أرسل لصديق ||

قضايا الأمة في فكر العوا

واقعنا المعاصر.. الجذور والتجليات

محمد سليم العوا
محمد سليم العوا
** د. العوا.. قبل الحديث عن تفاصيل الواقع المعاصر نريد أن نلقي بعض الضوء على جذور هذا العنف الذي يدور في العالم الإسلامي من جانب، وبين العالم الإسلامي والغرب من جانب آخر.

- لو نظرنا إلى القرنين التاسع عشر والعشرين فسنجد أن أحوال الشعوب الإسلامية كانت أسوأ مليون مرة مما هي عليه الآن -من حيث الفقر والجهل والمرض وانعدام الشعور بالذات والإحساس بالدونية-، ومع نهضة التيارات الوطنية الإسلامية التي ساهمت في طرد المستعمر من بعض البلاد الإسلامية بدأت بوادر تلك النهضة الفكرية والحركية الإسلامية تظهر، ولكن كان الجهد كله في هذه المرحلة (أواسط القرن العشرين) موجها إلى ذلك المستعمر الأجنبي الموجود في هذه الأراضي الإسلامية. وقد فوجئ المسلمون بعد خروج المحتل بأن حالهم لم يتحسن، وبأن ثرواتهم لم تعد ملكًا لهم، بل ظلت ملكا للمستعمر أيضًا تحت مسميات جديدة: فوجئوا بشركات متعددة الجنسية، وسياسيين أصدقاء للغرب ورجال أعمال من جنسهم، ولكن هواهم هوى غربي أيضًا، وحكام عملاء...

وانتهى الأمر بالمسلمين بأن شعروا في النصف الثاني من القرن العشرين (منتصف السبعينيات وأوائل الثمانينيات) بأن شيئا مما جاهد آباؤهم وأجدادهم في سبيله طوال قرنين لم يتحقق، ما تحقق فقط هو خروج البدلة الكاكي الإنجليزية أو الفرنسية، وحل محلها بدلة كاكي محلية، أو مستعمر محلي برداء مدني في صورة شركة قابضة أو شركة مسيطرة أو رأس مال متحكم، وكأن شيئا لم يحدث. وكان رد الفعل المباشر هو مقاومة هذا النوع الجديد من الاضطهاد والاستئثار بالثروة والسلطة في آن واحد. ولا يتصور أحد أن يكون رد الفعل هذا "منظما أو منفلقا أو نابعا من فكر سليم ومنهج"؛ لأني لا أتصور أن مضطهدًا يعاني من القهر والتسلط يستطيع أن يفكر تفكيرًا سليمًا؛ فالمضطهد عادة غير سوي النفس، متعجل الحركة في سبيل الخلاص من الاضطهاد، ينظر إلى أقرب الوسائل التي تحقق هدفه -من وجهة نظره- وهو استخدام العنف، ولا يراعي ما ينتج عن ذلك من أضرار، ثم يجد نفسه في النهاية وقد دخل في تيار لا يمكن الرجوع منه، وقد تولد لديه هدف يحاول تحقيقه بأي ثمن.

ومن هنا جاءت حركات العنف الكثيرة في العالم الإٍسلامي خاطئة في تصورها، خاطئة في منهجها، خاطئة فيمن استهدفتهم، وقد جاءت بثمار خاطئة؛ لأنها اتخذت طريقًا خاطئًا، وأعتقد أن حركات العنف ستعود مرة أخرى للعالم الإسلامي أقوى مما كانت.. لماذا؟ لأن الشعور بالاضطهاد ما زال موجودًا، وما لم تُزل أسباب هذا الشعور بالاضطهاد، ويعاد توزيع الثروة، ويتاح للكافة أن يتملكوا كما يحبون، وتكون الشركات المساهمة، شركات مساهمة حقيقية، وليست محتكرة لفئة قليلة من الناس، ويصبح التعليم تعليمًا منتجًا والدواء متاحًا والسكن ميسورًا والزواج سهلا وميسرا ما لم يحدث إصلاح شامل سياسيا واجتماعيا.. سيعود العنف مرات ومرات؛ لأن هذه حلقة متكررة كلما شعر الإنسان بالاضطهاد، ولم يكن أمامه وسيلة ديمقراطية سلمية متحضرة للتخلص من هذا الاضطهاد؛ فإنه سيتخلص منه بالعنف؛ لأنه لا توجد نفس حرة وأبية تقبل الاضطهاد.

** من خلال هذا التصور.. ماذا لو حدث اعتداء أمريكي على العراق؟ كيف تتصورن دوركم؟

- إذا ضربت أمريكا العراق ثم مضت في تنفيذ مخططاتها المتعلقة بالمملكة العربية السعودية ومصر وإيران وحزب الله في لبنان وسوريا.. فلا العقل ولا الاجتهاد التجديدي ولا الفكر الوسطي سيكون لها مكان في الأرض لعقود طويلة من الزمان، وستدخل المنطقة في دوامة من العنف والعنف المضاد ستطال أمريكا نفسها في الداخل.. في عقر دارها. وأنا أتمنى أن تكون هذه الخطط مجرد تهديدات لن ينفذ منها شيء؛ لأنه لو حدث ما تردده الإدارة الأمريكية كل يوم على لسان "كونداليزا رايس" مسئولة الأمن القومي؛ فلن توجد بقعة في الأرض لن يطالها العنف؛ فالمسلمون موجودون في كل مكان، وسوف يشعر الجميع بمهانة كبيرة، وسيكون رد الفعل عشوائيًّا، ولن يُسمح لأي عقل -مهما بلغ من نبوغ- بالتحكم فيه.

** اسمح لنا بالاتجاه إلى جانب آخر؛ حيث حقق الاتجاه الإسلامي في بعض البلاد انتصارات على المستوى السياسي.. فكيف ترون هذه الانتصارات، التي نظن أنه يأتي على رأسها فوز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات في تركيا؟

- أقترح عليك أن يكون هذا السؤال في حوار آخر مستقل؛ لأن لدي فيه تصورا شاملا لأهميته الشديدة، وأنت قد سألتني منذ عدة سنوات مضت سؤالا، ما زلت أتذكره، قلت لي وقتها: ماذا تمثلون كمفكرين؟ وأنا قلت لك على ما أذكر: إننا نمثل الحقيقة القائمة على الأرض، وإن المستقبل لنا؛ لأن فكر العنف لا مستقبل له، وأن ما نؤمن به من فكر وسطي سينتصر في العالم كله.

انتصار الوسطية

** ولكن هل لنا من حديث موجز في هذا الموضوع المهم؟ (رؤوس مواضيع إذا جاز التعبير).

- إذا أردت أن نقول شيئا موجزا فإن ما جرى في البحرين والمغرب وتركيا وما يجري الآن من تغيير ثقافي ضخم جدًّا في السعودية.. دليل على انتصار الفكر الوسطي الإنساني المعتدل الذي يُبنى على سماحة الإسلام وحقيقته، وانهيار الفكر المتعصب المغلق العنيف الذي يجيز القتل واستعمال القوة والسلاح. مختصر القول في دلالة هذه الانتصارات: إن الفكر الإرهابي الذي يدعو للعنف قد سقط، وإن المعتدلين قد نجحوا، وإن هذه الصورة سوف تتكرر في كل مكان ستجري فيه انتخابات حرة.

والناس تقبل على السماحة؛ باعتبارها معبرة عن رؤى الإسلام الحقيقية، يضاف إلى السماحة والاعتدال في النموذج التركي الذكاء السياسي ومعرفة الواقع.. فالطيب أردوغان استفاد هو وحزبه من مجمل تاريخ الحركة الإسلامية في تركيا، وأعلن بلا لبس ولا تردد أن الإسلاميين جزء من تركيا - بعلمانيتها وقوانينها وعسكرها-، نحاول أن نقدم لهم خدمة من خلال العدالة والتنمية كما نفهمها ونؤمن بها، وهذا ذكاء سياسي منقطع النظير كانت تفتقده الحركة الإسلامية؛ الأمر الذي سبب لها صدامات لا معنى لها بكافة القوى بما فيها العسكريون؛ مما أجهض مشروعها المستقبلي الذي يخدم شعب تركيا العظيم والطيب، ويقدم لهم النموذج الإسلامي الصحيح والمستنير.. إن استمرار نجاح هذه المنظومة الجديدة مع شيوع التجربة الديمقراطية وانتشارها في جل المنطقة سيؤدي في النهاية لعلاقات أفضل بين الشعوب والدول المختلفة في جميع أنحاء العالم، وسيتم تفاعل حضاري حقيقي بصعود هذا النموذج المعتدل على حساب النموذجين الآخرين (النموذج العنيف المدمر، والنموذج المنتمي حضاريًا للغرب).

** يبقي هناك سؤال يلح علي ويطرح نفسه بعد كل ما سمعته حول مدى إمكانية وجود إطار منظم لضخ هذه الأفكار التجديدية، وتفعيلها حتى لا تضيع المجهودات الفردية هباءً؟

- دعني أخبرك خبرًا جديدًا، نحن منذ عام 1980 نسعى لإيجاد كيان منظم للعلماء والمفكرين الإسلاميين تحت مسمى "اتحاد العلماء والمفكرين الإسلاميين"، أول من تحدث معنًا في هذه الموضوع كان الدكتور "على فخرو"، وكان وقتها وزيرا للمعارف بدولة البحرين -كان هذا أواخر السبعينيات-، وبالتحديد في عام 1979؛ حيث جمعتنا ندوة حول النظم الإسلامية، وتحدث معنا طويلا أنا والدكتور القرضاوي، ثم جددنا الحديث عن ذات الموضوع مرة أخرى في الجزائر مع الدكتور القرضاوي والشيخ الغزالي -رحمه الله- ود. توفيق الشاوي، ثم توفي الشيخ الغزالي، ومرض الدكتور الشاوي، وبدأ د. القرضاوي يراسل الناس حول هذه الفكرة، حتى جمع أكثر من 300 توقيع من علماء ومفكرين إسلاميين يوافقون على الانضمام للاتحاد. وقد قمت أنا بعمل مشروع نظام الأساس، وتم الموافقة عليه بالإجماع، ثم أخذنا وعدًا من إحدى الدول العربية بإنشائه على أرضها، إلا أن حاكمها رجع في وعده لنا بعد قليل، ثم تقدمنا لدولة أخرى، وبعد مشاورات رفض حاكمها.

الآن نحاول أن نسجل هذا الاتحاد في أيرلندا؛ لأن القوانين هناك تسمح بذلك؛ فالمجلس الأوروبي للإفتاء مسجل بها ويعمل من هناك.. وبوجود هذا الكميات أعتقد أننا نستطيع أن نجمع حوله الفلول المتنافرة من الناشطين في الأمة الإسلامية.. لماذا؟ لأن المؤسسات الدينية الرسمية قل الآن من يتبعها في توجهها السياسي، حتى إن وجد في إحداها نابغة كمفتي الديار المصرية الآن د. أحمد الطيب فإنه يظل ملتزمًا بعمله الإفتائي في حدود الدين، ولكنه لا يستطيع التحول إلى زعامة سياسية؛ فنحن نريد في هذه الفترة زعامة سياسية إسلامية تتقدم الناس وتوضح لهم الأمور، ويلتف حولها الجميع؛ فأنا أرى أن الذي جعل واحدًا مثل "بن لادن" يصنع تنظيمًا يتوزع في كل بقاع الأرض أنه صور نفسه على أنه زعيم إسلامي سياسي، وهو ما نسعى لعمله عن طريق تجميع الناس خلف "الاتحاد العام لعلماء ومفكري الإسلام"، وأنا أتصور أن هذا المشروع سوف يسد فراغًا كبيرًا، وسيحول الأفراد إلى مؤسسات لا تموت بموت الأفراد، ولكن تظل قائمة عن طريق عمل مؤسسي حقيقي وعلمي يجمع بين الرؤية العلمية المنهجية والبصيرة السياسية والإخلاص في التوجه.

طالع في نفس الموضوع:


صحفي مصري