أرسل لصديق ||

العمل المكفر عن 11 سبتمبر

عامان مرا على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تلك الأحداث التي زلزلت العالم كله، وحولت الكثير من مجريات الأمور فيه، وغيرت الكثير من الاعتقادات والنظريات والمسلمات السائدة.

ولقد تباينت ردود الأفعال تجاه هذه الأحداث، فمن ذهول ودهشة مصحوبين بالحزن العميق من جهة الأمريكان وحلفائهم، إلى فرح ساذج من جهة عوام الشعوب المستضعفة التي عانت من الهيمنة الأمريكية، بصرف النظر عن أوطانها ودياناتها، إلى شعور بالحرج لجموع المسلمين في الشرق والغرب، حيث وضعتهم في موقف المدافع، الذي يناضل لإثبات براءته من تهم الإرهاب والقتل وسفك الدماء.

وبالطبع فقد كان مسلمو الغرب -سواء كانوا من مواطني هذه البلاد أو من المقيمين مؤقتا أو المهاجرين إليها- هم أكثر المسلمين مقاساة لهذا الحرج، وأشدهم معاناة لتبعات هذه الأحداث، من اتهامات وتوقيفات ومطاردات واعتداءات وخنق حريات.

إلا أن الصورة بالنسبة لهؤلاء المسلمين لم تكن كلها سوداء حالكة، حيث لم تخلُ من بعض النقاط المضيئة، فكما فُرضت عليهم التحديات وارتسمت أمامهم العوائق، لاحت لهم بعض المؤشرات الإيجابية، تحمل آمالا ومبشرات رأوا بعض جناها يتحقق في واقعهم.

في هذا الصدد أجرى مراسلنا في أمريكا الشمالية الأستاذ تامر أبو السعود حوارين هاتفيين: الأول مع الأستاذ الدكتور ماهر حتحوت مستشار المجلس الإسلامي الأمريكي للعلاقات العامة، والثاني مع الأستاذ الدكتور جمال بدوي، الداعية الإسلامي البارز وعضو كل من المجلس الفقهي لأمريكا الشمالية، والمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث.

تحدث كل من الأستاذين في هذين الحوارين حول التحديات التي تواجه الجاليات المسلمة في أمريكا بعد مرور عامين، وأوضحا أن هناك تحديات تنبع من داخل المسلمين أنفسهم، وتحديات تأتي من خارجهم.

وتحدثا أيضا عن الآمال المرجوة والآفاق التي تتطلع إليها الجاليات المسلمة في أمريكا، والأولويات التي يجب عليهم مراعاتها، خاصة أن تلك الأحداث جعلت البعض ينكفئ على نفسه ويفقد الأمل، فأعربا عن تفاؤلهما واستعرضا بعض الإيجابيات الملموسة والفرص السانحة للجاليات المسلمة بعد مرور عامين على تلك الأحداث.

وتحدث الدكتور حتحوت عن أهمية أن يشترك المسلمون الأمريكيون في ترشيد القرار الأمريكي لترشيد المغامرات الأمريكية المتكررة في العالم، والتي لم يكلل أغلبها بالنجاح، وكذلك أهمية أن يعي المسلمون أنهم أمريكان، يؤمنون بقيم معينة يرون فيها خلاصا من الويلات والمصائب، وهذا لا يعني الرضا عن انهيار القيم والسياسة الخاطئة، ولكن نقدها وتصحيحها من منطلق أمريكي؛ فأمريكا لا يمكن أن تتغير إلا من الداخل.

وأكد الدكتور بدوي على وجوب الوحدة بين المسلمين وتنحية الخلافات الفقهية جانبا؛ فآمالهم واحدة وآلامهم واحدة، وشدد على أهمية أن يكون هناك تنسيق وتعاون بين المنظمات الإسلامية المختلفة.

وتحدث عن أهمية التواصل مع أهل الأديان الأخرى، وخاصة المعتدلين منهم، تحت مظلة التقريب بين أهل الأديان، وليس التقريب بين الأديان، واكتشاف أراضٍ مشتركة بين المسلمين وغيرهم.

ووجه الدكتور بدوي كلمة إلى المتشائمين من المسلمين، بيَّن فيها أن المحن سنة الدعوات، وأنها أمر طبيعي، مصداقا لقوله عز وجل: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ والضَّرَّاءُ وزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}، فلا يجوز للمسلم أن ييئس أبدا، بل عليه أن يبذر البذرة ويراعيها طالبا التوفيق من الله عز وجل، دون التورط في أفعال طائشة تحسب على الإسلام وتضره ولا تفيده.

استمع إلى الحوارين:

وفي مقال للأستاذ راشد الغنوشي، تحدث عن انعكاسات أحداث سبتمبر على الإسلام في الغرب، انطلاقا من اكتساب هذا الحدث خصوصية معينة تميزه عن أحداث العنف والإرهاب التي تجري في العالم، نتيجة أسباب ذكرها في مقاله.

ثم تحدث عن طريقة تناول وتعامل وسائل الإعلام والمؤسسات الرسمية مع هذا الحدث، بل والحكومات العربية والإسلامية، تحت تأثير الهيمنة الأمريكية، وتحت ضغط ما أسماه بالزمن الأمريكي.

ثم أخذ الأستاذ الغنوشي يعدد التكاليف والخسائر التي تحملها المسلمون تكفيرا عن خطيئة سبتمبر، التي أُلصقت بالمسلمين كافة دون أن يستشيرهم فيها أحد.

إلا أنه ذكر أن الأمر لم يخل من بعض الإيجابيات، وبعض ما يدعو للتفاؤل، وذكر بعضها.

اقرأ المقال:

راشد الغنوشي: انعكاسات 11 سبتمبر على الإسلام في الغرب

مع هذا كان لا بد لنا من استطلاع وجهة نظر واحد ممن يمثلون قطاعا لا يستهان به من المسلمين، وهم الشيعة، فكان الحوار مع السيد هاني فحص المرجع الشيعي اللبناني، والذي تحدث عن تداعيات تلك الأحداث وكيف يواجهها الفكر الإسلامي، وأوضح أن الخروج حضاريا من هذه الأزمة المستفحلة يأتي أولا عن طريق بناء الذات بإعادة طرح أسئلة عصر النهضة بكل الإضافات التي عمقت السؤال وطورته، ووصولا إلى عصرنته بلغة القرن الحادي والعشرين، في محاولة لصوغ مشروع مشترك مع الآخر –الغربي– باعتبار أنه يعاني مثلما نعاني، وأننا يجب ألا نترك الآخرين يصنعون مستقبل العالم ونحن نقف كالمتفرج، ربما نساهم بأغلب الأطروحة المستقبلية وربما بجزء منها، لكن يكفي شرف المشاركة.. حوار عميق يحتاج إلى قراءة هادئة ومتأنية؛ فهو إبحار صعب في عقل رجل يعرف أين وكيف يضع كلماته.    

اقرأ الحوار:

- السيد هاني فحص: علينا أن نساهم في الأطروحة الحضارية الجديدة

كاتب وداعية مصري.