أرسل لصديق ||

الأمة الغائبة!!

Image
 العالم الإسلامي يحبس أنفاسه، ويعد الأيام، ويطلق الزفرات ارتقابًا لما سوف يحل بالشعب العراقي من عدوان باتت خططه جاهزة للتنفيذ، ورغم القرار الأخير الصادر عن مجلس الأمن، ورغم موافقة العراق على ذلك القرار رغم ما يحتوي عليه من بنود استفزازية، رغم ذلك فإن كل القرائن تؤكد أن هذه الانفراجة ربما لن تكتب لها الديمومة.

فالإدارة الأمريكية جاهرت وأسرَّت في العلن والخفاء أنها حزمت أمرها واتخذت قرارها، وأنهت رسم خططها لتوجيه ضربة عسكرية للعراق، وعلى ضوء ذلك تبدو المسألة مسألة وقت لا أكثر، ولئن كانت المسألة العراقية هي الشاهد الأبرز في حديثنا، كان واقع الأمة مليئا بالأزمات. وهي أزمات تعبر عن المآل الذي صارت إليها الأوضاع، فتحولت الأمة إلى أجزاء متناثرة، لا يكاد يربط بينها رابط.

الفاحص للحوارات والسجالات الدائرة في العالمين العربي والإسلامي يدرك أكثر عمق الأزمة؛ فالكثير من هذه الحوارات وتلك السجالات يبحث بشكل مجتز أو سطحي عن أسباب سطحية وواهية، والأسباب التي يتوصل إليها الكثيرون متكررة في الأزمة العراقية وغيرها وهي لا تعدو أن تكون عرضًا لظاهرة قديمة متجددة ثابتة في جوهرها ودلالاتها متغيرة في سماتها الظاهرية تبعًا لاختلاف واقع العصر.

إن العلة الأساسية تكمن في غياب الأمة عن الوعي والميدان. وإذا كانت بغداد بالأمس ليست سوى نقطة بداية رغم ما تحمله من كثافة في الدلالات، فإن بغداد اليوم ليست هي نهاية المطاف، حملات التتار والمغول التي استهدفت بغداد بالأمس كانت تسعى إلى التوسع والاستيلاء على مقدرات هذه الأمة، وتقويض بنائها الحضاري، وهو مشروع لم يكن يقتصر في الأمس على العالم الإسلامي وحده بل استهدف العالم بأسره، مثلما هو اليوم يستهدف مسخ الجميع وتحويلهم إلى مجرد اتباع مجهولي الهوية لا خصوصية لهم. بغداد اليوم يُراد لها أن تكون بداية التحرك والنقطة التي تجسد العرض العملي للمؤامرة، كما أننا لا نتحدث عن الغرب بعمومه ولا نضع الجميع في بردة واحدة، إن حديثنا في هذا المجال ينصرف إلى مجموعات بعينها تشكل ائتلافا تحركه أطماع السيطرة ونهب الثروات ومسخ الهوية، وهي أهداف واضحة في نهج هؤلاء ولا تكاد تخفى على أحد، حتى كثير من شرائح المجتمع الغربي باتت تدرك أطماع هؤلاء وحقيقة أهدافهم وتنتفض للاحتجاج عليها.

لقد أدى اختلال المعادلة التي حكمت العلاقة بين الدولة والمجتمع في الخبرة الإسلامية، وغياب قيم الإسلام الرسالي إلى ضمور وقزمية "الأمة"؛ الأمر الذي نجم عنه تحول أمة الشهود إلى أمة غائبة تُتداول قضاياها بمعزل عنها ويقرر الآخرون مصائرها وهي في حيز النسيان والتجاهل، لقد نسيت نفسها فنسيها العالم.

السبب الأساسي والجوهري لكل ما تعانيه الأمة يكمن في غياب الأمة ذاتها وبكافة شرائحها ووحداتها التكوينية من أفراد وفئات وجماعات وأحزاب ودول. هذه الوحدات أصبحت جزرا منعزلة لا يشتملها نسق نظمي يؤلف بين دوائرها ويضعها في شكل متوالية يسودها الترابط والتجانس، هذه الدوائر أضحت في مجموعها العام واهية الصلة بجوهر رسالتها، وأغلبها الأعم استقال من مسئولياته، واستكان لعجزه أو لتخاذله عبر تبريرات زائفة ودعاوى كاذبة تعطي لذة المخدر ومتعة التهرب من مواجهة حقيقة هي أمر من الحنظل.

لقد غابت الأمة وذبل حضورها في ظل دولة قطرية تعاني من أزمات في الشرعية والبنية والوظيفة الحضارية، دولة تعاني الاغتراب عن مجتمعها، ويزداد اغترابها في ظل فشلها في الوفاء بوعودها والالتزام بتعهداتها في التنمية واستقلال القرار وإنجاز مشروع التقدم، وأشد آفاتها أنها دولة تقوم على الإكراه وتعتمد على الاستبداد والتهميش، وهي تصر على امتلاك الحقوق الحصرية للفعل التاريخي رغم عجزها وقلة حيلتها، وهي تصر على أن يكون موقع المجتمع هو المشاهدة والتفرج.

والمجتمع بدوره يعاني من أزمات حادة، فهو مجتمع مليء بالتوترات والمشاحنات وتغلب عليه التناقضات التي تمزق أحشاءه، وقد تحول إلى مجتمع تسوده اللامبالاة وتسيطر عليه النزعات الاستهلاكية والترفيه، وقد تحول من مجتمع ممانع إلى مجتمع مستكين عاجز عن الخلق والإبداع، يبحر في بحر من الجمود والتقليد، هذه الصورة ليست سوداوية بفعل التخيل والمبالغة فهي تعكس الصورة الكلية والطابع العام، ولا يتنافى ذلك بالضرورة مع وجود ومضات إيجابية هنا أو هناك، لكن هذه الومضات تظل تتشكل الاستثناء والخاص، وهي لا تستطيع أن تغير من حقيقة ظهور المشهد في المحصلة النهائية على النحو السالف.

حديث غياب الأمة يلخص ويختزل وبكفاءة عالية الأسباب الحقيقة والموضوعية لتلك الوضعية المتردية وهذه المآسي المتكررة، وذلك الضمور الذي أصاب مشروعنا الحضاري في صميمه فغدا في طور العطالة والكمون. ولا عجب في ذلك فمراحل التألق الحضاري والشهود في تاريخ أمتنا تزامنت وتزاملت مع حضور الأمة في الوعي وحضورها في الميدان.

ذلك الحضور برز فيه الفرد الفاعل والجماعات الناشطة والمجتمع الناجز، وما استتبع ذلك من شيوع التوحد والتكامل، وحينما وهت الصلة بجوهر الإسلام الرسالي وفي القلب منه الوعي بمسألة الأمة، حلت النكبات واستفحلت الأزمات.

فقد انتكست الوحدة القائمة على التنوع وصارت إلى تشرذم وتشظٍّ لا نظير له، يعبر عنه ويغذيه استحكام الولاءات الفئوية الضيقة المتمركزة حول ذاتها.

فمن الولاء للقبيلة والعشيرة إلى الولاء للجماعة والحزب، وكلها في ظل غياب الوعي الصحيح بمسألة الأمة تحولت إلى ولاءات متناطحة متنابذة يقص بعضها بعضًا في شجار وعراك لا تكاد حدته تخف، وحتى الطلائع والقوى التي تحمل لافتات الوحدة عجزت عن تقديم البرهان على صدق دعواها، فترى جماعات – تنتسب إلى خط فكري واحد تعجز عن إقامة أدنى درجات التنسيق والتفاهم فتسود العلاقة بينها نزعات التوتر والخصام، وفي أفضل الحالات القطيعة والانغلاق.

استطاعت أمتنا في السالف أن تطوي في حناياها كل تلك الولاءات وأن تنفي خبثها وتحاصر دخنها حتى تتجاوز وتتعايش في تصالح مستلهمة ومتمثلة لقيم الإسلام الرسالي، ومتسابقة في مضمار التنافس في باحة المشروع الحضاري للأمة الذي احتوى التنوعات العرقية واللغوية وحتى العقدية في ظل مشروع طرح إمكانيات المشاركة والمساهمة أمام الجميع.

أزاحت الدولة القطرية الأمة، وشرعت في تسخير كل أدوات التنشئة، واستغلال كل الوسائط التوعوية من أجل تكريس الولاء القطري، ولم يكن المقصد في كثير من الأحيان الولاء القطري في إطاره الجمعي، بقدر ما كان الهدف تثبيت نفوذ زُمر حكم ونخب بعينها تستخدم الحيلة لصرف الأنظار عن حقيقة أهدافها والتغطية على سياساتها وتبرير نقائصها.

ليس من قبيل المفارقة إذن أن ترتبط أزماتنا وكبواتنا بهذه الدولة، فهزائمنا أمام العدو الصهيوني واستلاب إرادتنا ونهب ثرواتنا وارتهان قرارنا، وبالجملة فإن انكساراتنا العسكرية، وضوائقنا الاقتصادية وتأزماتنا السياسية وارتكاسنا الحضاري جاء في كنف هذه الدولة، والطريف أن هذه الدولة عندما تتوارى وتخف قبضتها تاركة مجالاً لتنفس المجتمع تأت الانفراجة يشهد بذلك تحرير الجنوب اللبناني وإنجازات الانتفاضة، وعندما حل شبح الدولة في أوسلو استجلبت معها المنغصات والتوترات.

ولسائل أن يسأل: هل العيب في فكرة الدولة ذاتها؟

فهذه الدولة رافعة مشروع التقدم وقاطرة الاتجاه الوحدوي في تجارب الغير، لعله من قبيل البداهة والبدائية أن يقال أن العب ليس في الإطار التجريدي للدولة، الخلل في دولتنا نحن في إطارها العياني، فكل هذه الدولة صاحبة الرصيد الإيجابي هي دول من إنتاج مواطنيها ومن كسب أيديهم، أما دولتنا، فهي دولة زمرة وأحيانًا شخص، وهي تصر على إنتاج مواطنيها وصناعتهم على عينها وتكبليهم بالقيود والأغلال.

لعله من اللافت أن ينجب الأكراد في زمن الأمة قائدًا أسطوريًّا مثل صلاح الدين، حارب نزعات التشرذم ودعا إلى الاعتصام، فعبر على جسر الوحدة وبفعل الأمة إلى القدس، فيما يطالب الأكراد اليوم وفي ظل الدولة القطرية بالانفصال والانسلاخ.

إننا لا نعيب على فكرة الدولة في حد ذاتها ولا نروم تحطيمها، فهي ضرورة وأساس لا غنى عنه، كما أننا لا ندعو في سبيل تحقيق فكرة الأمة إلى نظام سياسي ذي هياكل معينة، إننا نطالب ابتداءً بأن يوضع الوعي بهذه المسألة في صدر اهتمامات القوى والفعاليات والمنابر الدعوية والتوعوية، بحيث تتحول إلى قيمة حاكمة للفعل والتنشئة لدى كل الوحدات التكوينية في المجتمع. إن ولع البعض بالبحث في الصيغ والهياكل لن يجدي شيئًا في ظل الوعي السائد، فهذه القائمة والمستحدثة ستصبح وضعيتها وثيقة الشبه بالصورة القرآنية، حيث البئر المعطلة والقصر المشيد.

اعتادت الأمة الغائبة على التعايش مع نكباتها، وأصبحت الأزمات والخطوب من قبيل المثيرات للوعي الثانوي والموسمي؛ ولأن هذه الوعي على هذه الشاكلة ولأنه يدور في فلك تلك العلل فهو يتميز بالطابع الانفعالي وأحيانًا الافتعالي، ولهذا فهو سرعان ما يذهب ليخلف حاله من اليأس والإحباط تتبعها حالة من الاستكانة والهروب، ومن ثم فإن جذوته سرعان ما ترمد عضوًا عن أن تتقد لتكون حافزًا ودافعًا.

ليست المشكلة في هزيمة عسكرية هنا أو هناك، فهذه الهزائم على فداحتها ليست المشكلة بل هي العرض، هزائم الأمس كانت بمثابة الحافز للإصلاح واستعادة الوعي، فسجل أمتنا بالأمس لم يكن خاليًا من الهزائم، غير أن الفارق بين هزائم الأمس وهزائم اليوم أن هزائم الأمس كانت تترك ندوبًا وآثارًا سطحية، أما هزائم اليوم فهي تنخر في العظام وتزيف الوعي وتدفع إلى الركون والإخلاد إلى الأرض.

اللافت أن الأمة الغائبة في واقعنا حاضرة لدى الغير، فأوربا صارت أمة رغم افتقادها للعناصر الأساسية لمفهوم الأمة، وقد لفت الانتباه حرص الرئيس الأمريكي بوش الابن على دمج مفردة "الأمة" في خطابه، من أجل تدعيم الاصطفاف خلف إدارته وتأييد سياساته يتم ذلك في الوقت الذي يصر فيه العرب والمسلمون على التمسك باللافتة التي تحمل عنوان "أولاً" مسبوقة بتلك الولاءات من الفرد إلى القبيلة إلى الجماعة إلى الحزب إلى الدولة.

لن يشفى الجسد العربي والإسلامي من علله، ما لم يصل إلى حقيقة أزمته، ويشرع في تدشين مشروع الأمة وبث الوعي به وتأصيله، فهذه هي عظة التجربة التاريخية، وهي حقيقة لا نقبل المراء في أصولنا الموروثة، فحينما كانت أمتنا حاضرة في المكان والزمان مستهدية بجوهر رسالتها مستنيرة بإشعاعات قيمها، أبدعت مشروعًا حضاريًا فاض عطاؤه وانهمرت فيوضاته على العالم أجمع، وحينما توارت الأمة ووهنت صلتها برسالتها تشعبت بها الدروب وأصابتها القروح وغدت حاضرة في المكان غائبة عن الزمان.

أن هذه المسؤولية لا يمكن أن تكون أحادية، فمهماتها تتوزع على الجميع ودوائرها تتابع، ودون ما ذلك فسنظل في دائرة المراوحة.


باحث في شئون الحركات الإسلامية