قضايا الأمة في فكر العوا
مفاهيم يجب أن تراجع
- أنا أتصور أن الفكر الإسلامي يواجه تحديًّا خطيرًا جدًّا وهو تحدي عودة العنف الذي تقوم به جماعات منظمة، ولكنه في نفس الوقت عنف عشوائي، فلا أحد يتصور من الضحية القادمة.. في الماضي كنا نستطيع التحديد، الآن لا نستطيع "مطعم - سائحين…" لا أحد يعلم.
لذلك فإن على الفكر الإسلامي أن يسبق الأحداث ولا ينتظر وقوعها؛ فنحن قد تصدينا للفكر الإرهابي قبل ذلك، ولكن بعد أن وقع مئات الضحايا، وقتها لم ننتبه للكارثة إلا بعد وقوعها ولم نواجهها مواجهة فكرية وعقلية كانت لازمة.
واليوم ينبغي على الفكر أن يسبق الأحداث. يجب أن نوضح للناس المفاهيم الصحيحة التي تم تداولها على مدار سنوات عديدة بفهم ومنحى خاطئ مثل "الجهاد - الموقف من الآخر - مفهوم النصرة - الانقلاب على أنظمة الحكم بالقوة لتطبيق الشريعة"، كل هذه المفاهيم تحتاج منا جهدًا لإقرار الصحيح فيها من الخطأ.
** لتسمح لنا د. العوا أن تقوم بتوضيح لهذه المفاهيم بما تتيحه هذه العجالة، ولنبدأ بمفهوم الجهاد؟
- أعتقد أنه بات يتكشف للناس كل يوم المقولة الخاطئة عن "الجهاد" وهي أنه واجب بالسيف، وهي فكرة غير صحيحة بالمرة وأضرت بالإسلام كثيرًا؛ لأن الجهاد بالسيف وسيلة شرعت لتمكين المسلمين من الوصول للناس، فإذا كانوا قادرين على الوصول لهم بدون استخدام السيف فإن الوسيلة تكون قد تحققت وبقيت الغاية، وهي دعوة الناس بالسلم والمحبة والمودة، وهذا اكتشاف عظيم وفتح كبير فتح الله به على العلامة الدكتور "يوسف القرضاوي".
ثم إن آليات الجهاد نفسها تتغير بتغير الزمان والمكان.. والقرآن يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: {وجاهدهم به جهادًا كبيرًا} أي بالقرآن، وهو لم يطلق على أي نوع من الجهاد صفة (كبير) سوى على هذا النوع.
وابن قيم الجوزية الذي يستند إليه كثير من الشباب ولشيخه ابن تيمية في تبني مفهوم "جهاد السيف" يقول عن هذا النوع من الجهاد: "هذا جهاد الأنبياء، والقائمون في الناس هم الأقلون عددًا لكنهم الأكثرون عند الله قدرًا وأجرًا" لماذا؟ لأنهم اتخذوا الطريق الأصعب، فأسهل شيء أن تطلق رصاصة على أحد أو تفجر قنبلة في مكان أو تكره الناس على فكرة، والقرآن استنكر هذا.
لكن الصعب هو أن تقوم بإقناع أحد بفكرتك، وهذا ما أمر به الإسلام وحض عليه، وأنا أستطيع القول: إن نظافة الشارع أمام بيتك جهاد في سبيل الله، ومعاملتك مع زملائك ومرؤسيك وأهل بيتك، وتربيتك لأولادك، ومواجهتك للإعلام الفاسد ببيان مواطن الفساد والمقارنة بينها وبين مواطن الجمال… كل هذا جهاد.
وفي النهاية فإن الجهاد باللسان والحجة والبرهان هو أصعب أنواع الجهاد وهو جهاد الأنبياء كما سبق أن ذكرنا، فأنت إن عملت في إطار تنظيمي - كحزب سياسي أو جمعية ثقافية أو اجتماعية - فهذا جهاد ينتمي إلى النوع الصعب من الجهاد.
التعميم
** ماذا عن النظرة إلى الآخر "غير المسلم"؟ خاصة وقد سارع الدعاة على المنابر بالدعاء على الأمريكيين واليهود جميعًا؟
- أعتقد بأن أحد الأسباب الرئيسية في شيوع النظرة التعميمية الخاطئة عن الآخر هو شيوع منهج أخذ الناس على أنهم جماعة واحدة، وكذلك نفهم ونستوعب أن المصريين على سبيل المثال ليسوا جماعة واحدة، وكذلك الأمريكان والأوروبيون.. حتى اليهود، فهناك يهود في إسرائيل يعتقدون أن ما يحدث في إسرائيل ظلم فكيف يمكن أن ندعو على هؤلاء.
فأنا أعتقد أن المسئول الأساسي عن شيوع هذا المنهج هو وجود الدولة الحديثة "الدولة القطرية" التي باتت تتحدث باسم الناس رغم أنوفهم، وتعمل بما تظن أو بما تدعي أنه مصالحهم، وما هي إلا مصالح الحكام فقط.
لذلك فتعميم العداء الذي ترتبه السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط - على سبيل المثال - على كل أمريكي: هو أخطر من عدم الشعور بالعداء نفسه؛ لأنك بذلك تفقد أصدقاءك داخل أمريكا نفسها وتفقد تعاطف مواطنيك العرب والمسلمين والمتجنسين بالجنسية الأمريكية وهم كثيرون جدًا، وتفقد به المهمشين الأمريكان - المطلوبين من جراء تلك السياسية أيضًا - وهؤلاء قوة كبرى لا يستهان بها.
أيضا نحن نفقد بذلك العداء المعمم أنصار وقوى السلام في أمريكا، في الوقت الذي نحن فيه لسنا أعداء لأمريكا ولا لأوروبا ولا لليهود، ولكننا أعداء لأعدائنا، نحن أعداء للصهيونية ومن يواليها، فإذا أوجدنا واحدًا من هؤلاء فلندع عليه، ولنحاربه إذا جاءنا يحمل سلاحًا ويريد قتلنا، ولكن بشرط أن يكون الدعاء في القنوت وليس على المنابر؛ فالمنابر لم تخلق للدعاء ولكن خلقت لهداية الناس، ولا يجوز أن تتحول لمكان لملاحاة الأعداء؛ فهذه مكانها الميدان أو الصحافة وأجهزة الإعلام. ودعاء القنوت كذلك لا يجوز على جنسية بعينها؛ فالجنسية بها الصالح والطالح وهناك في الأمريكان من هو أنفع للمسلمين من ملايين الكسالى والنائمين.
انصر أخاك
** ماذا عن مفهوم النصرة؟
- النصرة من واجبات كل مسلم تجاه كل مسلم؛ فالحديث الصحيح يقول: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" قيل: يا رسول الله "ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟" قال: "بأن ترده عن ظلمه، فإن ذلك نصر له". فالنصرة الواجبة هي التي تمنع المسلم من أن يكون ظالمًا، وتمنع من أن يبقى مظلومًا، ولكنها ليست بالضرورة أن تكون بقوة السلاح ولا باليد، إنما النصرة بالكلمة الطيبة والنصيحة الصادقة والمناقشة الهادفة… هذا كله من وجوه النصرة.
والنصرة قد تكون بالعطاء بالمال فتنصر أخاك على نفسه وشيطانه وتحول بينه وبين الوقوع في الحرام وتساعده على بناء حياة شريفة، كل هذه من وجوه النصرة.
أما النصرة بالسلاح ففي مجال المعركة فقط عندما تتعرض أرض المسلمين لعدوان مثلما هو حادث في فلسطين، فلا يجوز للمسلم أن يقعد عن نصرة الفلسطينيين بما استطاع من ماله وسلاحه ونفسه؛ لأنه إذا ديست أرض المسلمين من عدو يريد استئصال الإسلام والمسلمين فلا يجوز للمسلمين أن يقفوا مكتوفي الأيدي، وينبغي عليهم أن يناصروا إخوانهم في هذه الحرب حتى تنتهي إما بالنصر أو بالشهادة - حتى لو استشهد جميع المسلمين فيها - هنا تكون النصرة بالقوة واجبة.
أما النصرة للأفراد أو الجماعات المضطهدة أو الشعوب التي تظلم من حكامها فهذه لا تتم بالقوة، إنما لها وسائل أخرى كالكلمة الطيبة والأسلوب المناسب لكل واقعة من الوقائع. فالنصرة بالسلاح تكون في الحرب للقادرين عليها والمكلفين بها. وكل عبارة من هذه تتمها تفاصيل فقهية كثيرة لا يتسع المجال لذكرها.
** ماذا عن الوصول للسلطة عن طريق القوة بهدف تطبيق الشريعة؟
- منذ اثني عشر عامًا كنت مكلفًا بتقديم الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر رحمه الله، في محاضرة بالجمعية العربية للتنمية الإسلامية، وكان موضوع المحاضرة يدور حول "تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر"، وقلت وقتها وما زلت أكرر: إن الجزء الأكبر من الشريعة الإسلامية يطبقه الإنسان على نفسه؛ فالالتزام بتطبيق أحكام الشرع التزام فردي أولا {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}.
فعلينا أن نقيم الإسلام في أنفسنا وأن ندعو الآخرين وأن نأمرهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر باللسان لا باليد والسلاح، ثم يأتي الجزء الثاني الخاص بالدولة وهو الجزء القانوني المتعلق بالجانب الجنائي والجانب السياسي والجانب المدني.
وفي المعاملات كل إنسان يستطيع أن ينهى نفسه عن التعامل بالحرام ولا يعمل إلا الحلال، وعندما يجد التجار والشركات والبنوك الناس لا يتعاملون بما فيه شبهة سيتحولون عن هذه القوانين التي بها شبهة. وبنوك أوروبا لجأت لذلك عندما شعرت أن عددًا كبيرًا من المواطنين المسلمين يمتنعون عن التعامل معها لشبهة الربا، فاخترعوا صورة من صور الاستثمار ليس بها هذه الشبهة، وهي ما سمي بالعائد المتغير.
وكذلك الأمر في القروض التي تخص شراء المنازل والبيوت، فلا شيء صعبا عندما تتوفر الإرادة للمسلم. وهذا الجانب من المعاملات هو الأغلب في الشريعة الإٍسلامية، وهذه كلها يمكن أن يقوم بها الأفراد دون تدخل من الدولة ولا يستطيع أحد أن يحاجي بأن المادتين 226، 227 من القانون المدني تنصان على "أن الدَّين إذا تأخر صاحبه في سداده يجوز أن تحسب عليه فائدة بشرط ألا تزيد عن 7%"؛ لأن هذه المواد اختيارية، وصاحب الدعوى يحكم له فيها، فإذا قال إنه يريد أصل المبلغ ولا يريد الفائدة فلن يجبره أحد على أخذ الفائدة.
ثم يبقى الجانب الجنائي ويمكن تطبيقه عن طريق قضاء مختص "مستقل"، وهو سلطة تنفيذية تخضع لهذا القضاء.
أما الجانب السياسي، وهو الديمقراطية أو الشورى، "وخلاصتها تمكين الناس من المشاركة في الحكم ومن عزل الحاكم إذا أخطأ ولم يلتزم بما انتخب على أساسه من برنامج"، وذلك عن طريق انتخابات سليمة ليس بها أي نوع من الثورة أو الانقلاب، وهذا هو ما أرى به نقصا شنيعا غير متعلق بالجانب الإسلامي فقط، ولكنه أيضًا متعلق بالجانب الإنساني بالأساس؛ لأن الإسلام لم يفرض قيم الشورى لمصلحة المسلمين ولا الدولة فقط ولكن لمصلحة الناس جميعًا، وأي تقصير في المطالبة بها بالطرق السلمية المتاحة هو تقصير في حق من حقوق الله سبحانه وتعالى وفي حق من حقوق النفس؛ فهذه مسألة إنسانية بحتة.
الانقلاب أخطر من الظلم
أما التفكير الانقلابي فهو أخطر على الإسلام من وجود حكام ظلمة وعدم تطبيق شرع الله؛ لأن وجود الحكام الظلمة وعدم تطبيق الشرع يمكن تغييره، لكن في ظل نظام انقلابي أنت تواجه جيشا وشرطة وسجونا ومعتقلات ومحاكم عسكرية؛ فالفكر الانقلابي خطر على الإسلام، وأنا لا أقره، وإنما أقر الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والعمل على الجانب الفقهي والإنساني والسلوكي والخلقي والعبادي للإسلام.
طالع في نفس الموضوع:


















