أرسل لصديق ||

الجفري.. وموضة الدعاة الجدد

الفضائيات والدعاة.. من يستفيد من الآخر؟

 

الحبيب علي والشيخ د.البوطي في باريس
المنامة- أيهما يستفيد من الآخر "أو يستغله" الدعاة الجدد أم الفضائيات؟  فلم يعرف الدعاة الجدد إلا بالفضائيات التي حملتهم إلى كل بيت وقلب في عالم واسع فحازوا ما لم ينله أعلام الفقهاء والمجددين في عصور مضت بغير فضائيات فهل صنعتهم الفضائيات أم صنعوا نجاحها؟ وهل أوصلتهم للناس أم أوصلوها لقلوبهم وجيوبهم أيضا؟ 

* ألا ترى أن الحضور الإعلامي الكثيف للدعاة الجدد الآن صار معه الإعلام أقرب إلى أن يكون مرجعية لدى الناس؟ كما يحدث في فكرة الهاتف الإسلامي أن يحتاج الشخص إلى فتوى فيرفع السماعة ليجدها بعيدا عن أي علاقة بالعلم والعلماء؟ 

- هذا الكلام الذي تقوله صحيح وهذا يحتاج إلى إيجاد توازن بين الخطاب التربوي العام التجريبي وبين الخطاب المتعلق بالفتوى والتعليم.. السؤال كيف يقيّم العالم الذي يصعد لوسيلة الإعلام؟

لا يوجد لدينا منهجية إعلامية في العالم الإسلامي تحدد من يبرز في وسائل الإعلام كمرجعية.. لا توجد إلا في بعض الضوابط الأمنية! 

كما أن بيت الفتوى يعاني من أزمة كبيرة في العالم الإسلامي، أزمة داخلية تتعلق بداخل بيت الفتوى وأزمة خارجية تتعلق بالمسلمين الذين يحيطون ببيت الفتوى في العالم الإسلامي.

أما الأزمة الداخلية فتتعلق بضوابط تصدي طالب العلم أو العالم للفتوى، كانت في السابق ترجع إلى الشيخ المفتي العالم الذي وصل من الاتساع في الفقه والمكنة والتحقيق إلى الحد الذي يتأهل به للفتوى ويؤهل من يليه.. فكان التأهيل بتلق وأخذ، وبارتباط وتحقيق، فأصبح الآن محالا إلى المنهجية الأكاديمية في تعليم الشريعة ..وهذه المنهجية ليست سيئة كرافد ولكنها غاية في السوء كبديل لمسألة التلقي والأخذ من المشايخ والسند المتصل. والمذهبية والاجتهاد أصابهما شيء من الاهتزاز بسبب الصراع الذي دار بين المتمردين على المذاهب وبين المتعصبين لها والمسلك الوسط إقامة المذهبية بضوابطها الصحيحة، وأيضا النظر إلى مستجدات العصر ومتطلباته ما بين مستجدات ومتغيرات لها أثر في الحكم، فالحكم لا يقوم على نص فقط ولكن على متغير في الواقع.. مستجدات أخرى لا تتعلق بها وهى إعادة النظر في أحكام صار الناس يطالبون بأن يعيدوا النظر في أحكامهم فنحن نسمع بمرجعيات كبيرة في العالم الإسلامي تصدر فتوى قبل 5 سنوات بتحريم أمر ثم لم يتغير شيء من معطيات تحريمه فإذا بها تصدر فتوى أخرى بإباحته! فما الذي حدث؟ وما الذي تغير في بيت الفتوى؟ هناك أيدي تحاول أن تطوع بيت الفتوى.

 أيضا هناك أزمة خارجية في فهم المسلم -سواء أكان عاميا أو مثقفا؛ غنيا أو فقيرا ..الكل نظرتهم للفتوى لم تعد مثلما كانت. فقديما كنت آخذ الفتوى لأقيم بها وضعي والآن آخذ الفتوى لأبرر بها وضعي! فالمصيبة لا تقتصر على ناحية فقهية بل المصيبة هي عجز الأمة على أن تنتقد وضع الواقع الذي تعيشه.

* وكيف تقيم علاقة الإعلام بالدعاة الجدد؟

 - هناك تقدم حسن في وسائل الإعلام.. فقد بدأت تعطي مساحة أكبر للطرح الديني وبدأنا نشعر بتجاوب الناس وبدأت تتسع دائرة الطرح الديني، والإشكال لا يتعلق بالجانب الدعوي في الإعلام ولكن في الجانب التشريعي في الإعلام؛ فلا أرضى أن أجلس مجلس فتوى في وسائل الإعلام.. وعرض عليّ ذلك فرفضت حتى وإن كنت درست في الفقه لكني لا أرى نفسي مفتيا أجلس على كرسي الإفتاء، إذن هناك جانبان في الإعلام: جانب دعوي تربوي وروحي وهو بدأ يشق طريقه وبإذن الله يتجاوز باقي العقبات. وجانب تشريعي وهو الذي يحتاج الإعلام إلى أن يتدارك نفسه فيه وأن يرجع إلى مرجعية صحيحة به وأن يرجع إلى من يفتي .. وقد شاهدت أستاذنا الشيخ علي جمعه أستاذ أصول الفقه في الأزهر الشريف بدأ يأخذ كرسيه في بعض وسائل الإعلام ليجيب على الفتاوى، هذا الشيخ نستمع إليه ونحن مطمئنون.. هو ليس معصوم ولكنه عالم ومتخصص.. كذلك د.أحمد بن عبد العزيز الحداد كبير مفتيين في أوقاف دبي رأيته يتصدر للدعوة في بعض وسائل الإعلام هذه خطوات إيجابية يجب أن تمنهج وتحول إلى مسلك بعد ذلك .

* لكن هناك من يرى أن وسائل الإعلام حولت هؤلاء الدعاة والمشايخ إلى "سوبر ستار" قيمتهم في قدرتهم على الجذب أكثر من العطاء؟

- هناك مشكلة أخرى كبيرة وصميمة، وهي فهمنا لعمل الإعلام؛ فليست وظيفته تلميع نجوم في أي مجال من المجالات وكون الإعلام جعل هذه وظيفته فهو فاشل وإن أبرز نجاحا في بعض مراحله.. ولكن واجبه تشكيل وبناء النفس الإنسانية فإذا ولي الإعلام من يراعي حق الأمانة كان سببا في اهتداء أمة.. وإذا ولي الإعلام من لا يراعي حق الأمانة فهنا تأتي الكارثة في الأمة .. فليست مهمة الإعلام إبراز نجوم حتى نجعل القضية هل أبرزت نجوما أم لا؟ أم حولت العلماء إلى نجوم أم لا؟ بل المهمة الرئيسة للإعلام هي تشكيل عقول وفكر الأمة وبناء النفوس فإذا اقتضى بناء الأمة إبراز من ينفع الأمة.. إبرازا وليس تلميعا، فالإبراز وضع الشيء في محله، وأستغرب أن أحدا لم يعلق بذلك على إبراز نجوم الغناء كالذي تقوله على علماء الدين، بالرغم من أن كثير منهم -وليس كلهم- لا يصلحون أن يكونوا فنانين حتى بالمقاييس الموسيقية! 

* أقصد أن الفضائيات صارت تقدم الدعاة الجدد أشبه بنجوم الـ Talk show في الشكل وطريقة التقديم، فهل تعتبر ذلك نوعا من تحبيب الناس في هذا الداعي أم إنها تدخل ضمن صناعة الإعلام؟

- إن اجتذاب المشاهد في برامج لا تمس كرامة الإنسان ودينه فهذا ليس بخطأ، ولكن المهم في قلب الذي يتكلم أو الذي "يبرز" ألا يعيش حالة التفكير في كيفية اجتذاب الآخرين؛ لأن هذا ضعف في النفس البشرية يحوله لمشتغل بجذب الناس إليه، بدلا من أن يشتغل بجذب الناس إلى الله سبحانه وتعالى فيتحول دون أن يشعر من داعي لله إلى داعي لنفسه.. لا بد لمن يحاول أن يخدم في هذا الجانب أن يكون ذلك على نحو لا يمس احترام العالم أو توقير العلم أو الآداب والأحكام الإسلامية، فمثلا لا أعرض صورة لفتاة تبرز مفاتنها حتى أقول إني أستطيع أن أخاطب هذه الفتاة وأمثالها فهذا خطأ لأن الشريعة لا تقره.. وفي نفس الوقت ليس من العيب أن يكون في المجلس وفى طريقة طرحه ما يستطيع أن يخاطب أمثالها لأن هذه وسيلة رائجة في الدعوة المهم أن تكون منضبطة بضابط الشريعة .. وقد رأى أكثر من علم من أعلام الأمة أن عظمة منهجنا في أنه يستطيع أن يتعامل مع كل الوسائل والمتغيرات لكن لا يتأثر بها .. ميكافيلى يقول "الغاية تبرر الوسيلة" ولكن شيخي الحبيب أبو بكر بن علي المشهور يقول: "نحن لا نقول الغاية تبرر الوسيلة ولكن نقول الغاية تقرر الوسيلة" فإذا ارتضينا أن الغاية تقرر الوسيلة استطعنا أن نجمع بين أمرين، القضاء على الأثر الموروث التقليدي وبين الاستفادة من الوسائل التي أتاحها الله لأهل العصر وهى الوسيلة، فلا أرى أن الداعية يحتاج إلى أن يخلع جلبابه وعمامته حتى يؤثر، وكذلك لا يحرم عليه الدعوة بالبذلة لكن انشغال الناس بهذا الأمر هو المشكلة فنكون مثل جحا وولده وقصتهما مع الحمار؛ فإذا نظر الناس إلى الأخ عمرو خالد وغيره من الذين يلبسون البذلات والكرافتة ولا يرتدون الجبة والعمة يقولون: ما هذا؟! .. دعاة آخر زمن! دعاة talk show ! وإذا نظروا إلى المتكلم (الحبيب الجفري) بجبته وعمامته في الكلام قالوا: ما هذا التخلف؟! جاءنا من القرون الوسطى! يلبس هذه الثياب ليجذب أنظار الناس ليدجل عليهم! فما المطلوب؟!

إذا عشنا هذه العقلية في طريقة الدعوة وفى أداء مهمتنا فلن تقوم الأمة.. شق طريقك طالما أنك لم تقطع صلتك بالأصل؛ بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.. وطالما أن الشريعة تبيح لك فقم واعمل ولا تبالي بمن ينتقدون.. اشتغل واعمل ولن يوقفك أحد من هؤلاء المنتقدين.

*وكيف ترى الاستغلال الإعلامي لنجومية هؤلاء الدعاة؟ هناك الآن سوق إعلامي رائج يعتمد عليهم ، حتى إن قناة فضائية مسيحية تبث حلقات وبرامج لواحد من هؤلاء الدعاة لتحقق رواجا ؟

-  أعجب ممن ينادى بالتعايش بين المسلمين والمسيحيين وممن يقول إنه ينبغي الاستفادة من هذه الوسائل ولا نقول إن الذي اخترعها كفار ثم يغضب بعد ذلك إذا رأى من يستخدمها لإيصال الدعوة إلى عقول وقلوب الشباب ، ولا أدرى ما الهدف من هذا النقد؟ فمثلا إذا ظهر الداعية في قناة مثل اقرأ قالوا ظهر في قناة متعجرفة ودينية فمن سيسمعه بعد أن حصر نفسه في هذه القناة! وإن ظهر في أخرى مسيحية أو شيعية أو.. أيا كانت قالوا: ما هذا؟! هذا ليس له مبدأ!.. ماذا تريدون؟... هي نفس قصة حمار جحا.. الأمر كما قلت لك الغاية تقرر الوسيلة فلينظر ما هي الغاية؟ هل هي إيصال الدين؟ وهل يجوز أن أوصله على منبر غير مسلم؟.. أقول: نعم إذا لم يتدخل في المنهج. فلم لا، طالما أنها تصل، فالرسول عليه الصلاة والسلام كان يدعو، بل ويصلي، في الكعبة بين الأصنام!

تابع في هذا الموضوع:


باحث في الحركات الإسلامية