أرسل لصديق ||

النصوص الدينية بين إعادة القراءة والقطيعة *

نواف القديمي
يبدو أن دعوات «الإصلاح الديني» باتت «شعار المرحلة» الذي تتبناه غالبية النخب الثقافية والفكرية في العالم العربي بمختلف أيدولوجياتها. حتى إن أحد أشهر وأقدم الماركسيين العرب ركز -في حوار لي معه- على وجوب إصلاح الخطاب الديني و«تنقيته!!» من تفسيرات وتحريفات حركات الإسلام السياسي.

وبعد أحداث سبتمبر (أيلول) شغل «الإسلام» -كدين وفكر وحركات سياسية- كثيراً من دوائر الثقافة العالمية، وغدا المبحث الأهم في أجندة كثير من الدوائر البحثية ومراكز الدراسات الإستراتيجية في الغرب والعالم العربي.

يرتكز الحديث في قضايا «الإصلاح الديني» و«تجديد الخطاب الإسلامي» على أن الإسلام كدين وكنصوص مقدسة باتت اليوم رهينة لقراءات وتفسيرات نتجت ضمن سياقات تاريخية محددة كانت مشبعة بالصراع السياسي والاحتقان في التعامل مع المختلف الفكري والمذهبي والديني، الأمر الذي أنتج قراءة متشددة وجدية للنص.

باتت اليوم هذه القراءة هي المرجعية السائدة للتنظير الفكري والسياسي الإسلامي الحديث، وهو ما يُغيِّب روح الإسلام العالمية المتسامحة، ويحد من قابلية النص للتعاطي مع متغيرات الزمان والمكان، وذلك بقصره على تفسيرات بشرية معينة، هي في حقيقتها نتاج المحيط والبيئة الثقافية والاجتماعية والسياسية السائدة في تلك العصور.

ولكون المجتمعات العربية والإسلامية هي مجتمعات متدينة، يغدو الحديث عن التقدم والنهضة والحضارة بغير استحضار الدافعية الدينية وعن طريق ممارسة قطيعة مع الإرث الثقافي والفكري والاجتماعي -للمجتمعات العربية- المرتبط بالدين، يغدو أمرًا غير قابل للتطبيق. الأمر الذي يستدعي قراءة حضارية للنص تُخرج ما غيبه التاريخ، وتطرح قيم التواصل مع العالم المفتوح وقيم الحرية والتسامح والنهضة والتقدم الإنساني، وتعيد مساحة المشتركات الإنسانية الواسعة، وتدفع باتجاه المدنية والتطور وعمارة الأرض وإقامة الحضارة البشرية.

لكن هذه الدعوة للإصلاح الديني لم تلق قبولاً عند قطاع من المجتمع العربي يرى أنها محاطة بكثير من علامات الاستفهام تجعلها «غير بريئة» وغير ناتجة عن رغبة في تطوير الرؤية الإسلامية بقدر ما هي اتفاق مع السياق الغربي الداعي لتفكيك وتجاوز كل الثقافات الرافضة للمنظومة الثقافية الأوربية. وامتداد للهيمنة القيمية والسياسية للمشروع الأمريكي، وطلائع ثقافية ترويجية للزحف السياسي والعسكري الغربي.

فيما يرى البعض الآخر وجوب فك الارتباط بين «الحضارة المادية» والمنظومة الثقافية التقليدية السائدة في المجتمعات العربية، لكون «الحضارة» هي في حقيقتها معطى بشريا غير مرتبط بدين أو ثقافة أو انتماء.

ولا يمكن إقامة مجتمعات حضارية نهضوية متقدمة في العالم العربي ونحن محملون بركام وإرث تاريخي يتطلب منا بذل جهود ضخمة واستثنائية في إصلاحه وتطويره، مما يستلزم تأخير مشروعات النهضة لعقود وربما لقرون حتى تتم عملية الإصلاح الديني والثقافي. وهو ما سيترتب عليه الدخول في معارك مع الاتجاهات المحافظة تستهلك كل لياقتنا وطاقاتنا، إضافة إلى أن نتائجها غير مضمونة.

ثم لماذا يُطلب منا ألا نتقدم إلى الأمام إلا ونحن مثقلون بعبء إصلاح قرون من التنظير الفقهي والفكري والسياسي هي تشكل اليوم عائقاً ضخماً أمام عجلة التطور والنهوض للمجتمعات العربية.

أليست الأمم التي بلا تاريخ كالمجتمع الأمريكي هي أقدر على النهوض السريع من الأمم المطالبة بإصلاح وإعادة قراءة كل تاريخها وتراثها قبل بناء مشروعها النهضوي كالمجتمعات الأوربية على سبيل المثال.

ويبقى السؤال..

هل الطريق إلى «الحضارة» في المجتمعات العربية والإسلامية يمر لزامًا عبر بوابة «الإصلاح الديني»؟.

طالع في هذا الملف:


كاتب سعودي  

*نقلاً عن الشرق الأوسط