أرسل لصديق ||

الفوانيس الربانية

   منذ زمن بعيد، وبالتحديد منذ عام 1948م، لم يطلع القمر في سماء فلسطين، صار رمضان يجيء فلا تجيء معه البهجة، وتتوارى الفرحة، وتختنق الآمال.

لقد أُثقِلت نفوس من تبقى من أهلنا هناك بهموم النكبة، وضياع الوطن، وتفُرّق الشمل، وموت الأحباب.

وغاب حماس الأطفال، وزُرِع الحُزن في كل قلب، لقد تغيرت الحياة، تحولت الأناشيد إلى آهات وزفرات حزن وقهر، وشعور بالمرارة والهزيمة والإحباط.

صار التجمع محرَّمًا حتى على الأطفال، وحرية الحركة محظورة حتى على المسحراتي، فإن سكان المستوطنات من اليهود ينـزعجون من صوته في هذا الليل البهيم الذي لا يريدون له نهاية.

ودخلت حلقات العبادة في قائمة المُحرَّمات، وخَفَت صوت الأذان سنوات طويلة، وافتُقِدت فوانيس الأطفال، وأصاب الإرهاب الجبان برذاذه الجميع.. وهكذا، حتى كاد الناس ينسون أنهم موجودون في الحياة.

ميلاد الأمل وحصاره

وفجأة انشق الليل عن القيامة الأولى ثم الثانية لأطفال الحجارة، فأعادوا لرمضان روعته وقدسيته، وارتفع صوت المؤذن من فوق كل مئذنة في فلسطين: الله أكبر.. الله أكبر.. حي على الجهاد، وعاد الأطفال لإشعال فوانيس رمضان، وعلقوها فوق جوامع فلسطين، وعادوا يطوفون في ساحة المسجد الأقصى، وفي كل ساحات فلسطين، يحملون الفوانيس، ويرجمون الغاصبين بحجارة من سجيل، فيفر الجندي اليهودي المدجج بالسلاح أمام طفل صغير أعزل إلا من حجر أشعلته حرارة الإيمان المتقدة في قلب هذا الطفل.

صار هذا الطفل وحجره شاهِدَيْن على تخاذلنا نحن الكبار بما أوتينا من قوة، وبما حشدنا من أسلحة، نوجهها إلى صدور إخواننا بدلاً من توجيهها إلى صدور الأعداء!! وشاهِدَيْن أيضًا على قوة الإيمان وما يفعله في النفوس، وشاهِدَيْن على ضعف وجُبْن أعدائنا مهما حاولوا وحاول أنصارهم أن يصوروهم لنا بصورة الأُسُود.

أطفالنا هؤلاء، الرجال الصغار، هم من علمونا دروسًا في الفداء والإيثار والذَّود عن الدين والوطن والعِرْض، نطقت الحجارة بأسمائهم، وارتوت الأرض بدمائهم.

ومع كل هلال لرمضان، يتجدد الأمل، كالوليد يترقب وليدًا آخر، وتصير أنهار دماء أبنائنا وآبائنا وأمهاتنا وإخواننا، كالسلسبيل يجري في عروقنا، يشعل الحماسة في أرواحنا، ويُذكّرنا بعهود العزة والكرامة التي خلت.

ولكن ما لبثت المؤامرات أن أحاطت بأطفالنا الأشاوس في فلسطين، محاولة حصار آمالهم، وإخماد ثورتهم، وإسكات صيحاتهم، بعدما كشفت هذه الثورة وهذه الصيحات عورات كثيرين، فطفق بعضهم يخصف عليه من أوراق المعاهدات والمؤتمرات والتنازلات، وطفق البعض الآخر يخصف عليه من ورق الخُطَب والشعارات واللافتات، محاولاً التواري خلفها، وركوب الموجة، واختلاق دور يذكره به التاريخ.

 فوانيس وفوانيس

 
إلا أن الفوانيس عند إخواننا وأطفالنا هناك، بدأت تأخذ شكلاً آخر في الأعوام السابقة، شكلاً سماويًّا يخالف تلك الأشكال الأرضية التي تُصنَع  – ويا لسخرية أعدائنا بنا - في دول وثنية لتغرق أسواق المسلمين !!!!.

هذا الشكل الجديد، ما هو بجديد عند المؤمنين، إنهم يعرفونه منذ أن أخبر بوجوده النبي صلى الله عليه وسلم، وبشَّر به الشهداء، إنها فوانيس ربانية، خُلِقَت بيد رب العزة والقدرة سبحانه وتعالى، خصيصًا لهؤلاء، حيث قال صلى الله عليه وسلم عن الشهداء، وهو يفسر قول الله عز وجل: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون)، في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، قال: (أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي، ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن يُسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا، حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُركوا).

فما أروعها من قناديل، وما أبهاها، وما أغلاها، ويا لشرف من يحوزها!!.

هذه القناديل - أو الفوانيس – هي الفوانيس الحقيقية، التي يجب أن يتطلع إلى اقتنائها كُلٌّ من أبناء هذه الأمة، لتضيء دنيا أمته وينعكس هذا الضوء على آخرته.

وأنتم أيها الشهداء، يا من سبقتمونا إلى قناديل عرش الله، لن تلهينا تدابير شياطين الإنس لتلهينا عن ذِكركم في هذا الشهر الكريم، ولن تلهينا الموائد العامرة، والاحتفالات الساهرة، ولن تفارق مخيلتنا أرواحكم الطاهرة التي تحوم حولنا، وترفرف بأجنحتها فوق ربوعنا، تستحثنا على اللحاق بها في كنف رب كريم، بعد أن نضع لبنة، ونرسم خطوة على طريق نصر وعز ديننا وأمتنا.

أما أنتم أيها الأطفال، فإننا نناديكم، بل ونرجوكم أن تثبتوا مكانكم، ولا تستسلموا للمؤامرات، ولا تتأثروا بتخاذل المتخاذلين، ونكوث الناكثين، احملوا أحجاركم، ورددوا صيحاتكم، لتعود الفوانيس من جديد، تبرق فوق كل مئذنة على أرض الإسراء.


كاتب وداعية مصري.