المشتركات الإنسانية سبيل للحضارة *
1- ما هي الحيوية التي تسبب الحضارة؟
2- ما مصدر هذه الحيوية في الشعوب التي تنتج الحضارات؟
تتنوع الإجابات على هذين السؤالين، فشرط «الفائض» في الطعام والسلع المادية الأخرى والفراغ يخلق أعمالاً غير اقتصادية كتلك التي يقوم بها الفنانون واللاهوتيون والشعراء. هذه إجابة.
وهناك إجابات أخرى كثيرة ولكنها لا ترتبط بما يمكن تسميته «الدافعية الحيوية» التي تخلق للإنسان مسببات العيش وتجيبه على أسئلته الوجودية.
الدين على سبيل المثال يمكن له أن يجسد هذه «الدافعية الحيوية» فإيمان الناس بشتى المعتقدات الدينية يكسبهم الطمأنينة الروحية في تحمل آلام الحياة، وربما يقودهم إلى الإنتاج والإتقان بحسب «السيسيولوجا الفيبرية».
الحضارة تعبير عن الديانة
«إن أسلوب الحضارة إنما هو تعبير عن دياناتها»، حسبما يقول مؤرخ كبير كـ توينبي. ولذلك تضعف الحضارات حين يضعف الدين؛ لأن الخلل في الأخلاق الاجتماعية حينها يعجّل في تدهور الحضارة عندما تواجه خطر البرابرة الجدد.
ولكن إذا كنّا نقول بأن الأديان هي مصدر حيوية الحضارات، فهذا لا يعني أنها ليست مصدر شقائها أيضاً، فالحروب الدينية التي خاضتها الديانات في تاريخ العالم وحتى اليوم كثيرة وضحاياها هم الأبرياء في الغالب. كما أن الأديان لم تكن في خطوطها العريضة مؤثراً في خلق الرقي الحضاري المتمثل في أنماط الحكم وروائع الفن، بقدر ما كانت عائقًا مستمرًّا أمام العلوم والفنون الإنسانية.
إن شعوب إندونيسيا على سبيل المثال حالما تبنّت الهندوسية والبوذية كانت قادرة على إبداع حضارة عظيمة تمثلها روائع أطلال «بوروبدور»، ولكن الشعوب نفسها لم يتح لها أن تنتج أي شيء يقارن بإنجازاتها الماضية عندما اعتنقت الإسلام. هل يعني ذلك أن بعض الأديان أقدر من بعضها على خلق روح إبداعية في نفوس معتنقيها؟.. لا أظن ذلك صحيحاً.
إن حاجة كثير من البشر للإيمان بالدين هي في إعطائهم معنى روحياً لحياتهم، ولكن بعد ذلك تصبح الأديان غير قادرة على التدخل في تحديد النظم الحياتية للبشر، إنها تفيد في قيادة أخلاق الناس وتوجيههم الوجهة الروحية المطمئنة، ولكنها تخرج عن دورها المطلوب إذا فرضت شروطها على مواضعات البشر السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ونحن هنا عندما نقول دين لا نعني الدين بمعنى الديانات السماوية فقط. فعلى سبيل المثال نشأت ديانات جديدة بعد تراجع المسيحية في الغرب كـ«القومية والشيوعية والحتمية العلمية»، صحيح أنها ليست ديانات تأليهية عبادية ولكنها صور مشابهة للدين من وجوه عديدة، يفصلها بالطبع تطور مفهومنا لـ«الأيدولوجيا». ولذلك تغدو المشكلة اليوم حول ماهية الدين الذي نتحدث عنه وطبيعته، وكذلك ماهية الحضارة التي نتحدث عنها.
الإسلام على سبيل المثال انتهت حضارته كحلقة في سلسلة طويلة من الدورات الحضارية المصرية والآشورية واليهودية والكونفوشيوسية والمسيحية القديمة، ولكن ما زال الإسلام ديناً راسخاً في قلوب الملايين من معتنقيه حول العالم.
هذا تفريق هام لبداية وصف الإشكالية، أي التفريق بين الدين كـ«نصوص مقدسة وشريعة الجانب النصوصي»، وبين الدين في جانبه التاريخي «الحضارة».
هل الإسلام بحاجة للإصلاح ؟
دعونا نحاول الإجابة على السؤال المطروح بتساؤل وتفكر أكثر من ادعاء الوثوقية الزائفة التي يفرضها المنطق الأيدولوجي الديني والقومي: الطريق إلى الحضارة هل يمر لزامًا عبر الإصلاح الديني؟.. دعونا نجعل السؤال أكثر خصوصية: هل الإسلام اليوم بحاجة للإصلاح الديني لكي تكتسب الشعوب الإسلامية الحضارة الغربية الحديثة؟.
تقول الحضارة الغربية: طبعًا؛ لأن الحضارة اليوم هي حضارة غربية فـ«الغرب هو من اخترع الديمقراطية وحقوق الإنسان والأمم المتحدة والصناعة والتكنولوجيا، وهناك مساهمات من دول وأفراد من خارج الحضارة الغربية»، ولكن ما يجمع بينهم أنهم أخذوا بأسباب التمدن الأوربي.
الداعون اليوم إلى استعادة الإسلام للحضارة لا يدركون ما يعنون. إنهم يتصورون الحضارة بمعنى القوة العسكرية في اجتياح العالم؛ لأنهم لو كانوا يقصدون بالحضارة نظم الحكم والسياسية والعيش فهم يعنون تلك التي شاهدوا آثارها في العالم الغربي.
هناك مأزق اليوم في العالم الإسلامي والعربي في تصور مفهوم «الحضارة» أي ما يجعل هذه الشعوب تحقق معنى النهضة المعطلة لأكثر من 200 عام منذ الاحتكاك بالحضارة الغربية الحديثة. ففي حين يتحدث المصلحون والسياسيون والمثقفون عن ضرورة النهضة واستعادة الدور الحضاري تختلط التصورات عن أطر ثقافية رجعية مشحونة بدلالات الاعتزاز الديني والقومي، ولا تفلح في نهاية المطاف إلا في زرع نظم ثيوقراطية إسلامية يحكمها رجال دين، أو شمولية استبدادية يفرضها منطق «القبيلة والغنيمة». وهو شيء متكرر في التاريخ الإسلامي، حيث تكون نتيجة الثورات الدينية هي إعادة إنتاج هذين الشكلين من نظم الحكم.
أي إن الإصلاح الديني أو التجديد الديني عبر التاريخ الإسلامي كان هدفه على الدوام استعادة العصر الأول، ولم يكن هناك تجديد بمعنى تجاوز الفهم النصوصي لإحداث «القطيعة التيولوجية» المنتظرة من ثورات الإصلاح. أو كما يصف ذلك عالم الاجتماع أرنست جلتر: «الإصلاح من داخل النص المسلم دون الخروج عليه».
هل من سبيل للعقلانية
ولهذا السبب لم يكن للعقلانية أن تتبوأ موضعها في التاريخ الإسلامي لسيادة البيان والعرفان.
هل يمثل الإصلاح الديني الحل؟
الإجابة لا يمكن أن تكون بنعم أو لا في هذه الحالة. فالعالم الإسلامي والعربي بحاجة إلى إصلاح ديني بالمعنى اللوثري البروتستانتي، الذي يمهد للانتقال -من المفهوم «الأرثوذوكسي السلفي» في فهم الإسلام- إلى فضاء التأويل النصوصي والنقدي للكتب والآثار الدينية.
إن إصلاحاً دينياً يهدف فقط إلى معنى من التقريب بين المذاهب الإسلامية وإشاعة التسامح لا يمكن له النجاح في ظل الفهم «الأرثوذكسي -السلفي» للدين. وستجد مشروعات من هذا النوع نفسه موءودة تحت حراب الأصوليين الإسلاميين الذين تتميز أيدلوجيتهم الدينية بأنها «أيدولوجيا اختزالية».
ترى الأيدولوجيا الاختزالية أن النزاعات المهمة من وجهة نظر التغير التاريخي تتعلق بهذا النمط الخاص من الرهانات أو ذاك الذي يقضي بحتمية زمانية نسميها في حالتنا هذه بـ«الحتمية الإسلامية»، مؤداها: أنه يتحتم في نهاية الزمن الأيدولوجي تحول المجتمع بأسره إلى مجتمع ديني خالص مع سيادة الشرعية الدينية. إن الإصلاح الديني يعني الانتقال إلى «القطيعة التيولوجية»، والتي تقضي فصلاً للسياسية عن الدين.
ولكن علينا القول بأن الإصلاح الديني لا يقود بالضرورة إلى الحضارة، وإذا أخذنا الإصلاح الديني في أوربا كنموذج فإنه لا يبلغ أهمية أكبر من قطيعة القرن السابع عشر. لأن الإصلاح الديني المسيحي انتهى لشطر الكنيسة إلى معسكر بروتستانتي وكاثوليكي، وانبعاث سطحي لتراث الحضارة اليونانية، ولكن ذلك لم يقد إلى زعزعة الأسس الحضارية للقرون الوسطي.
بينما يمكن اعتبار قطيعة القرن السابع عشر التي انتهت إلى رفض استخدام السلطة السياسية للمسائل التي تتعلق بالدين هي التحول الحقيقي باتجاه العلمنة المدنية للمجتمع المفتوح. ولهذا يمكن القول بأن النواقص التي تعاني منها الشعوب الإسلامية والعربية كـ«العلمانية، العقلانية، الديمقراطية، الحرية، حقوق النساء» لا يمكن بلوغها اليوم لأسباب متعددة وجوهرية قابعة في الداخل وليست مفروضة من الخارج.
ما الذي ذهب خطأً؟
هناك سؤالان يبقيان أخيرا فيما يتعلق بـ«الحضارة في الفكر الإسلامي العربي»، أحدهما أعيد طرحه من جديد في السنتين الأخيرتين على يد المستشرق الكبير برنارد لويس، والذي طرحه في كتابه الذي يحمل عنوانه نفس السؤال: ما الذي ذهب خطأً؟ أي ما الذي أدى إلى تدهور الحضارة الإسلامية وهي المتمسكة بأهداب الدين والأخلاق؟.
أما السؤال الآخر فيتعلق بالإشكالية التي تواجه هذه الدول القادمة من حضارات غير منافسة اليوم، وهو: هل ينبغي علينا الاقتداء بتلك الدول التي نرغب بمساواتها في القوة (وبالتالي نرفض بازدراء تراثنا التقليدي). أم يجب علينا على عكس ذلك من تأكيد قيمنا التراثية التقليدية، حتى ولو كان الثمن هو الضعف المادي؟.
مثل هذا السؤال الثاني تردد بحماس بالغ في الأدب الروسي خلال القرن التاسع عشر على شكل مناظرة سجالية بين الغربنة والسلفنة. كما طرح بحماس بالغ في بواكير النهضة العربية الحديثة حسب عبارات «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟».. وبحسب قراءتي أجد أن من المناسب القول بأن هناك خطأً في طرح السؤال بهذه الطريقة: أي ربط التقدم الحضاري أو التأخر بالدين. لأن الإجابة حينها ستكون دينية، وهذا يعني أن النتيجة ستكون عقبى في الدار الآخرة وليست واقعا دنيويا يصنعه الإنسان بنفسه.
الطريق إلى الديمقراطية
السؤال الذي أجده أكثر قربا للإشكالية والمأزق الذي تعانيه هذه المجتمعات هو: ما هي كيفية التحول نحو الديمقراطية الليبرالية في العالم العربي؟.
إذا تجاوزنا الاستبداد والفساد السياسي الذي تعانيه الأنظمة العربية -التي دخلت زمن شيخوختها بسبب تبدلات النظام الدولي الحديث- فإن الأيدولوجيا الدينية الأصولية التي نشطت في غالبية المذاهب الإسلامية قد أفلحت في نقل المجتمعات من مرحلة الإسلام الشعبي إلى مرحلة الإسلام الأصولي، وقد استفادت من التأثير اليساري الذي قاد إلى انفتاح وتفعيل برولتاريا الشعب في الحراك السياسي والثقافي في العالم العربي.
ولذلك تبدو العلمانية غير قادرة أبداً على التموضع داخل روح الجماهير المسلمة في هذا المناخ الأصولي. ولذلك ما زال أمام الأصولية الإسلامية نجاحات تحققها في بلدان عديدة ما دامت تمثل روح المعارضة السياسية والثقافية للغرب وللأنظمة العربية.
ولكن إذا كنا نقول بأن الحضارة الأممية الآخذة في التشكل اليوم بتأثيرات العولمة الاقتصادية والثقافية وتزايد مساحات المشترك الإنساني بين الشعوب، وكذلك زوال الفوارق بين البشر وانتشار ثقافة حقوق الإنسان، فإن ذلك يعني أن مكتسبات الحضارة الغربية الحديثة ستذوب داخل مشترك إنساني أكثر رحابة منها في المستقبل. أي إن القيم الإنسانية التي يتم التحدث عنها ستصبح قيما إنسانية أكثر من كونها قيماً غربية، وهو ما سيشجع اعتناق هذه القيم حول العالم.
وبالنسبة للعالم العربي فإنه لا بد في ناهية المطاف من أن يتخلص من الأصولية الدينية بعد أن يكون اكتوى بنارها، وعندها قد تتجه أنظاره نحو القيم الإنسانية الحديثة متطلبا منافعها العديدة، تماماً كما حدث له عندما لمس منافع «الصناعة والتكنولوجيا» التي جادت بها حضارة الغرب نهاية القرن التاسع عشر.
إن التقدم الحضاري لا يعتمد على حيوية الأديان، ولكن الأديان قد تكون عائقاً أمام هذا التقدم.
طالع في هذا الملف:
- الإصلاح الديني والحضارة .. هل يتلازمان ؟!
-
المشتركات الإنسانية سبيل للحضارة
- الإصلاح الديني مدخل قسري للحضارة
- التجديد الديني والبناء الحضاري .. رؤيتان
- النصوص الدينية بين إعادة القراءة والقطيعة
*نقلاً عن الشرق الأوسط


















