دعاة نيجيريا بين مزالق السياسة ومخاطر الانعزال
هل تصبح السياسة ومشتقاتها محرمة على الدعاة أن يتناولوها؟
وما هي حدود الاقتراب المسموح للدعاة من السياسة حتى لا يقعوا في دائرة الاتهام والمحاذير؟
البأس شديد بين الدعاة والعلماء أنفسهم؛ فمن بين مؤيد ورافض اقتراب العلماء والدعاة من معترك السياسة ومشتقاتها، وقد برز الخلاف مجددًا بين الدعاة في نيجيريا حول هذه القضية ذاتها، وساد الانقسام الشديد حولها الأوساط الدعوية؛ فهناك من يدعون ويحثون طلبة العلم والعلماء على ضرورة اختراق مجال العمل السياسي والحزبي، وفي المقابل يرتفع شعار آخر يرفض الفكرة، ويدعو إلى الحفاظ على كرامة الدعاة وقدسية العمل الدعوي.
مبررات التيار المؤيد
ومع كل اقتراب للحملات الانتخابية للرئاسة أو البرلمان يحتدم النقاش بين التيارين؛ فالتيار المؤيد للاقتراب يبرر ذلك بعدة اعتبارات، منها:
أولا: أن الإسلام دين ودولة، وأن عزوف الدعاة عن ساحة العمل السياسي سلوك من شأنه تكريس فكرة فصل الدين عن الدولة.
ثانيا: أن غياب الدعاة المسلمين عن مجال العمل السياسي لفترات ولسنوات قد مكّن رجال الدين المسيحي من اختراق هذا المجال، وتبوؤ الصدارة في الخريطة السياسية للدولة.
ثالثا: أن مشكلة قلة أو انعدام العناصر المسلمة الفاهمة والمتفهمة لحقائق الإسلام في تمثيل المسلمين في المناصب التي يشكو منها المسلمون منذ زمن لا يتم التغلب عليها إلا بالمشاركة السياسية للدعاة والأئمة وطلبة العلم الشرعي.
رابعا: أن المشاركة السياسية في الانتخابات تتحتم على الدعاة ورجال الدين الإسلامي؛ لأنه على ضوء نتائجها يتحدد مستقبل ومصير مشروع تطبيق الشريعة الإسلامية الذي بدأ منذ 4 سنوات في 12 ولاية نيجيرية.
خامسا: أن طبيعة السباق على الرئاسة أحيانًا ما تكون بين مسيحي ومسلم، كما حدث في الانتخابات السابقة، بين الرئيس المسيحي "أوباسيجو" والجنرال المسلم "محمد بخاري"، وهذه الطبيعة تفترض مناصرة المرشح المسلم على غيره أخذًا بمبدأ الولاء والبراء.
مبررات التيار الرافض
ينطلق الرأي الرافض لفكرة دخول الدعاة ورجال الدين لمعترك السياسة من مبادئ واعتبارات عدة، أهمها:
أولا: أن السياسة القائمة حاليا في نيجيريا تمارَس على أساس لعبة قذرة، وأن الدعوة وظيفة شريفة؛ فانخراط الداعية فيها يعد جناية على الدعوة.
ثانيا: أن العمل السياسي يتحدد عبر التنظيم الحزبي، الذي لا يقوم على مبدأ الدين أو الطائفية، بل يتأسس على المصالح "المتغيرة"، التي ليس للدين فيها اعتبار.
ثالثا: أن الدخول في المعترك السياسي والحزبي يتطلب بعض التنازلات -مثل التلوُّن، والنفاق الاجتماعي تحت غطاء المصالح- التي يفقد بها الداعية الكثير من خصال المروءة والاستقامة، وبالتالي تسقط فيه القدوة.
رابعا: أنه مع افتراض نجاح الداعية في المعترك السياسي؛ فإن ذلك محدود بوقت أو فترة بقاء حزبه على الحكم، والمشكلة أن خطابه الدعوي سيبقى مشكوكًا في مصداقيته ومحل تهم فيما بعد.
خامسا: أن نظرة العامة إلى بعض العلماء والدعاة أعلى من نزولهم بها إلى حضيض السياسة؛ فهم المرجع الأساسي للساسة والقادة، والسند الأمين للإصلاح بينهم بعد فترة الانتخابات.
تنافس في كسب ود الدعاة
المنافسة شديدة بين الأحزاب والقيادات السياسية في محاولات كسب ود العلماء والدعاة؛ فالحزب الحاكم الذي يتزعمه الرئيس "أوباسيجو" سعى إلى عقد اجتماع سري بينه وبين القيادات الإسلامية من أبناء قبيلته في مزرعته يوم 5 من شهر أبريل 2003؛ في محاولة للحصول على دعم وتأييد من تلك القيادات مقابل وعود خاصة، وقد أحدث هذا الاجتماع شروخًا كبيرة في أوساط رجال الدعوة، وانقسامات حادة بين قيادات العمل الإسلامي في مناطق الجنوب التي ينتمي إليها الرئيس "أوباسيجو"، ومناطق الشمال ذات التمركز الإسلامي؛ لأن هذا التحرك جاء لمناهضة نفوذ حزب "جميع الشعب النيجيري" المعارض، الذي يتزعمه الجنرال محمد بخاري، ويحظى بشعبية كبيرة من المسلمين.
الخطاب الدعوي في خطر
في ظل هذه الأجواء المشحونة يواجه الخطاب الدعوي تحديات كبيرة؛ حيث تحيط الشكوك بنوايا الدعاة وخطباء المنابر من إثارة أو مناقشة قضية ذات طابع محلي ولها امتداد سياسي؛ فسرعان ما يقع الداعية في دائرة الاتهام؛ فتجربة إمام وخطيب "مسجد القنصلية المصرية في مدينة كادونا الشمالية" ليست ببعيدة عن هذا القبيل، الذي انتهى إلى إغلاق السلطات النيجيرية للمسجد في 9-4-2003، رغم الحصانة الدبلوماسية التي تتمتع بها القنصلية، على خلفية اتهام خطيبه بانتمائه لحزب معارض، وخوضه في قضايا محلية ذات امتداد سياسي على منابر الدعوة. فالأخطار ما زالت قائمة، وفرص تجددها واردة وكبيرة؛ إذ الأمثلة على ذلك كثيرة.
تيار ثالث
وسط هذا المناخ تزايدت الضغوط على الدعاة والعلماء -خاصة ذوي النفوذ والتأثير ممَّن يتزعمون الجماعات والمنظمات الإسلامية المختلفة في المجتمع النيجيري- بضرورة التحرك الإيجابي نحو العمل السياسي، أو المشاركة السياسية حتى ولو لم تكن تحت مظلة التنظيمات الحزبية.
على خلفية تلك الضغوط برز تيار جديد في أوساط الدعاة يقول بضرورة تعبئة الرأي العام لدى المسلمين نحو العمل والمشاركة الإيجابية في السياسة داخل التنظيمات الحزبية وغيرها، ووضعوا لذلك شرطًا واحدًا، هو أن يقتصر دور الدعاة والأئمة والعلماء على التشجيع والتحفيز والحض فقط، من دون تحديد لحزب أو تأييد لمرشح بعينه، كمحاولة لتفادي الانتقادات الموجهة إليهم بسبب مواقفهم السلبية من السياسة بشكل عام.
وعلى الرغم من ذلك فإنه لا يزال التيار الرافض يشكك في مدى قدرة هذا التيار الوسطي الجديد على الصمود أمام موجات من العواصف والزلازل السياسية القوية التي تعج بها البلاد على أشكال شتى من الإغراءات والاستمالات، التي تعمد لجر رجال الدعوة إلى مكائد النشطاء السياسيين.


















