التجديد الديني والبناء الحضاري: رؤيتان
وهل يمكن بناء أنساق حضارية بمعزل عن إسهام الآخر في تشكيلها؟
وما علاقة هذا البناء بالتجديد الديني؟!
وهل تَشكُّل النسق الحضاري يلزم أصحاب الحضارة التي هي قيد التشكل وحدهم؟ أم يتعداهم إلى غيرهم؟
وهل هذا التعدي يفضي للقول بأن النسق الحضاري لأمة ما من الأمم، أو لحزمة من الأمم تنتمي لجذر ديموجرافي/إثني واحد، ليس حكرًا – في بنائه – على أبناء هذه الأمة أو هذه الحزمة من الأمم؟
وما ضوابط إسهام الآخر في بناء نسق حضارة الذات؟
دال الحضارة الآن ومن قبل
ليس ما يعنينا هنا أن نقدم تعريفا قاموسيًّا لدال الحضارة، فما يعنينا هو دلالة البعد الزمني في تركيب الدال الذي نحن بصدده.
والطرح الذي أقدمه في هذا الصدد يتعلق بأن الحضارة - كنسق - كان قديمًا يحتمل بناؤه على أساسين، الأول: بنائي، وهو يعني تلك الأنماط الحضارية التي كانت تعتمد على أصول ذاتية في توليد نسقها الحضاري، حيث لم يكن المنتج الحضاري في هذا الصدد نتاج علاقة جدل بين مجموعة من التفاعلات الحضارية المتفاوتة الأصول.
وهذه الأنساق الحضارية التي يمكن وصفها بأنها أنساق مغلقة وجدت منها مجموعة من الحضارات التي رفض الرجل الأبيض الاعتراف ببعضها، وحاول صياغة مفهومه للحضارة بحيث يتحاشى أن يحتويها، ومن ذلك حضارة السكان الأصليين في الأمريكتين قبل إبادة الرجل الأبيض لهم وغيرها من النماذج الكثير.
فهذا النموذج نموذج لحضارة كان لديها منجزها الإنساني والاجتماعي، مثل نسق السلطة الإداري والأعراف المشكِّلة للنظام القانوني فيها، ووسائل الضبط الاجتماعي المتوافقة مع تكوينها، والمؤسسة الاجتماعية التراحمية القائمة على وحدة الأسرة، وكان لها منجزها التكنولوجي كذلك على صعيد العلاقة مع الأدواء وأدويتها، والتغيرات المناخية والاستجابة لها، والحيوانات التي يوظفونها في معاشهم وصونها.. إلخ.
وما نأخذه على مثل هذه الأنساق الحضارية أنها لم تنفتح على غيرها من الأنساق لتفيد منها. ولهذا كان مآلها الاصطدام بالآخر والتعرض إما للإبادة أو للذوبان، أو لخليط من هاتين الوصفتين. بحيث يمكن القول بأن هذا النمط من أنماط بناء الحضارات لم يعد له تمثيل الآن، بما في ذلك حضوره في المناطق النائية التي دخلتها روافد حضارية قسرية عبر عمليات الاستعمار والحروب، أو السياحة أو الاستكشاف أو التبشير أو الابتعاث، أو غيرها من الأنشطة الإغاثية والتمدينية.
أما الأساس الثاني من ضروب بناء الأنساق الحضارية فكان الضرب التاريخي، وهو ضرب من ضروب تشييد الأفكار والحضارات يعتمد على المزاوجة بين رافدين أولهما وافد عبر العلاقة المثمرة مع الآخر، وثانيهما أصيل يعبر عن رؤية الذات وخصوصيتها الثقافية. وجل الحضارات التي نراها الآن قامت على هذا التركيب، ومن بينها الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية.
مساحات التواصل الحضاري.. والمحظورات التاريخية
الخلاصة مما سبق أن بناء الأنساق الحضارية البنائية الآن لم يعد ممكنًا. فالتفاعل مع الآخر صار شرطًا لبناء نموذج حضاري لديه مناعة ضد الانهيار والذوبان. والأهم من هذا أن الفكرة السائدة عن إمكان تفاعل الحضارات وتلاقح منتجاتها في شقها المادي المدني فقط (المنجز التقني) لم تعد مقولة فعالة، بل الأكثر فعالية حدوث تفاعلات على صعيد تلاقح الأفكار والقيم والمؤسسات الاجتماعية المعبرة عنها، سواء في صورتها المادية: منظمات وتنظيمات، أو في صورتها الثقافية العامة: العادات والتقاليد والأعراف.
فليس أي من هذه المكونات البشرية للنسق الحضاري مقدس إلا ما كان بنص وحي (قرآن وسنة) قطعي من حيث الدلالة على الأقل.
والحقيقة أن تأثير الحالة الوهابية على عملية التفاعل الحضاري هذه كانت تجعل قارئ الآخر يعيش في حالة رعب من احتمال تعرضه لمحاولة تشويه عقَدي، أو تشويه فكري يمكن أن يجعله آثمًا بالمفهومين الحضاري ثم العقدي لدلالة الإثم.
فهو من ناحية آثم حضاريا لأنه سمح للآخر الكافر بغزوه قيميًّا وفكريًّا، وآثم عقديًّا لدخوله حيز الولاء لفكر الآخر ومنجزه القيمي قلبيًّا، مما يجعله على شفا جرف هار قد ينهار به في نار جهنم!.
وليس هذا الكلام عن تأثير المنظور الوهابي من قبيل التصور النظري، بل بالعودة إلى ما سبق أن عرضناه من التمييز بين النسق الحضاري البنائي والنسق الحضاري التاريخي، فإن رؤية الاتجاه الوهابي كانت رافضة لإسهام الآخر في بناء فكر الذات وقيمها، على اعتبار أن مجمل الدين ما جاء به الوحي، وأن منهج المسلمين في التعاطي مع أصول الشريعة يتمثل في توليد احتياجاتنا القيمية والمؤسساتية من الأصول القائمة، مبتعدين قدر الإمكان عن الابتداع أو الاستيراد.
وكانت الرؤية الفلسفية التي اختفت وراءها هذه الرؤية تتمثل في أن كل قيمة وكل فكرة وكل مؤسسة مرتبطة بتاريخ ونسق من التطورات الاجتماعية وبفلسفة مجتمع أنشأ هذه الرؤية.
وكان هذا الطرح بمثابة تحذير من أن مفاتيح الغزو تتمثل في محاولة استيراد الأفكار أو المؤسسات أو القيم. وزاد طين هذا الأمر بلة أن كتب مفكرون غربيون مثل برتران بادي حول الدولة المستوردة وبدأت الحركات الثقافية الراديكالية تتحدث عن الخصوصيات الثقافية والاجتماعية، وبدأت حركة علم تكوين المعرفة وجينالوجيا الأفكار (علم أنساب الأفكار) في الانتشار موضحة علاقة المفاهيم بأنساقها الحضارية والفلسفية، وعمقت هذه الحركة وتلك من الوعي بهذه القضية بصورة جعلت الاستفادة من منجز الآخر محرمًا من المحرمات.
والأمر الذي تناسته هذه الحركة أن أول من استورد المؤسسات الاجتماعية كان الخليفة عمر بن الخطاب حين استورد فكرة الدواوين. وكان هذا النموذج منبع الانقلاب على هذه الفكرة عبر تثوير مفهوم الإصلاح الديني من إحدى زواياه.
الإصلاح الديني.. والإسهام الحضاري
هناك عدة مشروعات ارتبطت بالإصلاح الديني وعلاقته بالترقي الحضاري، من بينها مشروع إسلامية المعرفة الذي حرص على أن تكون العلوم الاجتماعية - وربما العلوم التطبيقية أيضًا - مرتبطة بخلفيتها الحضارية الإسلامية.
لكن المشكلة التي وقع فيها هذا المشروع تتمثل في أن منهج الخصوصيات الاجتماعية الذي اعتمد عليه المشروع تحول بالفكرة عن أن تدور في الفلك البنائي للارتباط بالعقيدة إلى نسق أصبح أقرب ما يكون – في مآله - إلى دراسات المناطق. فمصر تختلف عن السعودية أو المغرب، فأي منهج للإسلامية يجمعهم إذا كانت الخصوصيات تفرقهم؟.
وهذا قادنا لمشكلة مركبة، فالمشروع في أساسه من المشروعات البنائية التي كانت تتعامل بحذر فائق مع أية محاولة لاستيراد مفاهيم ذات قدرات تحليلية وتفسيرية يمكن إعفاؤها من جذورها الفلسفية وتبيئتها (أي زرعها في بيئة أخرى)، ومن ناحية أخرى، فإنه بسبب استيراد مصطلح الخصوصية وما قاد إليه من انقلاب.. فقدنا الميزان الذي نقيس به الحساسية الفلسفية والتاريخية للمصطلحات والمفاهيم التي نفكك ونحلل بها الظواهر الاجتماعية.
والحديث عن مشروع إسلامية المعرفة أهم ما يمكن إيراده في باب الإصلاح؛ لأن الإسهام الحضاري كلما كان منظمًا وعميقًا كلما كان أكثر قدرة على ممارسة دوره في عملية الترقية، أو تفعيل مشاركة حضارة ما من الحضارات في المعترك الحضاري.
وخلاصة هذه المشكلة المركبة أن هذا المشروع كان في حاجة للمزاوجة بين رافدين هامين من روافد استكماله.
أولهما: ترشيد ميزان قياس الحساسية الحضارية للمفاهيم والمؤسسات الاجتماعية التي تمثل تقدمًا في المنجز الحضاري للآخر بحيث يمكننا الاستفادة منها، على نحو ما فعل عمر.
وثانيهما: في إطار الخصوصية، كان هذا المشروع في حاجة لدراسة العلاقة بين ما هو معطى معياري (أصول) وما هو معطى حضاري (تاريخ وهوية) لصيانة هذه الخصوصية في ضوء أهداف مشروع إسلامية المعرفة.
أن تسهم حضاريًّا، يعني أن تقدم للآخر الحضاري منجزك، وهو يعني ألا ترفض منجز الآخر الحضاري. وهذا يعني ضرورة أن يكون لديك معيار لتقييم المنجز الحقيقي المستورد، بلا عُقَد من الخوف والكراهية والرفض المسبق، وأن يكون لديك القدرة على صون منجزك وتطويره. وفي هذا الإطار يمكن التقدم بأطروحة لتطوير مشروع إسلامية المعرفة باعتباره حلقة الوصل بين التجديد الديني والترقي الحضاري.
طالع في هذا الملف:
- الإصلاح الديني والحضارة .. هل يتلازمان ؟!
- المشتركات الإنسانية سبيل للحضارة
- الإصلاح الديني مدخل قسري للحضارة
-
التجديد الديني والبناء الحضاري .. رؤيتان
- النصوص الدينية بين إعادة القراءة والقطيعة


















