مسلمو فرنسا لا يهددون العلمانية
وقال أكسفيان ترنسيسان الكاتب والصحفي المتخصص في الشؤون الإسلامية بجريدة "لوموند" الفرنسية في تصريحات خاصة لشبكة "إسلام أون لاين.نت" الأربعاء 16-7-2003: "إن الجدل الذي ثار مؤخرا حول إمكانية تعرض العلمانية للخطر ليس صحيحا كما يدعي البعض"، مشيرا إلى أن "فقدان مسلمي فرنسا للوحدة العرقية والمذهبية واللغوية إضافة إلى تمثيلهم العددي بالنسبة للمجتمع الفرنسي ينقص من قدرتهم على التحرك ككتلة متجانسة".
وأوضح ترنسيسان أن "استعمال كلمة جامعة مثل مسلمي فرنسا تظل قاصرة عن الكشف عن حقيقة التركيبة الثقافية والمذهبية والقومية لمسلمي فرنسا"، مضيفا أنه "يمكن أن نتحدث في فرنسا عن مفاهيم مختلفة للإسلام، وطرق لمعايشة الحياة الإسلامية تختلف باختلاف الأصول القومية والاختلافات اللغوية والتصورات المذهبية".
جماعات متفرقة
وأشار إلى أنه لا يوجد شيء يجمع -على سبيل المثال- بين جماعة الدعوة والتبليغ التي تتمركز في الدائرة الحادية عشرة من باريس وجماعة الأحباش التي تنشط في الضواحي، والتيار الشبابي الجديد الذي يقوده الداعية والباحث طارق رمضان.
وقال ترنسيسان: "إن ما يضعف من قوة هذه الكتلة أن الإسلام بالنسبة لأغلبها لا يعدو إلا أن يكون عنوانا ثقافيا عاما وضبابيا"، مضيفا أن "نسبة المطبقين للإسلام تتراوح بين 10و20%؛ أي حوالي 400 ألف من جملة حوالي 6 ملايين مسلم بفرنسا".
وأضاف: "صحيح أن المسلمين بفرنسا أكثر حرصا من غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى على تطبيق مبادئ دينهم، لكن منهم من يشربون الكحول، ومنهم من لا يترددون على المساجد.. أي أن هناك جزءا كبيرا من الجالية الإسلامية معلمن" بالفعل.
وعين الرئيس الفرنسي جاك شيراك الملحق الإعلامي لرئاسة الجمهورية "برنار ستاسي" في 1-7-2003 رئيسا للجنة "تكون مهمتها مراقبة تطبيق مبادئ العلمانية" في فرنسا.
وكانت دراسة صادرة عن المعهد الفرنسي للرأي العام في 2001 حول المطبقين للإسلام قد أشارت إلى أن 70% من مسلمي فرنسا يصومون شهر رمضان، ولكن 30% منهم فقط هم الذين يؤدون الصلاة، وأن 70% لا يترددون على المساجد.
عدد مسلمي فرنسا
|
|
|
أكسفيان ترنسسيان |
وكان المعهد الوطني للإحصاء والتقويم قد أشار مؤخرا إلى أن التعداد الرسمي للمهاجرين المسلمين من أصول مغربية وتركية ودول أفريقية وآسيوية مسلمة بلغ 5.8 ملايين نسمة.
وتشير الإحصاءات إلى أنه من جملة حوالي 6 ملايين من المسلمين في فرنسا هناك حوالي مليونين من المولودين بفرنسا أغلبهم ممن يسمون بالمصطلح الجزائري "الحركيين" أي أبناء المتعاونين مع فرنسا من الجزائريين خلال الاحتلال الفرنسي للجزائر. أما البقية وهم 4 ملايين فهم مهاجرون جاءوا من بلدان إسلامية وعربية متعددة.
أغلبية جزائرية
وبشكل عام يمثل الجزائريون أغلبية الجالية المسلمة بفرنسا بتعداد يقدر بـ800 ألف نسمة، يليهم المغاربة 600 ألف، ثم التونسيون 500 ألف، والأتراك 200 ألف، ثم يأتي ترتيب الأفارقة جنوب الصحراء واللبنانيين المسلمين.
وبهذا المعنى لا يمثل الفرنسيون المسلمون وحدة قومية ولا لغوية، وهو ما يفسر وجود حوالي 2000 جمعية إسلامية مختلفة الجذور الثقافية والمذهبية والأصول الجغرافية؛ فهذا التعدد برز بشكل لافت أثناء تأسيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية؛ حيث حاول وزير الداخلية تمثيل 1500 مسجد إضافة إلى 6 جمعيات كبرى، هي:
- اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا الذي ينظم سنويا مؤتمره المعروف بالبورجي، وتأسس عام 1982 ويعتبر –أيديولوجيا- مقربا من تيار الإخوان المسلمين، ويتميز بقوة بنائه التنظيمي؛ حيث يبسط سيطرته على 300 جمعية، أبرزها الشبان المسلمين، وذراع طلابية في الجامعة تسمى "الطلبة المسلمون".
- مسجد باريس، ويعتبر تاريخيا من أقدم المؤسسات الإسلامية الممثلة للمسلمين في فرنسا حيث تأسس عام 1926، وارتبط منذ بدايته بالجالية الجزائرية بفرنسا؛ حيث يأتي تمويله من الجزائر، ويشرف عميد المسجد حاليا "دليل أبو بكر" على حوالي 70 مسجدا آخر، ويقدم مسجد باريس أيديولوجيا على أنه ممثل للإسلام العصري المندمج مع الحداثة.
- الفيدرالية الوطنية لمسلمي فرنسا: تمثل أيضا الإسلام العصري، وتتكون أساسا من المهاجرين المغاربة، وتتلقى دعما ماليا من ملك المغرب، وتسيطر على بعض المساجد في ضواحي باريس وشرق فرنسا.
- جماعة الدعوة والتبليغ: بدأ نشاط هذه الجماعة في أوساط المهاجرين الأوائل عام 1968، ولعبت دورا مهما في الاتصال بالجيل الأول من المهاجرين، ويتركز نشاطها حاليا في الدائرة الحادية عشرة من باريس وخاصة في منطقة "بالفيل".
- لجنة تنسيق للمسلمين الأتراك في فرنسا: تعتبر تابعة لإدارة المساجد بوزارة الشؤون الدينية التركية، وتسيطر حاليا على 150 مسجدا، وأيديولوجيا تعتبر من طائفة "الميلي قروش" التركية الصوفية.
- الاتحاد الفرنسي للجمعيات الإسلامية في أفريقيا وجزر القمر وجزر الأنتي: تمثل جالية مهمة عدديا، ولكنها غير منظمة باستثناء بعض الجمعيات التابعة لها فإنها لا تسيطر على مساجد مهمة.
وإضافة إلى هذه الجمعيات الستة الكبرى هناك 5 مساجد ممثلة في المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، وتتمتع بثقل واضح، وهي: مسجد "نانت-لا-جولي"، والمركز الثقافي الإسلامي في إيفري، ومسجد ليون الكبير، ومسجد جنوب فرنسا الكبير (الإصلاح)، ومسجد سان دونيه دو.لا ريونيون الكبير.
"إسلام الحياة الخاصة"
|
|
|
صورة أرشيفية لمسلمي فرنسا خلال لقاء مع جاك شيراك |
وأوضح النجار أن "إسلام الحياة الخاصة أصبح في الأعم بديلا عن الإسلام الشمولي لدى الأقلية المسلمة في فرنسا؛ فالهامش الأكبر لممارسة التدين بالنسبة لهذه الأقلية هو هامش الحياة الخاصة للفرد والأسرة، إلا أن هناك هامشا أقل بروزا للإسلام في الحياة الاجتماعية، ولهذا السبب بالذات طرح تطوير فقه الأقليات كأولوية في الدراسات الإسلامية".
وأضاف: "إذا أردنا الخروج بنتيجة محددة، فإننا نستطيع القول بأن تضخيم الخطر الذي يمثله حضور المسلمين في فرنسا، وبيان أن الأمر أصبح يتعلق بخطر على علمانية الدولة لا يعدو في الحقيقة إلا أن يصب في تيار الإسلامفوبيا (الخوف من الإسلام) الذي اجتاح الرأي العام الغربي بعد أحداث 11 سبتمبر 2001".
مكانة كاملة
وخلافا لرؤية الكاتب الفرنسي ترنسيسان التي اعتبر فيها أن عدد المسلمين بالنسبة للمجتمع الفرنسي لا يشكل تأثيرا فيه، قال "التهامي إبريز" رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا في تصريحات لـ"إسلام أون لاين.نت": "عدد المسلمين في فرنسا يؤهلهم لأن يأخذوا مكانتهم كاملة غير منقوصة في الجمهورية".
وأوضح إبريز أن "المسلمين يمثلون الديانة الثانية بعد المسيحية الكاثوليكية التي يدين بها 43 مليونا؛ أي أنهم يسبقون البروتستانتيين البالغين 800 ألف واليهود (700 ألف) والبوذيين (400 ألف)".
وأضاف أن "ما يزيد من أهمية الفرنسيين المسلمين أنهم يمثلون في أوروبا القوة الديمجرافية الأولى مقارنة بمسلمي ألمانيا البالغ عددهم 3 ملايين نسمة، ومسلمي بريطانيا (مليونان)، ومسلمي أسبانيا (600 ألف)، وهولندا (400 ألف)، وبلجيكيا (200 ألف).
لكن إبريز قال: "إن حضور الفرنسيين المسلمين سياسيا واجتماعيا لا يعكس حجمهم عدديا؛ فهم على هامش الحياة السياسية، وبالتالي لا نتوقع أن يكون لهم تأثير في المدى القريب على القرار السياسي الفرنسي؛ حيث إنهم منقسمون مذهبيا وعرقيا بحيث لا يمكن أن يمثلوا كتلة متجانسة من شأنها مثلا أن تحدد خيارا انتخابيا على سبيل المثال".
وأضاف أن "المسلمين ما زالوا يبحثون عن مكان لهم داخل المؤسسات السياسية والاجتماعية الفرنسية، ولم يتسن لهم تكوين مجلس يمثلهم أمام السلطات الفرنسية إلا هذه العام فقط".
محاولات فاشلة
من ناحيته قال عمار الأصفر -إمام مسجد ليل بشمال فرنسا رئيس جمعية ابن رشد-: "إن محاولة تكوين حزب سياسي يمثل مسلمي فرنسا باءت بالفشل. ولم يفطنوا إلى ضرورة تكوين مؤسسات تعليمية ثانوية خاصة بهم على غرار المدارس الخاصة اليهودية إلا هذه السنة".
وأضاف الأصفر في تصريحات لـ"إسلام أون لاين.نت": "أمامنا عمل كبير وطويل لتحقيق وجود نوعي ينقل الفرنسيين المسلمين من وضعية ذلك المهاجر الأمي الذي يمتهن الأعمال الشاقة وصولا إلى تحقيق وجود كوادر في مؤسسات الدولة الثقافية والسياسية والاجتماعية".


















