أرسل لصديق ||

قل: (استعمارية)، ولا تقل: (صليبية)

Image
أصدر الأزهر الشريف مُمثلاً في مجمع البحوث الإسلامية وهو الهيئة العليا المختصة فيه بشأن البحوث والدراسات الإسلامية بيانًا يوم الإثنين الماضي حض فيه جميع المسلمين على الجهاد ضد القوات الأمريكية الغازية إذا بدأت في حربها ضد العراق، وقال البيان الأزهري: "إن أمتنا العربية والإسلامية، بل وعقيدتنا الدينية هي هدف أساسي لكل الحشود العسكرية التي تستهدف الأمة العربية ومقدساتها والسيطرة على مصادر الثروة والقوة في الوطن العربي".

وقد شفى هذا البيان صدور قوم مؤمنين، إذ وجد الناس أن المؤسسة الدينية الكبرى في العالم الإسلامي السني تقف معهم في خندق واحد، وتعبر بفتواها الدينية الصحيحة عن مشاعرهم الوطنية والسياسية تجاه العدوان الواقع فعلاً على الشعب العراقي والوطن العربي كله، بذرائع باطلة، يكذبها الواقع الذي يعرفه العامة، ويوقن بصحته الكافة في بلادنا وفي بلاد المعتدين أنفسهم.

وقد تمنيت أن يتضمن البيان المجمعي الأزهري أن الجهاد الواجب على كل مسلم ومسلم إذا ديست أرض الإسلام، واجب أيضًا على كل مسلم ومسلمة منذ بدأ الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وهو أمر تظاهرت على التصريح به فتاوى كثيرة سابقة، ولكنه يجب التأكيد عليه في كل مناسبة، لا سيما في الظروف العصيبة التي يمر بها أهلنا في فلسطين المحتلة، تحت حكم المتعصبين الصهاينة، بقيادة شارون وعصابته.

ليست من المعجم الإسلامي

وتمنيت أيضًا لو جاء البيان خاليًا من وصف الحرب التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية والدائرون في فلكها بأنها "صليبية"، فهذه الكلمة ليست من المعجم الإسلامي الذي استعمله العرب والمسلمون لوصف الحروب الغربية ضد الشرق العربي، وإنما سماها أسلافنا من المؤرخين العرب "حروب الفرنجة"، وجاءت التسمية بـ"الصليبية" من الفرنجة أنفسهم، الذين أرادوا استثارة الشعور المسيحي العام لتأييد حربهم التي كانت كحرب اليوم غزوًا استعماريًّا له أهداف اقتصادية وسياسية في المقام الأول، لكنهم استخدموا الدين لتسويقها، كما يفعل اليوم المتعصبون من معتنقي المسيحية الصهيونية أو المتصهينة، الذين يسيطرون على صنع القرار واتخاذه في الولايات المتحدة الأمريكية.

وهذه الحقيقة التاريخية تكفي وحدها لكي يتجنب المسلمون والعرب استخدام هذه الكلمة ذات الأبعاد المغلوطة دينيًّا وتاريخيًّا.

مراعاة لشعور المسيحيين الشرفاء

وثمة سبب آخر أقوى يرجح تجنب هذا التعبير، وهو أن إخواننا الأقباط المصريين والمسيحيين العرب والشرقيين بعامة، يسوؤهم أبلغ إساءة أن يُنسَب العدوان الظالم على العرب والمسلمين إلى الصليب الذي غدا عندهم وعند الناس كافة رمزًا للمسيحية، والصليب الرمز بريء من العدوان، وإن قام بتولي كِبَره بعض الحاملين له، ودعا إليه أحيانًا بعض البابوات والقساوسة الغربيين أنفسهم.

واحترامًا لهذا السبب المحلي، وتقديرًا لوقوف كثير من الأوربيين المسيحيين دولاً وكنائس ضد العدوان الأمريكي، قال الأخ الجليل المستشار طارق البشري: "إن استعمال هذه الكلمة نقطة ضعف في البيان المجمعي، كان يتمنى ألا يقع فيها".

وللسببين نفسيهما قال أخونا الجليل، السيد حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله في لبنان - رمز الجهاد المعاصر -: "إنه لا يجوز لنا أن نغفل المواقف الجديرة بالتقدير والاحترام للكنائس المسيحية في العالم، ومواقف الكنائس الشرقية كافة، ومواقف المطارنة اللبنانيين والسوريين، وإننا يجب أن نتجنب أي تعبير قد يشعر فيه كثير من المسيحيين بالإساءة، فإذا كان تعبير الحروب الصليبية يسيء إليهم فيجب أن نفتش عن مصطلح آخر".

وقال السيد حسن نصر الله: إن المواقف المسيحية المؤيدة للحق من الكنائس الشرقية ومن الفاتيكان يجب أن يقدرها المسلمون، وأهم ما فيها أنها تنزع العنوان الديني عن حرب بوش".

ولا يستطيع أحد أن يغفل الموقف النبيل للشعوب والحكومات في فرنسا وهي كاثوليكية، وألمانيا وهي بروتستانتية، وروسيا وهي أرثوذكسية، ضد الحرب الأمريكية الغاشمة، ولا يمكن لنا - نحن معشر العرب والمسلمين - أن ننسى أن أقوى بيان صدر ضد الحرب في الولايات المتحدة كان من المطارنة والآباء الكاثوليك، ووصف دوافع بوش إلى هذه الحرب بأنها "غير أخلاقية"، ولا يمكن لنا أن ننسى أقوى المظاهرات التي نُظِّمت ضد الحرب كانت في بريطانيا (أكثر من مليون متظاهر يوم 16/2/2003) وأيدت الكنيسة الإنجليزية في بيان رئيسها أسقف كانتربري الجهود المناهضة للحرب، وهو ما وضع الحكومة البريطانية العمالية، ورئيس الوزراء نفسه في مأزق خطير، يقول المراقبون اليوم: إنه قد يكلفه مستقبله السياسي وحاضره أيضًا.

صحيح أن بعض إخواننا يقولون: إن الذي يصف هذه الحرب الصليبية هو الرئيس الأمريكي نفسه، وإن الذي أكد وصفها هذا - على سبيل إظهار بشاعتها – متحدث باسم الفاتيكان أذاعت نص كلامه الإذاعة الرسمية للكنيسة الكاثوليكية، ولكن هاتين الحقيقتين لا تسوغان لنا أن نسيء إلى إخواننا في الوطن من المسيحيين الشرقيين، ولا إلى إخواننا في الإنسانية من المسيحيين الغربيين الذين يقفون في معسكر مناهضة الهجمة الأمريكية ضد العراق وضد العرب، الذين يؤيدون في كل مناسبة الحق المشروع لنا في فلسطين، والذين يعبِّرون - بسبب ما يتمتعون به من حريات ونظم ديمقراطية - عن رؤيتهم لهذا كله بصوت تسمعه الدنيا، وبمسيرات في الطرقات والميادين العامة، في الوقت الذي نتحدث نحن فيه همسًا، أو من وراء حجاب، أو في الملاعب الرياضية المغلقة على مَن فيها، بالغًا ما بلغ عددهم؟.

حتى لا نخسر الأصدقاء

وصحيح أيضًا أن بعض إخواننا يقولون: إنه من واجب القيادات المسيحية، الكنسية والسياسية الشعبية أن تتصدى لكل محاولة لإلباس هذا العدوان الأمريكي ثوبًا دينيًّا، أو صبغه بصبغة مسيحية، ولكن عدم هذا التصدي، أو القيام به بصورة غير كافية، وعدم الإلحاح عليه بصفة متكررة لا يجيز لنا أن نخسر الأصدقاء، ونحوِّل ذوي العواطف المشبوبة منهم إلى أعداء؛ لأن تعبير قياداتهم - أو بعضها - لم يكن بالقوة الكافية في نظرنا.

وقد تساءلت بعد أن قرأت ما نُشر عن بيان الأزهر الشريف، ورأيت ردود الفعل الإسلامية والمسيحية لتعبير "الصليبية" الذي ورد فيه، تساءلت: هل لهذا لم يوقِّع عليه فضيلة سيدي الإمام الأكبر شيخ الأزهر ورئيس المجمع؟ ليس عندي جواب يقيني، لكنني أرجو أن يكون ظني صحيحًا.


مُحام ومفكر إسلامي مصري.