الإعلام الديني.. سلحفاة في زمن الأرانب
في هذا التحقيق تساءلنا عن السبب، ولمعرفة الإجابة ما عليكم إلا أن تصحبونا في جولتنا هذه.
محلك سر
وكأن الناس في انتظارنا منذ وقتٍ طويل، فما إن توجهنا إليهم بالسؤال عن دور الإعلام الديني في حياتهم، حتى انفتحت قلوبهم وتحدثت عقولهم تبوح بما يجول فيها من أفكار وآمال.
بلهجة استنكارية بدأ الشاب هادي الشوا حديثه إلينا قائلا: "أين هو الإعلام الديني؟؟ أنظر حولي فلا أراه، جميع أنواع الإعلام تتقدم إلا هو، محلك سر، وما هو موجود لا يلبي الأدنى المطلوب لاحتياجاتنا كمسلمين".
وتُحلل طالبة الإعلام تمارا مهنا واقع الإعلام الديني فتقول: "المرئي منه روتيني، ويسير في قالب نمطي إلا قلة من البرامج تجد فيها نوعا من التجديد والحركة. والمطبوع لا يلبي رغبات القارئ، لا شكلا ولا مضمونا". وتواصل: "أما المسموع فهو الأسوأ، فما يُبَث لا يرقى بأي حال لما نتطلع إليه ونتمناه".
الإعلام الديني يتجاهل واقعنا
ومن حيث انتهت تمارا بدأ الحاج رائد جندية حديثه فقال: "الإذاعات الدينية في العالم العربي لا تناقش قضايا المسلمين؛ فهي تتعامل على أساس أن الدين قرآن وأحكام وفتاوى، وتنسى أن ديننا دين شامل، اهتم بجل الأمور التي يحتاجها المسلم"، ويستدرك: "أين المشكلات الاجتماعية والسياسية؟ أين الحلول للمشكلات التي تحيط بنا من كل جانب؟".
وترى أم فادي حجازي -وهي أم لأربعة أولاد وثلاث بنات- أن الإعلام الديني من شأنه مقاومة الإعلام المضاد؛ حيث قالت: "الإعلام الديني من إذاعة وفضائيات وصحف ومجلات قادر على التصدي لما يجتاح الأسرة من مواد تغريبية عبر الإعلام العربي نفسه؛ فهناك تيار من الإعلام الهابط ينمو بشدة وبأساليب ومضامين متطورة، ولو امتلك القائمون على الإعلام الديني النية الصادقة فسينجحون في محاربته".
موجود ولكن..!
وتعترف الفتاة هداية النمرة أن الشباب هم أكثر الفئات تضررًا من ركود الإعلام الديني: "نحن الشباب لا نجد في الإعلام الديني ما يخاطب همومنا ومشاكلنا، كما أنه لا يتحسس واقعنا؛ فنضطر لنبحث عن الحلول في إعلام آخر، ونحن على يقين أنه لن يصل بنا إلى بر الأمان، بل سيزيد من تشتت أفكارنا".
أما الشاب عمار قنيطة فكانت له وجهة نظر أخرى حدثنا عنها قائلا: "الإعلام الديني موجود؛ بل إنه في تقدم، انظروا إلى المواقع الإسلامية على الإنترنت، كما يوجد لدينا برامج رائعة ومجلات مفيدة، ولكن المطلوب أن يوظف الإعلام الديني كافة التقنيات وثورة المعلومات في الارتقاء بمضمونه".
سرعة السلحفاة!
وتوافقه الرأي طالبة العلوم السياسية هلا السراج التي قالت: "ديننا عظيم، وفيه حل لجميع المشاكل التي نعاني منها؛ لذا يجب على الإعلام الديني أن يخاطب العقول والقلوب، مستفيدًا من ثورة الاتصال؛ فليس من المعقول أن يتقدم الإعلام الهابط بسرعة الصاروخ، ونحن نبقى نسير بسرعة السلحفاة".
ويرى الشاب جهاد المصري أن مشكلة الإعلام الديني الحقيقية تكمن في غفلته عن أخبار وأحداث المجتمع؛ حيث يقول: "لدينا إعلام ديني وبوسائل متعددة، إلا أنه يبدو منفصلا عن واقع مجتمعاتنا وما تتعرض له، وهذا الانفصال هو ما يعيق تطور الإعلام الديني، وبالتالي ينعكس سلبا علينا".
تطور كبير
كيف نقرأ واقع الإعلام الديني في وطننا العربي؟؟ وما الأسباب التي تجعله غائبا عن تلبية احتياجات المسلمين؟ وما هو المطلوب والمأمول منه حتى يرقى لتحديات الواقع؟
أسئلة بسطناها على طاولة الدكتور فريد أبو ضهير المحاضر بقسم الصحافة بجامعة النجاح الوطنية بنابلس، والذي بدأ حواره معنا قائلا: "أعتقد أن الإعلام الديني تطور كثيرا في الآونة الأخيرة؛ فقد كان الإعلام الديني شبه محظور، ومقصورًا على الأنظمة والحكومات التي كانت تخاف من انتشار الفكر الديني بين الناس، وبالتالي يسبب لها إشكالات وتحديات، لكن بعد تطور الإعلام المذهل في السنوات العشر الأخيرة ظهر الإعلام الديني الذي شق طريقه بكثير من المهنية والتميز والفن".
حياة المسلم مفقودة
|
د.فريد أبو ضهير |
وينتقل أبو ضهير للحديث عن نقطة هامة؛ حيث يقول: "الإعلام الديني لم يعالج الجوانب الاجتماعية والثقافية والحياتية للإنسان المسلم؛ بل بقي وعظيا، والسبب في ذلك هو عدم التفريق بين الإعلام الديني والدعوة. والمشكلة تقع في الحقيقة على عاتق القائمين على الإعلام الديني، الذين لم ينتبهوا إلى أن الأولَى بهم حسب الأسس العلمية للإعلام الاهتمام بحاجات الناس والاندماج في قضايا المجتمع".
فهم الأسباب
أما عن المشكلة التي يعاني منها الإعلام الديني، فقال: "المشكلة تتمثل في القدرات التي يتمتع بها القائمون على هذا الإعلام. فحتى نقدم إعلاما دينيا شيقا وجذابا نحن بحاجة إلى الإعلاميين المتخصصين، وذوي الإطلاع الواسع، والثقافة العالية المتميزة، وكذلك الإبداع من ناحية أخرى".
وأضاف أبو ضهير: "يجب إجراء دراسات صريحة وواضحة للإعلام القائم حاليا، ومحاولة فهم الأسباب التي تؤدي إلى أن يكون نمطيا وروتينيا. وأن نسعى إلى وضع تصورات عملية للارتقاء بالإعلام الديني".
وعن التحام الإعلام الديني بقضايا المجتمع قال الدكتور فريد أبو ضهير: "الإعلام الديني يمكن أن يعالج الكثير من المشكلات المعقدة في المجتمع؛ ولذلك يجب عليه الالتفات إلى الواقع الصعب الذي يعيشه المسلم في هذا الزمان، وأن يسعى إلى تقديم الحلول لهذه المشكلات، ومن الضروري الخروج من دائرة النمطية في المعالجة، وكذلك الأساليب التقليدية، وهي الأمور التي لا تثير في الجمهور حب الاستطلاع، وحب التعلم، أو حتى الاستمتاع بالمضمون الإعلامي ".
الحل في ثلاثة أشياء
ما المطلوب من الإعلام الديني؟؟ سؤال أجاب عليه د.أبو ضهير قائلا: "لا بد من عمل ثلاثة أشياء:
أولا- التخطيط: والتخطيط له أصول وأسس ومتطلبات، والتخطيط يشمل أمورا كثيرة، منها الرسالة وفهم الجمهور، واستخدام الفنون المختلفة لتوصيل الرسالة.
ثانيا- التخصص: فالإعلام بحاجة إلى متخصصين يفهمون ماهية الإعلام، وطريقة الأداء، ويعملون على تطوير أساليب الخطاب. والمتخصصون يمكن أن يبدعوا، ويبتكروا في عملهم وفي توصيل الفكرة.
ثالثا- الاستثمار: فالإعلام مكلف جدا، وبخاصة عندما تتحول الرسالة من مجرد كلمات إلى أشكال كثيرة، درامية مثلا، وغير ذلك. والاقتصاد في عمل الإعلام الديني يكون على حساب تقدمه ونجاحه. فمن المهم فتح المجال أمام التخطيط دون أن يكون المال عقبة أمام تطوير الاعلام الديني ".
العجز عن التوظيف
وأخيرا نصح د.أبو ضهير القائمين على الإعلام الديني بأن يُحسنوا استخدامه لما له من بالغ الأثر في إصلاح الواقع المتردي الذي يعاني منه المسلمون، ويستدرك: "خاصة إذا ما أخذنا بالاعتبار أن هناك إقبالا كبيرًا على الدين، وهناك ثقة كبيرة لدى الناس في قدرة الدين على حل مشكلاتهم، وإخراجهم من الأزمات التي تعاني منها مجتمعاتهم. وفي نفس الوقت هناك إدراك لقوة الإعلام في التغيير وفي التأثير".
وواصل قائلا: "المشكلة تكمن في عجزنا عن توظيف الإعلام في معالجة قضايا الأمة، وهو أمر يحتاج إلى تدارس والوصول إلى حلول عملية تخرجنا من حالة العجز الإعلامي إلى حالة تفعيل الإعلام على الوجه الصحيح ".
داعية وليس إعلاميا!
ومن جهته يرى أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية الدكتور ماهر السوسي أن الإعلام الديني في الوطن العربي مؤسسة حديثة، مقارنة بأنواع الإعلام الأخرى، وقال: "لو بحثنا في الأسباب التي تجعل الإعلام الديني عاجزا عن مناقشة قضايا المجتمع ونواحي الحياة فسنجد أن السبب هو عدم وجود إعلاميين متخصصين في هذا المجال؛ فالذي يقدم البرامج الدينية أو الذي يكتب في هذا المجال تجده داعية، ولكنه لا يملك مقومات رجل الإعلام، ولو نجحنا في إيجاد الداعية الإعلامي فسننهض ونرتقي بالإعلام الديني".
البحث عن وسائل جذب
وطالب السوسي القائمين على الإعلام الديني بأن يخاطبوا الناس بأكثر الوسائل تأثيرا، وأن يبتعدوا عن النمطية والروتين، واستدرك قائلا: "على المسلمين استثمار الوسائل الحديثة في إيصال الإسلام، والارتقاء بالإعلام الديني وأجهزته".
وأنهى د.السوسي كلمته قائلا: "الإعلام أحد وسائل الدعوة والتأثير المهمة في المجتمع؛ لذا فإن من يقوم بالإعلام الديني مسئول أمام الله عز وجل عن كل شيء يقدمه للناس، كما أنه مسئول عن عدم منافسته لوسائل الإعلام الأخرى. وعلى الإعلام الديني جذب المشاهد العربي وتقديم كل ما يرغب في مشاهدته من برامج سياسية واجتماعية وترفيهية وتثقيفية بمنظور إسلامي ".
شارك برأيك حول:


















