كيف تصبح خطيبا مملا؟!
"إن الله بعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الحكام إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة"، ولكن لن تجد الدعوة إلى الله أثرها أو تحقق مقصدها على هذا النحو إلا إذا وجد الداعية الناجح الذي يحملها ويعيش بها ولها، ويحمل لها في قلبه المكان الأسنى والمطلب الأسمى.
والخطبة من أكثر أنواع الدعوة تأثيرًا ووصولاً للقلوب والأسماع إن أحسن الخطيب وتميز، من هنا وجب أن تكون لنا وقفة مع الخطيب وصفاته، نحاول التعرف على جوانب ثقافته ومصادر أفكاره وأهم المكونات التي تؤثر في إفرازه وإيجاده.
ثقافة الخطيب
أما عن ثقافة الداعية ومكونات الخطيب فهي:
أولاً: حفظ كتاب الله حفظًا مكينًا بحيث تصير الآيات له كما لو كان يقرؤها وينظر فيها.
ثانيًا: حفظ قدر كبير من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبخاصة كتاب "رياض الصالحين" للخطيب المبتدئ؛ لما يتسم به هذا الكتاب من سهولة العبارة، وقلة الألفاظ، وحسن التبويب، ودقة العرض بتجميع موضوعات الباب، كل على حدة.
ثالثًا: النظر في القصص القرآني الكريم؛ إذ فيه مادة لطيفة لاستخلاص العبرة وربط الفكرة، خاصة أن الناس يحبون هذا اللون من الأداء.
رابعًا: شحن الذهن بغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وربطها بالواقع المعيش.
خامسًا: النظر في حياة الصحابة أولئك الصفوة والفئة المنتقاة، وأخذ الأسوة عنهم وربطها بحياة الناس.
سادسًا: الرغبة في معايشة بعض الكتب الأدبية والفكرية لطلاقة اللسان، وسلاسة وسلامة العبارة وجزالة اللفظ، وأخص بالذكر هنا كتب الرافعي، وبخاصة كتاب "من وحي القلم"، وهو كتاب قوي في مادته، عذب جزل في عبارته رصين في ألفاظه، قوي في بنائه، مشوق في عرضه، شهي في فكرته مع متابعة ما كتبه شعراء الإسلام قديمًا وحديثًا وبخاصة شعراء "الدعوة الإسلامية".. وبذلك يتمكن الخطيب من حضور الشاهد في زمانه وإيقاعه في مكانه ذلك هو جزء من مكونات الخطيب، مع ملاحظة أن الشرطين الأولين لا غنى عنهما البتة لأي خطيب كائنًا من كان.
فما قوة الخطيب إذن إن لم يستطع أن يحفظ من كل باب دوحة من الأحاديث التي تنمي ملكته وتعضد فكرته وتشبع وتقوم لسانه وتهيج مشاعره؟
قيمة الخطبة
وما قيمة الخطبة إذا لم يحسن صاحبها فهم الآيات، ومواطن وسرعة الدليل الذي لن يسعفه إلا إذا كان حافظًا متقنًا ومعايشًا لما يقرأ؟
وما معنى أن يصعد الخطيب منبره وهو لم يحط موضوعه إلا بشوارد الآيات، وأنصاف الأحاديث حتى إذا ما طرح الفكرة فبحث عن الشاهد أصيب بالعي والحصر وفأفأة منفرة ما أغناه عنها لو أتقن عمله وصابر واجتهد في مواطن العلم والفهم.
ومن هنا فمطلوب منك أيها الخطيب أن تذكر الناس بآيات الله المقروءة والمنظورة "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب" (آل عمران:190) "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق" (العنكبوت:20) "إن في ذلك لآيات للمتوسمين" (الحجر:75) "وفي أنفسكم أفلا تبصرون" (الذاريات:21)، واعلم أن في آيات الكون عظة للمستبصرين وعبرة للمتوسمين.
المطلوب من الخطيب
- مطلوب منك أيها الخطيب أن تتدبر ما تسمع من القرآن الكريم؛ فالقرآن الكريم إنما ننال بركته بقدر ما نتدبر منه. "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر" (القمر: 17) "أفلا يتدبرون القرآن" (محمد: 24).
- مطلوب منك أيها الخطيب أن تتفانى في عبادة ربك، فاجعل لنفسك وردًا من القرآن الكريم والذكر العظيم يعاونك على أداء رسالتك والقيام بدورك، وتقرب إلى ربك بصيام النافلة فهو خير معين لك على انكسار نفسك وخضوع جوارحك لقيوم السماوات والأرض. وإياك أن تنسى مطيتك إلى حور الجنان بقيام الليل فتخلو بنفسك من شواغل الدنيا ومن كدر العيش فتبتهل إلى الله العلي الأعلى أن يطلق لسانك بالحكم والعبر وأن يرسل بصرك للنظر والفكر، وأن يجعل منك ينبوعًا ثريًا، وقطفًا نديًا للناس كل الناس.
- وليكن لك أيها الخطيب من آن لآخر مسيرة ذاتية تخطوها بين الأموات لتنظر إليهم في حال غربتهم ووحدتهم ووحشتهم وانقطاع أعمالهم فتغسل عينيك بدموع العبرات، ومواجع الخطرات، عندها سيقوى عزمك، وتصح توبتك لترجع بهذا الزاد لتُري ربك من نفسك خيرًا.
أيها الخطباء، قد اصطفاكم الله لحمل دعوته، ورعاية أمانته، وصيانة عهده، وتحقيق وعده فعلموا الناس دين الله وابسطوه بين أيديهم "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا" (فاطر: 32) "ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون" (آل عمران: 79) فأروا الله من أنفسكم خيرًا، واعلموا أنكم ورثة الأنبياء.
إعداد الخطيب الناجح وكيفية بنائه
عرفنا طبيعة الخطبة المنبرية، وأثرها في نماء الحياة، وحسن سيرها في حال المنشط والمكره والعسر واليسر، وأوضحنا أنها وسيلة تربوية هامة ومؤثرة، وكيف أن الإسلام ربطها بفريضة الصلاة لتكون مشعرًا من مناسكها وركنًا من أركانها.. ولكن ذلك الذي ذكرناه لن يتحقق أو يثمر إلا إذا وجد الخطيب الناجح والمؤثر، فمن إذن ذلك الخطيب الناجح المؤثر؟ وما هي مؤهلاته ومكوناته؟ وما هو دوره الحي في رقي الحياة وحسن سيرها؟
فاعلم أخي -علم الخير- أن:
الخطيب الناجح والمؤثر هو ذلك الإعلامي الذي يعرف أخبار أمته فيقوم بإعدادها، وتبسيطها وصياغة عرضها إلى خليط من المثقفين مختلفي المنهل والمشرب.
الخطيب الناجح محب ودود، يألف ويؤلف فلا يعزل نفسه عن الناس بل يسأل عنهم، ويغشى مجالسهم ويبارك أفراحهم، ويأسو جراحهم، وهو واحد منهم غير أنه أقلهم حملاً.
الخطيب الناجح يغشى مجلسه الكرماء، والصلحاء والبسطاء فيعمر الحديث بالفكر والذكر فتحل بركة السماء في الزمان والمكان.
الخطيب الناجح له في القلوب مكانة، ولدى النفوس منزلة؛ لأنه عنصر من عناصر الخير والنماء.
الخطيب الناجح هو من يدرك آلام أمته وآمالها فيخفف الآلام ويمسح الجراح ويهون الداء، وينفث في الآمال لينتشي ويرتقي بها نحو آفاق رحبة عالية.
الخطيب الناجح هو إفراز جيد لجيل أصيل يدرك عظمة الأمانة وقدر المسئولية وتبعة العطاء.
قد هيئوك لأمر لو فطنت له ** فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
الخطيب الناجح له همة عالية، وإرادة ماضية، ونفس راضية وفعالية رائعة، فهو كما عناه الشاعر
له همم لا منتهى لكبارهـا ** وهمته الصغرى أجل من الدهر
الخطيب الناجح هو نبع متدفق من الخير والعطاء؛ لأنه يحب ويعطي عن أريحية ورضا، لا سيما أن الشفقة على الخلق إحدى سماته وصفاته يرى المنكر فلا يسكت عليه بل يصوغه في قالب خطابي تربوي مؤثر يوقظ الوسنان ويروي الظمآن، ويقود العميان إلى دروب الحق وميادين المعرفة.
الخطيب الناجح يحسن الحسن، ويقبح القبيح، ويرى معروفًا مطبوعًا أو مصنوعًا فلا ينسى أن يذكر به وأن يشي بصاحبه دعوة للخير وريادة في البر.
الخطيب الناجح لا تؤثر فيه الأحداث بل هو الذي يؤثر فيها ويحولها إلى إشراقة من الفأل الحسن، والثقة المبتغاة فلا يزيده القهر إلا إرادة صلبة قوية لا تتفتت أو تلين، ولا يزيده الظلم إلا عفوًا وعزًا، ولا تزيده المكارة إلا مضاء وعزمًا.
الخطيب الناجح يستلهم الحدث ليربي به تلك الجموع الغفيرة التي قدمت إليه وانساقت له ورغبت فيه، فعلى سبيل المثال:
- "حادث الغرق الذي مرت به العبارة المصرية سالم إكسبريس" الذي راح على إثره مئات من الغرقى والمفقودين، أمن الممكن أن يمر ذلك على الخطيب الناجح دون حس تربوي مؤثر أو موعظة بليغة أو ربط جيد بالآخرة أو استنفار وبعث بالأمل بامتداد أنفاس الحياة والتهوين من أمر الدنيا واحتوائها ببضع نصوص من القرآن الكريم؟!
- وهل من العسير على خطيب ناجح أن يمر حادث الزلزال الذي ألقى بالناس الروع والفزع والخفقان دون أن يربطه بيوم الفزع الأكبر؛ كي تحيا المشاعر البليدة والأنفس الكليلة حياة أبدية دون أن تنكفئ في سيرها في زخم الحياة أو تنطفئ جذوتها بين بريق الليالي ورغد العيش ليلقي في روع الإنسان في الحادثتين (أن الموت أقرب للإنسان من شراك نعله).
الخطيب الناجح إشراقة أمل، وفأل حسن، وهو روضة ندية نضرة تغشاها رياحينها، وتزقزق حولها عصافيرها ويشم عبيرها القاضي والداني.
الخطيب الناجح والمؤثر هو الذي يسأل نفسه عندما يقوم بإعداد مادته ما الذي أريده من عرض هذا الموضوع دون غيره والغاية من سرد هذه القضية، وما هي الوسيلة المثلى لبسطها وعرضها؟ وبمعنى آخر يسأل نفسه هل أريد معالجة فكرة جديدة أم تثبيت مبدأ أصيل أم محاربة عادة مقيتة دميمة وصفة مرذولة؟
الخطيب الناجح لا يقل أهمية عن المقاتل في صدر الجيش يذود عن أمته بروحه؛ لأنه يحمي عقائدها من الدخن والدخل.
الخطيب الناجح هو لسان أمته المعبر، وترجمانها المؤثر وقلبها النابض وشريانها المتدفق، بل هو روح جديدة تسري في نبضاتها وشرايينها وأبنيتها وكل مؤسساتها.
الخطيب الناجح مرجع للمرضى والزمنى والعطشى وذوي الحاجة والدين.
الخطيب الناجح يعرف أن العيب عيب، وإن اختلفت صوره وتعددت أنماطه، سواء أكان في الأقوال أم في الأفعال أم في الأفعال فيبذل قصارى الجهد؛ لأن ينفر منه ويبغض فيه.
الخطيب الناجح يفهم الإسلام بشموله وجميع محتوياته من عبادات وآداب ومعاملات وعقائد وأخلاق وتشريعات.
الخطيب الناجح يحدد الظاهرة التي يريد أن يتناولها فيعيش معها سحابة النهار وجزءًا من الليل؛ فيستغرق جل همه ومحتوى فكره مدندنا حولها ومصغيًا إليها حتى إذا غمرت عقله وسرت في شرايينه تحرك قلمه الدافئ يحفر أفكارًا؛ حتى إذا وقف على المنبر فاسترجع ما كتب كان مصيبًا في حسن الأداء وعمق الربط بين الفكرة والتي تليها دون أن ينسى استمالة القلوب أو تهييج المشاعر وإيقاظ الوجدان.
الخطيب الناجح والمؤثر هو خطيب يتخذ الإخلاص مطية تصل به إلى دربه ومبتغاه، ويحزم متاعه برباط الخوف من قيوم السماوات والأرض.
الخطيب الجيد والمؤثر يمتلك من الألفاظ أعذبها وأشوقها وأقربها إلى القلوب والشعور، يأسرك بكلماته التي هي واحة المتعبين وأنس السامرين، ودليل الحائرين يربطهم بالمسجد ربط الطائر بعشه وأفراخه.
الخطيب الجيد يمتاز بالقدرة على تحليل المواقف وتركيب الفكرة وتنسيقها والإيقاع بها في رشد زمانها وطيب مكانها.
الخطيب الجيد إذا حدث الناس عن الجنة فكأنما بجناحيه فيها يطير وحول أنهار يسير، وبين يدي حورها يميل، وإذا حدثهم عن النار فكأنه في بركانها يصطلي، كلامه عنها يفتت الأكباد ويذهل الألباب ويقطع الآمال. ومن هنا تبرز قيمة الخطيب الناجح والمؤثر ولكن ذلك موقوف على إعداده وتكوينه.


















