الجفري.. وموضة الدعاة الجدد
بل هي بركة حملي لنعال مشايخي!
الجفري.. وموضة الدعاة الجدد
بل هي بركة حملي لنعال مشايخي!
|
|
| الحبيب على وعن يساره الشيخ عدنان السقا |
المنامة- حين قابلت الحبيب الجفري كان أهم ما أريد أن أعرف رأيه فيه هو السر وراء نجاح الدعوة التي يمثلها هو وجيله من الدعاة الشباب؟ لماذا صادفتْ نجاحا لم يحققه غيرهم و"اخترقت" أوساطا وطوائف كانت بعيدة دائما عن مرمى الدعاة فيما سبق؟ هل قصدت ذلك فأنتجت تدينا بمواصفات خاصة أغرى هؤلاء بالاستجابة لها أم أنها استجابت لحاجات ومشاعر طالما أصر الجميع على تجاهلها.. وحين بدأنا الحديث كانت هذه بداية الأسئلة:
* الحديث الآن يدور حول ما يسميه البعض بموجة التدين الجديدة في العالم الإسلامي خاصة في أوساط الشباب والنخبة، وهي التي برز بسببها عدد من الدعاة الشباب والجدد على الساحة بقوة وفي وقت سريع مثلك والأستاذ عمرو خالد، وأخذت شكلا معينا وانتشرت في بيئات بعينها، وأنتجت خطابا مختلفا وأثرت بشكل واسع في الحالة الإسلامية حتى اعتبرت ظاهرة ملفتة. فكيف ترى هذه الظاهرة وما تقييمك وتحليلك لها؟
- لا أدعي أنني ذو شأن ولكني خادم للدين لعل الله يقبلني.. وإن أذنت لي فلا يمكن أن نسمي الدعوة إلى الله ظاهرة بل هي الأصل يمكن أن يكون قد تراكم عليه غبار نتاج تفاعلات تدور في العالم الإسلامي في الـ50 عاما التي مضت بل ربما تصل إلى 800 عام مضت، تراكمت فيها طبقات من الغبار حالت بين الناس ليسلكوا المسلك الصحيح للدين كما دعاهم إليه الرسول، لذلك عندما وجه إليهم الخطاب الذي يجمع بين مخاطبة عقولهم التي لا ينبغي أن تحجر وبين مخاطبة قلوبهم العطشى إلى معاني القرب من الله والصلة به، ويذكرهم بالإرث العظيم الذي خلفه لهم النبي الكريم –صلى الله عليه وسلم- ويبين عظمة هذا الدين الذي ليس فقط صالحا لكل مكان وزمان بل ويُصلح كل مكان وزمان، والذي يوصل المتبع له إلى استقرار واتزان في عصر انعدم فيه الاستقرار والاتزان حتى في أعلى دول العالم تقدما، عصر شعر فيه الإنسان أنه غير إنسان وأنه فقد طمأنينته وسعادته التي من أجلها يجمع المال والجاه.. لذلك فبمجرد أن يتنبه هذا الإنسان لما ينبغي أن يقوم به نجده يجاهد نفسه فيما اقتنع به ويتحمل مرارة المكابدة للنفس.
* أنت ترفض وصف الظاهرة للدعوة لكنها ظاهرة فعلا على الأقل في نجاحها واتساع تأثيرها وعن هذا يمكن أن نتحدث؟
- الخلاف لفظي بيننا.. فيمكن -من الناحية الصورية- أن نسميها ظاهرة لأنها ظهرت بعد خفاء، أما أنها ظاهرة بمعنى أنها تظهر فجأة وسرعان ما تختفي أو تضمحل فلا يجوز أن نطلق عليها هذا، والسبب في ذلك أن الشيء الذي يبرز ثم ينتهي لا أساس له، أما الشيء الذي يبقى فلأنه غالبا ما يكون مبنيا على الأساس، والأساس هو المدخل لدراسة هذا الأمر، فالأساس أن الله خلق الإنسان لغاية هي العبادة ولمقصد هو الخلافة عنه في الأرض بالمعنى الواسع للخلافة الذي يفضل به الإنسان عن باقي المخلوقات في الأرض.. هذا المعنى العالي هو ما يبرر سرعة تهافت الشباب والشيوخ والأطفال والنساء، الأغنياء والفقراء.. ومحاولة جعل الدعوة مخصوصة بنخبة أو بصفوة، كلام يتحدث به بعض الناس بلا مسئولية ودون الشعور بالحاجة إلى أن يوثق كلامه لأن لا محاسب له ولا مناقش له في كلامه.. لكن في الحقيقة الإقبال من الكل: العرب والعجم؛ من الأغنياء الفقراء الأقوياء والضعفاء المثقفين والمبتدئين والعامة، الكل يشعر بأهمية الاستجابة بل يصح أن نقول إنها استجابة سريعة حتى لدى غير المسلمين في الغرب.. وهو ما وجدته حين زرت أمريكا وأوروبا لأن هذا نداء الفطرة بمجرد أن يخاطب به الإنسان يجد سرعة استجابة.
الأمر الثاني يتعلق بالظرف الذي يعيشه العالم وليس فقط العالم الإسلامي، فالعالم كله وصل للذروة من تمكنه من أسباب الحياة العصرية وتطور الحياة الخدمية فصار الإنسان يمل من كثرة ما يطلب.. كان يحلم أن يصل بسرعة فوصل إلى السيارة ثم الطيارة ثم الآن يسابق الصوت.. وكان يأمل في أن يصل بريده في أيام من إرساله والآن يصل في لحظات، كان يتمنى أن يخاطب ألفا، والآن يستطيع أن يخاطب الملايين.. كان يحلم أن ينام على سرير من الإسفنج والآن ينام على سرير من الماء وربما الهواء! حتى وصل الإنسان إلى طريق الانحراف؛ فقد كان يحلم بامرأة أو امرأتين والآن وصل إلى أن يجنن (يقنن) حتى الشذوذ.. لقد وصل إلى مرحلة من الإباحية والتهافت جعلته يبحث عن إنسانيته.. لقد بدأ الإنسان يتحول إلى خادم للخدمات التي يريدها أن تخدمه، فالإنسان كان فقيرا أو غنيا يعمل من الصباح إلى المساء؛ الفقير بمجهوده الجسدي والغني بكده الذهني، فهو يكد ويتعب طول الوقت ليوفر الخدمة التي يريدها، فتحولت الإنسانية إلى مجموعة عمال في مصنع كبير في نظر الناس وهو صغير في الحقيقة.. هذا المعنى الذي شعر الإنسان معه أنه سيفقده إنسانيته جعله يبحث عن البديل وجعله يستجيب للدعوة بسرعة.. كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله عليه سئل كيف وصلت إلى ما وصلت إليه من زهد في الدنيا؟ كنت تشتري الثوب بـ400 درهم ثم تقول ما أحسنه لولا خشونة فيه؛ أي تتدلع كما يقولون، والآن أصبحت تشتري الثوب بـ4 دراهم، ثم تقول ما أحسنه لولا نعومة زائدة فيه: أي هذا ترف زائد؟! فقال كانت لي نفس تواقة ذواقة إذا ذاقت شيئا تاقت لما وراءه (وهذه فطرة في نفس الإنسان كانت تحتاج إلى من يخاطبها) فلما وجدت المال تاقت نفسي إلى الولاية ولما توليت المدينة تاقت نفسي إلى الملك ولما وصلت إلى الخلافة تاقت نفسي إلى ما هو أكثر من الخلافة فما وجدت شيئا أعلى في الدنيا من ذلك فاشتاقت نفسي للآخرة فتوجهت لله عز وجل.
هذه النظرة تسري في العالم الآن ولكن بنظرة شمولية بمعنى أنه لم توجد فترة منذ فترة الإسلام الأولى، العالم مهيأ فيها للإسلام، وبالذات الغرب وبالذات الولايات المتحدة، مثل التهيؤ الموجود الآن.. يبقى فقط أن نوجه الخطاب ولا يكون الخطاب خطاب لسان فقط بل لسان وكليات بمعنى أن تخاطب أحوالنا العالم.
* ألا تتفق معي أن هذه الاستجابة لهذا الخطاب الجديد كانت أكبر في طبقات معينة مثل الشباب والنخب؟
- النخب ليسوا هم المستجيبين الوحيدين وليسوا الأكثر فغيرهم أكثر استجابة للخطاب الذي يجريه الله على الألسن الآن، لكنها أول مرة يلاحظ ارتفاع نسبة استجابتهم لهذا الخطاب.. الذين يستمعون لهذه الخطابات من غير النخبة أكثر، ولكن نسبة النخب المستمعة زادت فأصبح الناس يقولون (علينا) دعاة نخبة.. مفكرو نخبة.. (وهذا غير صحيح) النخبة استجابت لأنها احتاجت أيضا فأبناء النخبة محتاجون إلى الله ورسوله والخير يوجد فيهم، فما استمعت لأحد منهم؛ إلا ووجدت فيه قابلية الخير لكن هو مسكين.. هو ضائع بين معتركين: بين من سيرفضه بالكلية ويتهمه بالفسق والفجور، وبين من يداهنه ويصوب حتى خطأه.. وهذا تستطيع أن تقوله على مجتمع المسئولين ورجال الإعلام والفنانين، فهم ينظر إليهم على أنهم ظَلموا، ولكن نحن ننظر إليهم نحن على أنهم ظُلموا؛ لأن معظم الخطابات الدينية إما شتما فيهم أو تعليقا عليهم.. الفنانة الفلانية تفعل كذا وكذا والحاكم الفلاني المجرم يفعل كذا وكذا!!... وهذا يستهوي العامة؛ لأن فيه شيئا من التعويض والاستجابة لردة الفعل الموجودة في أنفسهم تجاه هؤلاء.. فيرى العامة ذلك فيصفقون؛ يرحبون بهذا الخطاب ويمدحون المخاطب بأنه صريح لا تأخذه في الله لومة لائم!! العامة لا لوم عليهم لكن أهل النخبة بهم قابلية للخير، وإذا ما خوطب جانب الخير الذي فيهم استجابوا.. في السابق كنا نخاطب جانب الشر الذي فيهم؛ إما بإغوائهم: بالتصفيق له على الباطل، وإما بمعاداتهم: بالحكم عليهم بما لا ينبغي.. ولكن يستجيبون بمجرد أن يوجه إليهم الخطاب الحسن الذي به الرحمة وفيه العقلانية والإنصاف وأيضا الذي يجعل الإنسان أيا كان من النخبة أو العامة يبحث عن مرآة يرى فيها نفسه.. فالعالم اليوم والنخبة على وجه الخصوص يرغبون في أن يجدوا مرآة صافية إذا نظروا فيها رأوا أحوالهم وأنفسهم فهم في حاجة إلى ذلك لذلك تتسارع استجابتهم.. أيضا هناك سر من أسرار نجاح الدعوة تلقيناه عن مشايخنا رضي الله عنهم ومتعنا الله بهم.. ولا أجد في المتكلم أي ميزة إلا ميزة الجثو على الركب تحت أقدام هؤلاء المشايخ، وربما كان ما أجده من الفتح في الخطاب وشيء من الفهم وسريان النفع أشعر أنه من بركات شيوخي وحملي لنعل شيخي عندما كنت أمشي خلفه إذا جاء لمجلسه.. هؤلاء الشيوخ وجدت فيهم شيئا راسخا لا تكلف فيه وهو احترامهم لإنسانية الإنسان "ولقد كرمنا بني آدم"، فهذه أمام أعينهم نشهاهدها في معاملاتهم ومخاطباتهم مع الذين يحيطون بهم.
أيضا الأساس الثاني هو الرحمة "فما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" فصلة مشايخنا بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -محبة له وتعظيما لقدره واتباعا لهديه- كان لها الأثر الكبير في سريان هذه الرحمة إلى من يحيطون بهم، أيضا التواضع غير المتكلف.. كنا نرى فيهم ذلك مع تعظيم الله مع بذل الكليات من الجهد، كل هذه المعاني تجعل الإنسان يحتقر نفسه مهما تكالب الناس عليه فهو لا يرى نفسه شيئا، وإن تكالب الناس عليه وإن مدحوه، هذه هي مفاتيح القلوب يجعل الله عز وجل لها القدرة على فتح قلوب الخلق وجلبهم إليه.
تابع في هذا الموضوع:
بل هي بركة حملي لنعال مشايخي!