أرسل لصديق ||

شرائح الجالية المسلمة في أوربا الغربية

أحد مساجد السويد
أحد مساجد السويد
لقد تطورت أحوال الجالية المسلمة في أوربا مع ازدياد أعداد المسلمين وانتشارهم في جل الأقطار الأوربية، وبروز الجيل الثاني والثالث بل والرابع في بعض الأقطار التي هاجر إليها المسلمون في وقت مبكر، وقد بات الاتجاه السائد في صفوف المسلمين هو الاستقرار.

ولا شك أن مطلوبات الاستقرار غير مطلوبات الإقامة المؤقتة، وشعور المسلمين بأنهم جزء لا يتجزأ من مجتمع أوربي متعدد الأعراق والأديان غير شعورهم بأنهم جسم غريب يبغي الارتحال كل يوم، ويمكن القول بأن الغالبية العظمى من المسلمين في أوربا قد استقر بهم المقام، وبدأت أجيالهم الجديدة على وجه الخصوص تستشعر أن أوربا وطنهم.

ويمكنني تقسيم الجالية المسلمة في أوربا اليوم إلى أربع شرائح، لكل شريحة وضعها وتوجهاتها وآمالها التي تتداخل أحيانا وتتباين أحيانا أخرى.

أ-الشريحة الأولى: شريحة العمال:

كانت وما زالت هذه الشريحة تمثل العدد الأكبر من المسلمين في أوربا؛ إذ رغم القيود الكثيرة التي تضعها المجموعة الأوربية في وجه الهجرات الجديدة وفي وجه اللجوء السياسي؛ فما زال عدد غير قليل من المسلمين ومن دول كثيرة يخاطرون بأنفسهم من أجل الوصول إلى دول أوربا، كل ذلك نتيجة للأوضاع الاقتصادية والسياسية غير المستقرة في كثير من الدول الإسلامية.

غير أنه يمكن القول: إنه مع مرور الوقت -ربما خلال عقدين من الزمان- فستصبح هذه الشريحة في مرتبة متأخرة مقارنة بشريحة الأجيال الجديدة من المسلمين.

ويمكن وصف هذه الشريحة بإيجاز بالأمور التالية:

1. ضعف المستوى الثقافي للغالبية العظمى منها عكس ضعف قدرتهم على التأثير الإيجابي في أبنائهم أو توريث قيمهم ومثلهم وعاداتهم.

2. الانحياز نحو العزلة لضعف شديد في لغة القوم وتباين في القيم والطباع والعادات؛ وهو ما ساهم في ترسيخ الجهل في المجتمع الجديد، ومن ثم ضعف القدرة على التأثير فيه.

3. حرص الغالبية منهم في الحفاظ على التزامهم العام بالإسلام كدين مختلط بعادات وتقاليد وأعراف لا علاقة لبعضها بالدين.

4. ساهمت هذه الشريحة في بناء عدد غير قليل من الزوايا والمساجد في مناطق سكنهم المعزولة غالبا، والتي كانت ملجأً لهم ومساعدا للحفاظ على ارتباطهم بدينهم.

5. رغم هذا الحرص في الانتماء إلى الإسلام كدين فإن الانحياز العرقي وأحيانا المذهبي لأبناء الخلفية العرقية الواحدة هو الأبلغ تأثيرا، وذلك نتاج جهل بالإسلام وقيمه ومثله العليا.

6. ما زال هناك ارتباط عاطفي للغالبية من هذه الشريحة بأقطارهم الأم التي هاجروا منها، وهذا واضح لدى هذه الشريحة من أبناء الخلفيتين التركية والمغربية على وجه التحديد، ورغبة البعض منهم في الرجوع عند تحسن أوضاعهم الاقتصادية.

ب- الشريحة الثانية: شريحة الكفاءات العلمية والاقتصادية والطلبة الدارسين:

هذه الشريحة كانت هجرتها الواسعة إلى أوربا متأخرة عن الشريحة الأولى، وبدأ أثرها في محيط الجالية المسلمة يظهر قبل أربعة عقود. وكانت صاحبة الفضل في إنشاء الاتحادات الطلابية أولا، ثم المراكز الإسلامية المتقدمة، والمؤسسات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. واستقر الكثير منها نتيجة للأوضاع السياسية والاقتصادية المتردية التي لم تغرها بالرجوع إلى بلادها الأصلية، ويزيد عدد الأطباء المسلمين مثلا الذين لا يمثلون إلا جزءا يسيرا من هذه الشريحة عن 39000 طبيب في أوربا الغربية وحدها، إضافة لعشرات الآلاف من المهندسين والآلاف من رجال الأعمال.

ويمكن وصف هذه الشريحة بالأمور التالية:

1. تتمتع بمستوى ثقافي مرتفع ساهم في تأثيرها الإيجابي في الأجيال الجديدة، ويمكن القول بأنها صاحبة الفضل في توريث الإسلام وقيمه بل والمساهمة في إنشاء المؤسسات الشبابية الجديدة.

2. ساهمت في بناء جل المؤسسات الكبرى (طلابية – ثقافية – اجتماعية – اقتصادية – مهنية – إغاثية) التي أصبح بعضها اليوم منارات إشعاع في أوربا.

3. تأثير العادات والتقاليد في فهمهم لقيم الإسلام أقل بكثير من الشريحة الأولى، وحتى تأثير الخلفيات العرقية والمذهبية أقل أيضا، إلا أن هناك اختلافات حركية كان لها انعكاس سلبي على هذه الشريحة، ساهم في تقليص أثرها الإيجابي على أبناء المسلمين بشكل خاص، وعلى المجتمع الأوربي بشكل عام.

4. تفهُّم الكثير منهم لطبيعة وجودهم في المجتمع الأوربي وضرورة التواصل معه، ومساهمة الكثيرين منهم اليوم في جوانب الحياة المختلفة للمجتمع الأوربي، وربما تبوأ بعضهم مواقع متقدمة فيه (مواقع علمية وأكاديمية وحتى سياسية، وخاصة المساهمة في إدارات الكثير من البلديات).

5. تفهم الغالبية منهم لضرورة الموازنة بين محافظة الأجيال الجديدة على هويتها الإسلامية واندماجها في المجتمع الأوربي، وأن ذلك الاندماج أصبح ضرورة لا بد منها، وأن حماية الأجيال الجديدة لا تأتي من خلال عزلتهم عن مجتمعهم الأوربي.

6. هناك نسبة من هذه الشريحة تأثروا ببعض قيم المجتمع الأوربي المادية؛ فتراهم بعيدين عن التزامهم بقيم الإسلام ومفاهيمه، وهؤلاء لا شك غير قادرين على توريث قيم الإسلام لأبنائهم، وإن كان بعضهم يرغب ويجتهد من أجل ذلك بالاستعانة بالمؤسسات الإسلامية.

7. هناك جزء من هذه الشريحة -أحسبه قليلا- يرفض التواصل مع المجتمع الأوربي، ويحمل أفكارا وآراء متشددة، ويمكن أن نقول: إن بعضها يتعدى حالة التشدد إلى التطرف، وانعكاس هذه الأفكار سلبي بل سيئ على المسلمين في أوربا، ويساهم في تشويه صورة الإسلام الناصعة بين أبناء المجتمع الأوربي. ورغم قلة هذه الفئة فإن صوتها مرتفع، وتجد رغبة من الإعلام الغربي والعربي لإظهارها.

ج- الشريحة الثالثة: شريحة الأجيال الجديدة:

وهي الأجيال التي ولدت وترعرعت وتشربت الثقافة الأوربية والتي أصبحت تمثل الشريحة الثانية في عددها، وتكاد في القريب أن تكون الأكثر التي تمثل مستقبل الإسلام والمسلمين في أوربا، ويحمل اليوم الغالبية العظمى منهم جنسية البلاد الأوربية، ويستشعر الكثير منهم أنهم أوربيون وطنا ومسلمون دينا، وأحسب أن من يفكر منهم في الهجرة إلى بلاد آبائهم قليل ونادر.

ويمكن وصف هذه الشريحة بالأمور التالية:

1. وجود أعداد غير قليلة منها استطاعت الحفاظ على قيمها الإسلامية مع أخذها الكثير من قيم المجتمع الأوربي دون الشعور بالتعارض والتناقض (قيم العدل والحرية واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون...)، وجل هؤلاء ممن انتظم في المؤسسات الشبابية التي بدأت تنتشر في معظم البلدان الأوربية (هناك عشرات المؤسسات الشبابية في الأقطار الأوربية، منها أكثر من 40 مؤسسة شبابية كبرى على المستوى الوطني تنتظم في المنتدى الأوربي للشباب والطلاب الذي ساهم اتحاد المنظمات الإسلامية في أوربا في إنشائه).

2. شعور الكثيرين من هذه الشريحة بأن هذا المجتمع أصبح مجتمعهم الذي لا بديل لهم عنه، وقد بدءوا يتعاملون مع المجتمع الأوربي على هذا الأساس؛ مساهمة في أوجه حياته المختلفة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية.

3. وجود عدد غير قليل بعيدا عن دينه، أثرت فيه آفات المجتمع الأوربي كالمخدرات والانحلال الخلقي، غير أن من انسلخوا من دينهم أو تركوه كانوا قليلين.

4. وجود شريحة -نحسبها صغيرة- تحمل أفكارا دخيلة على قيم الإسلام الإنسانية، طابعها التشدد والتحامل على كل ما هو غربي دون نظر أو تمحيص، وذلك نتاج تربية لبعض القوى الوافدة من المشرق الإسلامي، زاد في حدتها تلك الحملات المغرضة على الإسلام في الإعلام الغربي، إضافة إلى بعض الأحداث داخل البلدان الإسلامية (فلسطين - الجزائر – البوسنة - العراق...) وموقف الغرب منها.

5. انعكاس الخلافات العرقية والمذهبية وحتى الحركية على هذه الشريحة أقل بكثير من تأثيرها على الشريحتين الأولى والثانية، وبات ذلك واضحا في انخراط الكثير من أبناء المسلمين من الأجيال الجديدة في مؤسسات واحدة رغم انتماء آبائهم لخلفيات عرقية ومذهبية مختلفة.

6. يمكن القول بأن هذه الشريحة وشريحة المسلمين من أصل أوربي ستتقاربان بل ستصبحان شريحة واحدة خلال جيلين أو ربما جيل واحد.

هـ-  الشريحة الرابعة: المسلمون من أصل أوربي:

وهؤلاء هم الذين اعتنقوا الإسلام إما تأثرا بقيمه ومثله، أو من خلال دراساتهم الأكاديمية، أو الشخصية، أو من خلال اختلاطهم ببعض العاملين في الحقل الإسلامي، أو عن طريق الزواج والمصاهرة. وأحسب أن أعدادهم في أوربا الغربية لا يزيد عن نصف مليون، ويتركزون في فرنسا وألمانيا وبريطانيا على التوالي.

ولا شك أن لهم توجهات متباينة ومختلفة، وليس من اليسير تحديد مواصفات خاصة بهم، وإن كان البعض منهم متأثرا إلى حد بعيد بالطرق الصوفية وتوجهاتها. واليوم، كثير منهم بدأ باستشعار ضرورة التوافق بين انتمائهم إلى الإسلام وارتباطهم ببلدهم الأوربي، وأن تحولهم إلى الإسلام لا يعني انسلاخهم من مجتمعهم.

وقد بذل قسم الدعوة والتعريف بالإسلام في اتحاد المنظمات الإسلامية في أوربا جهدا في تجميع الكثير منهم في عمل مؤسسي يركز على واجبهم تجاه مجتمعهم الأوربي في التعريف بالإسلام وقيمه الإنسانية، إضافة إلى العمل الجاد على إشعار المجتمع الأوربي أنهم ما زالوا جزءا منه، وأنهم حريصون على أمنه واستقراره وتطوره وتقدمه.

ومما لا شك فيه أن الوقوف على وصف تفصيلي لأحوال الجالية الإسلامية في أوربا يحتاج منا إلى تفصيل يتطلب كتبا ومقالات، لكني وددت من خلال شرائحها أن أضع أمامكم وصفا مجملا وموجزا.

وفي نهاية هذا الموجز يمكنني أن أقول: إن جل أبناء الجالية اليوم يرنو إلى الاستقرار، ويميل إلى التجانس والتآلف مع المجتمع الذي يعيش فيه؛ لأنه أدرك أن هذا المجتمع مجتمعه، ولا بديل له عنه، رغم كل العوائق المتمثلة في كثرة البطالة في صفوفهم، وانحياز شرائح من المجتمع الأوربي ضدهم، ووجود بعض العناصر المتشددة بين أبنائهم، إضافة إلى انعكاس بعض الخلافات العرقية والمذهبية والحركية التي وردت معهم من المشرق الإسلامي.


رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوربا