القرضاوي: جوهر الديمقراطية من روح الإسلام
وقال الشيخ القرضاوي في خطبة الجمعة 4-6-2004 التي ألقاها بمسجد عمر بن الخطاب بالعاصمة القطرية الدوحة: "الإصلاح فريضة وضرورة؛ فريضة يوجبها الدين وضرورة يحتمها الواقع، ولا مكان في النظام العالمي الجديد لمن ينحون الإصلاح جانبا"، مشيرا إلى أن "العالم كله يتنادى بالإصلاح والديمقراطية، ولا بد لأمتنا أن تقدر هذه الحقيقة؛ فالإصلاح ليس عيبا؛ لأن أحدا لا يستطيع أن يدعي الكمال".
وأثنى الشيخ على كلمة أمير قطر خليفة بن حمد التي ألقاها في مؤتمر "الديمقراطية والإصلاح في الوطن العربي"، وقال: "لقد ألقى أمير قطر خطابا ذكر فيه أمورا لو عمل بها العرب لاستقامت أمورنا"، وتساءل القرضاوي: "إذا كانت كل أنظمتنا العربية في حاجة ماسة للإصلاح؛ فلماذا نؤجل الإصلاح حتى يطالبنا به الآخرون؟! أولى بنا أن نبدأ بالإصلاح بأيدينا!".
وكان الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير قطر قد قال: إنه لم يعد معقولا "التذرع بالحرص على مصالح العالم في منطقتنا، والخشية من زعزعة الأمن والاستقرار لإرجاء الإصلاح وتأجيله، خاصة بعد أن اكتشف العالم بنفسه أن مخاطر عدم القيام بالإصلاح تفوق بكثير كل المخاطر التي قد تصاحب القيام به"، وأن البلدان العربية اليوم: "تبدو مهيأة أكثر من أي وقت مضى" للإصلاح والديمقراطية، بعد أن اعترفت مؤخرا بضرورة التطوير، وتوافقت -بعد تردد- على ضرورة الإصلاح".
جاء ذلك خلال كلمته التي ألقاها في افتتاح مؤتمر "الديمقراطية والإصلاح في الوطن العربي" الذي ينظمه مركز الخليج للدراسات بجامعة قطر، ويحضره نحو 80 شخصية عربية من مفكرين ومثقفين وسياسيين، والذي بدأ أعماله في الدوحة الخميس 3-6-2004 وتستمر أعماله لمدة يومين.
الديمقراطية ليست مقابلا لحكم الله
وعاب الشيخ القرضاوي على أصناف من الناس يرفضون الديمقراطية دون أن يفهموا ماذا تعني، فقال: "البعض يقول: إن الديمقراطية ليست من الإسلام، والبعض يقول: إن الديمقراطية كفر، وأنا أقول: إن الديمقراطية الحقيقية هي من روح الإسلام وتعاليمه، وإنما الجديد هو الآليات والأساليب والوسائل"، مشيرا إلى أنه "إذا كانت الديمقراطية تعني حكم الشعب فإنها ليست مقابلا لحكم الله؛ بل إنها مقابل حكم الفرد".
وأوضح الشيخ أن "الإسلام لا يقبل حكم الجبابرة والمستبدين، وأن النموذج الفرعوني للحكم مرفوض؛ فالرسول يقول: "خير أمرائكم الذين تحبونهم ويحبونكم"، وتعجب من قول البعض بأن الديمقراطية بدعة مستوردة "وكل بدعة ضلالة.. وكل ضلالة في النار"، موضحا أن "جوهر الديمقراطية ليس مستوردا؛ بل هي الشورى، وهي النصحية في الدين، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي حرية النقد والتعبير عن الرأي".
وتساءل الشيخ: "هل يمنع الإسلام أن يأخذ بنظام الانتخاب من الديمقراطية الغربية؟!"، وأجاب نافيا ذلك "إن الإسلام لا يمنع أن نأخذ من غيرنا ما نراه مفيدا"، موضحا أن "الإسلام يريد أن يكون الحاكم محبوبا من شعبه، مختارا بإرادتهم، مبايعا بيعة عامة".
وضرب الشيخ أمثلة من السيرة تبيح اقتباس النافع المفيد من الآخر، مهما كان هذا الآخر، فقال: "هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتبس نظام حفر الخندق من الفرس بمشورة من سليمان الفارسي، وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقتبس نظام الدواوين من الروم، ويقتبس نظام الخراج من الفرس"، مشيرا إلى أنه "لا مانع أن تقتبس من الغير ما ينفعك ما دمت محتفظا بشخصيتك وهويتك وروحك وخصوصيتك".
وعاب الشيخ على "الذين يقولون إن نظام التصويت (الأخذ بالأكثرية أو الأغلبية) ليس من الإسلام"، وقال: "هذا غير صحيح؛ لأن التصويت هو نظام إسلامي صميم، وقد ناقشت بعض السلفيين والتحريريين في قولهم هذان، ولم أجد لهم حجة فيما يقولون؛ فالنبي أخذ برأي الأكثرية في غزوة أحد، وقال لأبي بكر وعمر: لو اتفقتما على أمر ما خالفتكما فيه".
"لماذا يقولون بأن الإسلام يرفض الديمقراطية، ونزل على رأيها (الأكثرية) سيدنا عمر في قصة الستة أصحاب الشورى؟".
ديمقراطية التسعات الأربع!!
وتعجب القرضاوي من الذين يرفضون الديمقراطية التي هي حكم الشعب، فقال: "وهل يرضى الإسلام بالاستبداد والديكتاتورية ونظام الحاكم الواحد الفرد الذي يتحكم في رقاب الناس"، غير أنه أكد على أن: "المهم هو جوهر الديمقراطية وحقيقتها، وليس شكلها؛ فهناك ديمقراطيات كثيرة في العالم ولكنها ديمقراطيات زائفة، مثل ديمقراطية التسعات الأربع (نسبة 99.99% التي يحصل عليها بعض الحكام في الانتخابات)، إنها أشبه بسباق يعدو فيه حصان واحد".
وعاب على نظام الانتخاب في معظم الجمهوريات في العالم العربي، قائلا: "يقولون لك: تنتخب فلان أم لا؟ هذا ليس انتخابا، إنما الانتخاب هو اختيار الأصلح من بين مجموعة من المرشحين، والديمقراطية الحقيقية أن يقول لي: تنتخب فلانا أم فلانا أم فلانا؟".
وتحدث الدكتور القرضاوي عما أسماه "بدعة الجمهوريات الدائمة"، فقال: "إذا كانت الملكية تورث الحكم؛ فإنها تعلن ذلك، ولها نظامها الخاص وحدودها وقوانينها المعروفة والمعلنة، لكن الغريب هو الجمهوريات الدائمة، والأصل في النظام الجمهوري تداول السلطات وتداول الرؤساء، لكن عندنا الرئيس مخلد ولا يزول عن ملكه أبدا!!"، وتحدى الشيخ أن يكون هناك "في أي دولة عربية -عدا لبنان- نظامها جمهوري يوجد رئيس سابق على قيد الحياة"، وقال: "لا يوجد.. فإنه إما أن يُقتل أو يُغتال أو يُنقلب عليه!!".
وضرب القرضاوي مثالا فقال: "في كثير من البلدان قد يحضر الحفل الواحد أكثر من رئيس جمهورية، ولعل أقرب مثال على ذلك الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ حضر في حفل واحد ذات مرة 5 رؤساء وهم: بوش الابن، وبوش الأب، وجيمي كارتر، وريجان، وكلينتون!!".
بدعة "توريث الرئاسة الجمهورية"!
وتحدث عن توريث الحكم في بعض نظمنا العربية: "...هناك بدعة جديدة في عالمنا العربي والإسلامي اسمها توريث الرئاسة الجمهورية، بأن تورث الرئاسة من الآباء للأبناء أو من الأجداد للأحفاد، كأنها عزبة. وليست هذه هي الديمقراطية التي نريدها، نحن نريد ديمقراطية حقيقية تقوم على الشفافية والمصارحة وإعطاء الحرية للناس، ديمقراطية تمنحهم الحق في النقد والمعارضة".
وقال الشيخ القرضاوي: "نريد في بلادنا أن يتحرر الشعوب تحررا حقيقيا من سلطان الجبارين والمستبدين، نريد للشعوب أن تتنفس؛ فتقدر أن تقول: نعم أو لا. أما سوق الناس بالعصا فهو لا ينشئ أحرارا بل عبيدا، والعبيد لا يمكن لهم أن يقيموا حضارة، ولا أن يحموا دولة".
وكرر القرضاوي مجددا تأكيده أن منح الحرية للشعوب مقدم على تطبيق الشريعة في جو من الديكتاتورية، فقال: "نحن قلنا ونكرر إننا قبل أن نطالب بتطبيق الشريعة نريد أن تتحرر الشعوب، فإذا أعطيت الشعوب الحرية انتعشت الدعوة وانتشر الإسلام".
واختتم الشيخ القرضاوي خطبته بالقول: "نحن نريد لأمتنا أن تسير مسيرة الحرية والديمقراطية، شريطة أن نفهم الديمقراطية بضوابطها؛ فنعرف أنها ديمقراطية المجتمع المسلم الذي يؤمن بالإسلام مرجعا له، ويؤمن بالشريعة حاكما له، ويؤمن بالقيم الإسلامية موجهة له، ويؤمن بالعقيدة الإسلامية أساسا لهويته"، مشيرا إلى أن هذا "هو المجتمع الذي لا يمكن أن يحل حراما، أو يحرم حلالا، أو يسقط ما فرضه الله، أو أن يشرع ما لم يأذن به الله".
وكان القرضاوي قد أكد أن الحرية يجب أن تكون المطلب الأول للشعوب العربية والإسلامية قبل أن يطالبوا بتطبيق الشريعة، وقال: "ولذلك أنا أقول: إن مشكلتنا الأولى في عالمنا العربي والإسلامي هي مشكلة الحرية قبل أن تكون مشكلة تطبيق الشريعة الإسلامية، مشكلة الحرية؛ لأننا لا نستطيع أن نطبق الشريعة وهذه الأجواء وهذه المناخات المسمومة القاتلة الخانقة تفرض علينا نفسها، لا بد أن نتنسم أنسام الحرية.. أن تفتح الأبواب، وتهب النسائم علينا حتى نتنفس كما يتنفس سائر البشر".
وأضاف الشيخ في برنامج "الشريعة والحياة" الأسبوعي الذي أذاعته قناة الجزيرة القَطَرية يوم 16-2-2003: "أرى أن الحرية هي المناخ الملائم لتطبيق الشريعة الإسلامية، ولنشر الدعوة الإسلامية، ولإشاعة القيم الإسلامية.. ومن غير حرية لا نجد الفرصة لهذا، أنا أجد دائمًا أنه كلما وُجِدَت الحرية في البلاد الإسلامية أو في بلد إسلامي انتعشت الدعوة الإسلامية، وقامت الصحوة الإسلامية، ووجدت الحركة الإسلامية".
غير أن الشيخ استطرد قائلا: "لم أقل إن الحرية بديل عن تطبيق الشريعة، ولكن رأيتُ أن مناخ الحرية يعني مقدمة لازمة لتطبيق الشريعة، لا بد أن تتوافر أجواء الحرية، حتى يستطيع أهل الدعوة أن ينشروا دعوتهم، وأن يهيئوا الشعوب لتقبُّل أحكام الشريعة، وأن يهيئوا الأجيال التي ستقيم الشريعة، الشريعة لا تقوم بمجرد الدعوة؛ فجو الحرية لا بد منه لكي نحكم بالشريعة".
استمع إلى:


















