أرسل لصديق ||

نبذة تاريخية عن هجرة المسلمين إلى أوربا

Image
أ- أوربا الغربية

إن تاريخ هجرة المسلمين إلى أوربا يتفاوت من قطر أوربي إلى آخر، والبعض يرجعه إلى قرون خلت، وهذا ما يحتاج إلى بحث دقيق لا أحسب أن هذه الورقة تستوعبه، غير أنه يمكن القول بأن جذور الهجرة الحديثة المعتبرة التي هي أساس الوجود الإسلامي الحاضر في أوربا الغربية يمكن إرجاع بداياتها إلى منتصف القرن التاسع عشر، عندما وقعت بعض البلدان العربية والإسلامية ضمن دائرة الاستعمار الأوربي. وأوضحُ مثال على ذلك الاستعمار الفرنسي للجزائر وللكثير من بلدان الشمال الأفريقي بعدها، واستعمار بريطانيا لشبه القارة الهندية، ومن ثم لجُل بلدان المشرق العربي والإسلامي.

نقول: إن الهجرات الأولى بدأت في ذلك التاريخ بشكل بسيط ومتقطع، وكانت إما للخدمة في جيوش الاحتلال أو للعمل في المصانع الأوربية، وربما القليل منهم تطلعا لعالم أفضل، وبقي اتساع الهجرة ونموها محدودًا حتى بلغ عشرات الآلاف مع نهاية الحرب العالمية الأولى.

أما الهجرات الكبرى في العصر الحديث فكانت بُعيد الحرب العالمية الثانية. ومع حاجة أوربا إلى الأيدي العاملة لسد النقص الشديد الذي خلفه مقتل ما يزيد عن ستين مليونا من البشر في تلك الحرب؛ فقد قام أرباب العمل ببذل جهودٍ متواصلة لاستقدام أعداد كبيرة من دول العالم الثالث وفي مقدمتهم العرب والمسلمون؛ ومن ثم كانت تلك الهجرات الكثيفة التي تركزت في:

- فرنسا ومن أبناء الشمال الأفريقي والأفريقي العربي على وجه التحديد، وكذلك من المستعمرات الفرنسية في أفريقيا السوداء.

- بريطانيا من أبناء شبه القارة الهندية (الهند - باكستان - بنجلاديش - كشمير) وأعداد من أبناء جنوب الجزيرة العربية -وعلى الأخص اليمن الجنوبي وعمان- إضافة إلى أعداد أخرى، ولكنها أقل من بقية المستعمرات.

- ألمانيا من الأتراك الذين كانت لهم علاقات مميزة بألمانيا حتى قبل الحرب العالمية الأولى.

كما هاجرت أعداد أقل إلى دول أوربا الغربية الأخرى (إيطاليا - هولندا - بلجيكا - أسبانيا...)، ومن بلدان عربية وإسلامية غير التي ذكرناها.

واستمرت تلك الهجرات التي كان هدف أصحابها الأساسي في بداية الأمر العمل لفترات مؤقتة لتحسين أوضاعهم المعيشية، ثم الرجوع إلى الوطن الأصلي، خاصة أن جل المهاجرين لم يصحبوا عائلاتهم معهم في البداية.

أقول: استمرت تلك الهجرات وتطورت لتشمل أعدادا كبيرة من الطلبة الدارسين من معظم الأقطار العربية والإسلامية، إضافة إلى أعداد غير قليلة من القدرات والكفاءات العلمية التي غادرت البلاد هربًا من الأوضاع السياسية المتقلبة والمتوترة التي سادت جل البلاد العربية والإسلامية منذ بداية الستينيات وحتى يومنا هذا.

كما ساهمت حرب الخليج الأولى والثانية والحروب الأهلية في الصومال والحرب في البوسنة والهرسك والأوضاع المتردية في العراق في هجرة أعداد كبيرة أخرى إلى أوربا الغربية وبالذات إلى بريطانيا ودول أسكندنافيا ودول البنلكس (هولندا - بلجيكا) وسويسرا، إضافة إلى الدول الأوربية المذكورة أعلاه.

ومع تردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلدان العربية والإسلامية زهدت الغالبية العظمى من العرب والمسلمين في أوربا في الرجوع إلى بلدانهم، وآثرت الاستقرار خاصة بعد التئام شمل العائلات؛ ومن ثم نشوء أجيال جديدة ولدت وترعرعت وتشربت ثقافة المجتمع الأوربي، وعليه فقد استقرت الغالبية العظمى من أبناء المسلمين بل اتسع وجودها ليشمل معظم الدول الأوربية إن لم يكن جميعها، حتى لم تعد هناك مدينة كبيرة ولا صغيرة لا تضم أعدادا من المهاجرين الجدد.

ب- أوربا الشرقية ودول البلقان

الحديث عن المسلمين في أوربا الشرقية والبلقان لا شك أنه مختلف؛ إذ إن الغالبية الساحقة من المسلمين هم أبناء البلاد الأصليين الذين اعتنقوا الإسلام منذ قرون طويلة ترجع إلى ما قبل دخول الأتراك العثمانيين، وإن كانت الغالبية منهم قد استقر بها المقام مع وجود العثمانيين لمدة تزيد عن 5 قرون في جل بلدان أوربا الشرقية والبلقان، ولقد واجه هؤلاء المسلمون ظروفا بالغة الصعوبة خلال الحروب المتواصلة بين العثمانيين وأوربا وروسيا، وكذلك بعد انحسار قوة الدولة العثمانية. ولقد بلغت تلك الظروف مداها بعد دخول دول أوربا الشرقية والبلقان تحت الحكم الشيوعي؛ وهو ما أجبر بعضهم على الهجرة إلى البلاد الإسلامية وتركيا على وجه التحديد، وربما إلى بعض بلدان أوربا الغربية، هذا إضافة إلى ما يمكن اعتباره نوعا من الإبادة الجماعية التي حلت ببعض مسلمي الاتحاد السوفيتي سابقا.

كما أن هناك هجرات للعرب والمسلمين خلال العقود الماضية -وبعد الحرب العالمية الثانية على وجه التحديد- إلى الاتحاد السوفيتي سابقا من خلال العديد من الطلبة الدارسين، وازدادت إلى جل دول أوربا الشرقية خلال العقود الثلاث الماضية، ونتيجة لنفس ظروف البلاد العربية والإسلامية الاقتصادية والسياسية التي ذكرنا استقر عدد غير قليل من هؤلاء في تلك البلدان، خاصة أولئك الذين تزوجوا من تلك البلاد إضافة إلى أعداد كبيرة من ذوي الاتجاهات اليسارية الذين لم يجدوا في ظروف بلادهم الأصلية مناسبة للرجوع.

واليوم ومع سقوط الشيوعية توجه جل أولئك للاستقرار والعمل. ويرجع جل العرب والمسلمين الذين يربو عددهم على 400.000 إلى البلاد العربية (العراق – اليمن – السودان – الجزائر – سوريا - مصر) وأعداد قليلة من بلدان إسلامية أخرى وفي مقدمتها إندونيسيا ودول شبه القارة الهندية.


رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوربا