أرسل لصديق ||

أبو الفتوح: الإسلام الحضاري هو الحل

د. عبد المنعم أبو الفتوح
د. عبد المنعم أبو الفتوح
أثار الحوار الذي أجراه مراسل "إسلام أون لاين.نت" مع المستشرق الفرنسي المسلم "إريك جيوفروي" (المختص في الصوفية بجامعة لوكسمبورج بشمال فرنسا) العديد من التساؤلات حول مستقبل "التيار" الصوفي في العالم الإسلامي، وما إذا كان تيار العمل "السياسي" الإسلامي يعتني بالجوانب الروحانية مثل الصوفية، ومدى إمكانية أن تكون "الحركة" الصوفية بديلاً عن الإسلام السياسي، وموقع الصوفية كحركة دينية من التغيير السياسي في العالم الإسلامي، وما ردده البعض من أن بعض جماعات الصوفية قد تحالفت مع المستعمر في بعض البلدان وأوجدت له الشرعية، وحقيقة الرأي فيما ردده "جيوفروي" من أن الصوفية هي الحل وأن المستقبل للصوفية.

رأينا -إتمامًا للصورة- أن نستمع ونعرض وجهة النظر المقابلة، لذا حملنا هذه التساؤلات التي فجرها الحوار، وألقينا بها أمام أحد قيادات جماعة "الإخوان المسلمون"، تلك الجماعة المعروفة باقتحامها مجال العمل السياسي ومشاركتها فيه بقوة.

عرضنا القضية على الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح (عضو مكتب الإرشاد للجماعة) الذي مارس -ولا يزال- على مدى حوالي 20 عامًا العمل السياسي والاجتماعي وكذا التربوي، من خلال العمل الطلابي بالجامعات، ثم العمل المهني والاجتماعي والإغاثي بنقابة الأطباء، واتحاد الأطباء العرب الذي تولى أمانته العامة مؤخرًا.

وقد ابتدأ الرجل حديثه لـ"إسلام أون لاين.نت" قائلاً: لا يمكن للصوفية أن تكون هي الحل البديل أبدًا، فهي ليست منهجًا شاملاً للإصلاح، وإنما دورها محصور في كونها برنامجًا للتربية الروحية فقط.

وقال أبو الفتوح: "إن رؤية الجماعة للإصلاح تنطلق من فهمها للإسلام، والجماعة تفهم الإسلام على أنه دين شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا"، مشيرا إلى أن "محاولة تجزئة الإسلام إلى إسلام "سياسي" وإسلام "روحي" غير مقبولة، فالإسلام كل لا يتجزأ".

شقان.. روحي ومادي

وأضاف أبو الفتوح: "الإسلام له شقان، أولهما روحي، والآخر مادي، والواجب على الدعاة إلى الله أن يهتموا بكلا الجانبين، وألا يهملوا أحدهما بدعوى أن الآخر هو الأهم، موضحا أن "القول بأن الصوفية هي الحل هو كلام غير صحيح ولا ينطلق من فهم صحيح للإسلام، وأنها رؤية لا تؤدي إلى إصلاح، فإيماننا راسخ بفكرة شمولية الإسلام".

وأوضح أبو الفتوح أنه "من الخطأ أن يستغرق السياسي في سياسته بعيدًا عن الروحانيات، أو أن يحبس الصوفي نفسه في صومعته ويقاطع حركة الحياة ويغمض عينه عن الواقع الذي يحيط به بدعوى أنه رجل روحاني، فكما أنه يجب ألا يفتقد السياسي للروحانيات، فيجب أيضا ألا يفتقد الصوفي للمشاركة في صنع مصيره".

واستطرد أبو الفتوح قائلاً: "الإمام حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين -رحمه الله- كان رجلا سياسيا لكنه كان في الوقت نفسه من المهتمين بالجانب الروحي، وقد كان يفعل هذا انطلاقا من فهمه الصحيح لدينه، واستجابة لقوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: (يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً . نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً . أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً . إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً . إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً . إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً ، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً)، كما يقول سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: (ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مُّحْمُودًا)، ويقول تعالى مادحاً المؤمنين: (والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيَامًا)، وفي بيان فضل قيام الليل يقول صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل" (متفق عليه من حديث أبي هريرة).

وقال أبو الفتوح: "المسلم الواعي لا بد أن يهتم بالجانبين معًا؛ لأن أداءه لا بد من أن يقوم على التوازن في الفهم والسلوك، والإمام البنا كانت بداياته صوفية على يد الشيخ الحصافي ولكنه لما كبر ونضج كان يجمع بين الروحانية والهم العام، فهو الذي جعل للإخوان كتائب وأذكارا وأورادا وقيام ليل وغير ذلك من برامج ترقية وتربية الروح.

الصوفية الحقة

وأشار أبو الفتوح إلى أن "أصحاب الصوفية الحقة الخالية من البدع ومن المنكرات كانوا في مقدمة المجاهدين في سبيل الله، فهذا هو عبد الله بن المبارك الفقيه الزاهد كان أكثر وقته في الجهاد، وكان البدر العيني شارح البخاري وهو من علماء الصوفية المجاهدين يغزو سنةً ويدرس العلم سنةً ويحج سنةً، هذه هي الصوفية الحقة.. علمٌ وجهادٌ وتربيةٌ".

وقال: "عندما قال الإمام البنَّا ما قاله من أن الإخوان (دعوةٌ سلفيةٌ، وطريقةٌ سنيةٌ، وحقيقةٌ صوفيةٌ)، فإنه كان يعني التصوف المنضبط بالكتاب والسنة، البعيد عن البدع والخرافات؛ وذلك لأن أية جماعة تريد أن تسير على منهج الله فلابد من أن يكون لها منهج في التربية الروحية، يعينها على مواصلة السير في الطريق.

وأضاف أبو الفتوح: "لقد اجتهد البنَّا أن ينقي ويفند هذه الشوائب والبدع، وقد أثر عنه قوله: (والتمائم والرقَى وادعاء معرفة الغيب، وكل ما كان من هذا الباب منكرٌ تجبُ محاربتُه إلا ما كان آية من قرآن أو رقية مأثورة، وأن الاستعانة بالمقبورين أيًّا كانوا، ونداءهم لذلك، وطلب قضاء الحاجات منهم عن قرب أو بعد، والنذر لهم، وتشييد القبور وإضاءتها والتمسح بها، والحلف بغير الله..، وما يلحق ذلك من المبتدعات كبائر تجب محاربتها)، مشيرًا إلى أن "البنا كان يرفض من الصوفية حصرها الإسلام في دائرة محدودة ضيقة، فضلا عن البدع والخرافات التي أدخلوها في الدين وهي ليست منه".

الصوفية ليست وحدها الحل

وردا على ما اعتبره المستشرق الفرنسي المسلم "إريك جيوفروي" (المختص في الصوفية بجامعة لوكسمبورج بشمال فرنسا) من أن المستقبل في العالم الإسلامي سيكون للتيار الصوفي، قال أبو الفتوح: "لا يمكن للحركة الصوفية أن تكون بديلاً عن الإسلام الحضاري، ذلك أن الصوفية لا تزيد عن كونها منهجًا للتربية الروحية، وأنا أكرر: الإسلام الحضاري، ولا أقول الإسلام السياسي، ففكرة الإسلام السياسي مرفوضة؛ لأنها تجزئ الإسلام، تماما مثلما يفعل الإسلام الروحاني، ثم إن تعبير أو مصطلح الإسلام الحضاري أشمل".

وأضاف: "نحن -جماعة الإخوان- نرفض أن تكون اهتماماتنا سياسية فقط، فالأصل أن أفراد الجماعة لا ينشغلون بالسياسة فقط، بل بالدعوة إلى الله، وعليه فهم يهتمون بممارسة العمل العام، ولكنهم لا ينسون التربية الروحية"، مشيرًا إلى أنه "على مستوى الجماعة هناك توازن في الاهتمامات بين كل الجوانب المختلفة، أما على مستوى الأفراد فلكل اهتماماته وميوله وهو أدرى باحتياجاته وما يحافظ على توازنه".

وردا على مَن يتهمون الجماعة بأنها انجرفت وراء تيار السياسة، وأن ذلك كان على حساب الجانب التربوي والروحي، قال أبو الفتوح: "ليس صحيحا أبدا أننا انشغلنا بالسياسة على حساب الروحانيات، وليس هناك دليل واحد على ذلك، فالأصل أننا أصحاب دعوة، والجانب التربوي هو صلب الجماعة، والسياسة في حياتنا لا تزيد عن كونها من وسائل الدعوة، فما هي السياسة التي استغرقت الجماعة؟.. مجلس الشعب؟! الإخوان يشغلهم البرلمان مرة كل خمس سنوات.. مشكلة السياسة أن صوتها عال ولها بريق إعلامي يضخمها، أما الجوانب الأخرى -وهي الأساس- لكنها ليست محط الأنظار".

وأضاف أبو الفتوح أن "الصوفية في بعض البلدان استُخدِمت سياسيا، فبعض الفرق الصوفية تحالفت في بعض البلدان العربية والإسلامية مع الاستعمار، وفي بعضها الآخر تحالفت مع الحكومات وكانت الداعم لها والمروج لسياستها".

واختتم أبو الفتوح حديثه قائلاً: "أود أن أوضح أن الصوفية في مفهومنا هي الاهتمام بالجانب الروحاني، وهناك فرق بين جماعة صوفية وبين حقيقة صوفية أو منهج صوفي للتربية الروحية، فالصوفية هي نوع من أنواع التربية الروحية والإيمانية"، مشيرًا إلى أن "الله سبحانه وتعالى قرن الإيمان بالعمل الصالح، فقال: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات..)، فإيمان بلا عمل هو ناقص، وعمل بلا إيمان هو ضائع".


صحفي مصري