضرورة؛ لأنها قاعدة التقدم والحرية والديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط.. وهما أمران متناقضان تمامًا؛ لأن دعم إسرائيل يأتي على حساب الموقف الآخر من الإرهاب، ولكنهم يحسون باطمئنان تام لموقفهم هذا.. لماذا؟ لأن الدعاية الإسرائيلية تعمل منذ 60 عامًا دون ملل في أمريكا لتوصيل هذه المفاهيم. وطوال هذه السنوات نشأت أجيال عديدة نحن أهملناها تمامًا.

ولكن في نفس الوقت هناك فريق آخر يقول: إن المشكلة الحقيقية لأمريكا هي ارتباطها بإسرائيل، وموقفها غير المبرر من أوروبا.. فهم يرون أن أمريكا في موقف معادٍ لأوروبا بلا مبرر، وأن الحلف الأنجلو أمريكي يأتي على حساب بقية المصالح الأمريكية الأوروبية، لهذا فإن الملاحظة الأساسية هي عدم وجود موقف واحد يمكن أن يطلق عليه "موقف المثقف الأمريكي"، هناك عشرات المواقف، ولكن كلها صناعة إعلامية؛ فهذه الصناعة هناك مؤثرة للغاية.

** هناك من يردد أن ما يحدث من مخططات هي دينية بالأساس (أي صليبية) مقصود بها الإسلام، وهناك من يرى أنها محصلة مخططات سياسية تقوم بها إدارة غبية.. كيف ترون هذه المخططات الأمريكية؟

- هذه المخططات بالأساس "اقتصادية"، والسياسة خادمة للاقتصاد وكذلك الدين. والإدارة الأمريكية تمارس المخطط الاقتصادي باستعجال من يخشى أن يفوته القطار، تمارسه هنا بحمق، في الوقت الذي تستطيع فيه أن تحصل على كل ما تريد بالعقل والهدوء والاتفاقات السلمية؛ فكل المتغيرات في صالحها، لكنها فضلت الحصول عليه بالانتصارات العسكرية. أما الحديث عن الإسلام الأصولي والأصولية المسيحية الأمريكية المزعومة.. فهذه كلها وسائل في صراع اقتصادي واضح ومحدد.

رسائل عبثية

** في ضوء ما ذكرتم.. كيف ترون الرسائل الإعلامية المتبادلة بين المثقفين الأمريكيين ونظرائهم من العرب، وخاصة السعوديين؟

- لقد دعاني الدكتور "سعيد النجار" عندما وجَّه 60 مثقفا أمريكيا رسالتهم الأولى لندوة شاركت فيها مع د. ميلاد حنا ود. حسن نافعة والأستاذ محمد سيد أحمد، وقلت وقتها -وما زلت أكرر-: إن كل هذه الرسائل عبث واستهلاك للوقت والجهد؛ فالرسالة الأولى التي عملت كل هذه الضجة صادرة من معهد صهيوني يشرف عليه رجل معروف بصهيونيته، وقد كتب هو الرسالة، وجمع عليها عدة توقيعات، بعضها لأناس لا يعرف عنهم أحد شيئا، وبعضهم مشاهير مثل "صامويل هاتنجتون" و"فوكوياما ولاشن"، ولكن هذه الرسائل لا تأثير لها لا على السياسية ولا على الثقافة الأمريكية، هي عبارة عن فقاعات في الهواء,

ولكن ما أراه مجديًا هو العمل المنظم ذو الطابع التراكمي الذي يعيد صياغة الأفكار، وينتج أفكارا جديدة يصنع بها حوارا حيا -حتى ولو داخليا فقط- فنحن ما زال لدينا وجهات نظر عديدة منتشرة بين مثقفينا تحتاج إلى نقاش وجدل.. ليس هذا بقصد توحيد الرؤى؛ فأنا مع التعددية، ولكن التعددية التي تخلق نوعًا من الحيوية في الفكر، وتدفع إلى الاجتهاد.

** هذا يدفعنا للحديث حول ما يسمى "بحوار الأديان"، هناك من يرى أنه محاولة لتحسين صورة الغرب أكثر منه إجراء حوار حقيقي!

- نحن وصلنا في قضية حوار الأديان إلى صيغة أساسية -وهذه كانت دعوتي وفكرتي منذ البداية- أن يكون الحوار بين أهل الأديان وليس الأديان، وبين أهل المذاهب وليس المذاهب. والتقريب يتم بين معتنقي هذه الأديان والمذاهب، وليس بين الأديان والمذاهب؛ لأن التقريب المطلوب تقريب إنساني لإصلاح الدنيا وعمارتها. أما التقريب العقائدي فمستحيل؛ لأن العقائد من المطلقات، ولو آمن صاحب العقيدة أن في عقيدته خطأ لوجب عليه تركها إلى غيرها؛ فالحوارات إذن بين العقائد والأديان فساد وضلال لا يجوز أن يتم؛ فالعقائد إيمانيات مطلقة يؤمن بها أصحابها، ولا يجوز أن تحاجهم فيها.
 
طالع في نفس الموضوع:


صحفي مصري