مسلمو السويد: العلمانية هي الحل!!
ويرفع الشيخ حسان موسى شعار "العلمانية هي الحل"، ويرى أنه من الخير للمسلمين كأقلية في الغرب أن يتبنوه، مع تغليب جانب المواطنة، وأن الاندماج الواعي في المجتمع الذي يعيشون فيه هو من أهم الأسباب التي تضمن بقاء المسلمين في الغرب.
* فضيلة الشيخ حسان، كيف ترى وضع المسلمين في المجتمع السويدي؟ وما مساحات النور ومساحات الظلام في وضع المسلمين هناك؟.
- لا بد أن نتفق على أن دول الاتحاد الأوربي "ليسوا سواء"؛ هناك الظالم، وهناك المتعسف في استخدام قوانين الهجرة، وهناك من تظهر فيهم العنصرية والميل إلى التشدد في المعاملة مع المسلمين، وهناك دول تتعامل مع الإسلام بتسامح، ومن بين هذه الدول المتسامحة مع المسلمين السويد. ولا يعني هذا أنه ليس هناك عنصرية أو تضييق على الإطلاق، ولكن مقارنة ببعض الدول كألمانيا وفرنسا وإيطاليا أعتقد أن السويد نموذج جيد للتعامل مع الآخر وقبول الأجنبي. ففي السويد ينعم الوجود الإسلامي بأمن وأمان واستقرار، وهناك العديد من المؤسسات الإسلامية، فلدينا أربعة مساجد، أحدها في العاصمة أستكهولم، بالإضافة إلى أكثر من 150 جمعية إسلامية لها نشاطها الخيري الذي يسعى لنشر الإسلام في السويد. وليس لدى السويد مشكلة في بناء المساجد، بل تسعى لتقديم الدعم المادي والمعنوي لبناء المساجد.
كما أن هناك العديد من المدارس الإسلامية التي تموَّل من قبل الدولة؛ حيث يدرَّس فيها المنهج السويدي، بالإضافة إلى تدريس مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية.
كما أن الحكومة السويدية عرضت أن يكون في كل بلد يسكنها مسلمون مكاتب للدفن ومقبرة يدفنون فيها موتاهم على الطريقة الإسلامية.
ومن أهم ما ينعم به الوجود الإسلامي بالسويد قضية الدعم المادي من الدولة؛ حيث تتبع الجمعيات الإسلامية وزارة الثقافة السويدية، وهذا يعني أن السويد لا تتعامل مع الجمعيات من منطلق أمني كما هو موجود في بعض دول أوربا. فالدولة تقدم مساعدات تتراوح من 30 إلى 60% من ميزانية الجمعيات والمؤسسات.
كما أن هناك نشاطًا سياسيًّا للوجود الإسلامي بالسويد، وصل إلى تمثيل لا بأس به للمسلمين بالبرلمان السويدي والبلديات. ولعل الانتخابات القادمة ستشهد تطورًا ملحوظًا في وجود الإسلاميين والإسلاميات في البرلمان والبلديات بالسويد، وهذا الأمر يعود الفضل فيه لله أولا وآخرًا، ثم إلى الجهود التي تبذلها الجمعيات، بالإضافة إلى الميزانيات التي تقدمها الدولة.
* ما علاقة اللوبي اليهودي في السويد بالوجود الإسلامي؟
- أنا أقول: إننا كأقليات -مسلمة أو يهودية أو غيرها- تجمعنا المواطنة وما يتبعها من حقوق، وما يستلزم ذلك من واجبات، وإننا دائما نؤكد أن القانون السويدي إن كان يسمح بالتعاطف مع إسرائيل ومساعدتها، فإنه ليس من حق اللوبي اليهودي أن يضيق علينا أو أن يستغل نفوذه ضدنا لمنع وقوفنا مع إخواننا في فلسطين.
* هل يمكنكم أن ترسموا لنا خريطة الدعوة والدعاة في السويد؟ بمعنى تعريفنا بالمناهج والتيارات الدعوية الموجودة، وأثر ذلك على المسلمين؟.
- نحن نقول دائمًا: إن العمل المؤسسي يخفف من غلواء أي طائفة أو فكر أو جماعة، وإننا لا بد أن نحترم قوانين البلد الذي نعيش فيه في إطار ما يسمَّى بالمواطنة الإيجابية، وأنه لا مكان لتيار الغلو والعنف، الذي يريد أن يحولنا إلى ما يسمى فقه "الاستحلال"؛ فنحن نرفض هذا الفقه، ونرفض أن تتحول السويد إلى دار حرب؛ فنحن نعتقد أن السويد دار دعوة وقد دخلنا السويد بعقد أمان. ولكن مع ذلك فكل ألوان الطيف موجودة، ونحن سعينا إلى إيجاد ما يعرف بـ"الميثاق الإسلامي" الذي نحتكم إليه جميعًا دون تعصب أو تشنج، كما قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}؛ فهذه دعوة للاندماج دون ذوبان، يعتمد الوحي ولا يغيِّب العقل.
* ذكرتم أنكم سعيتم لإيجاد ميثاق إسلامي، فهل هذا الميثاق تم الاتفاق عليه، أم ما يزال تحت الدراسة والإعداد والبحث؟.
- هناك ميثاق قام بإعداده اتحاد المنظمات الإسلامية بأوربا، فأخذنا منه ما يناسبنا، وأضفنا إليه بعض الأشياء، وعملنا عليه خلال سنة، ولكن الصياغة وبقية خطوات الإعداد تأخذ وقتًا، وأعتقد أن الرابطة الإسلامية سوف تلعب دورًا في إنجاز هذا الميثاق.
* ما أبرز المشكلات التي تواجه المسلمين في السويد؟
- أعتقد أن أهم مشكلة تواجه المسلمين في السويد -والغرب عمومًا- هي مشكلة عدم الفهم الصحيح، فإذا أضفنا له الجهل، تكون المسألة أكثر تعقيدًا. فعدم الفهم يعطي صورة خاطئة عن الإسلام، فنحن نعاني من ازدواجية خطاب وازدواجية ممارسة، وازدواجية تصرف، انعكست على صورة الإسلام، وأعطت صورة غير جيدة عن الإسلام عند بعض السويديين.
المسألة الثانية وهي عدم قدرة بعض الأسر المسلمة على الانسجام مع المجتمع السويدي، والوضع الجديد؛ فالحياة في "السويد" تعطي المرأة كثيرًا من الحقوق، فتوفر لها السكن والمعاش، وتساندها في مواقفها بالحق وبالباطل؛ فبعض الأشخاص حين ينفتح على الوضع الجديد تحدث له هزات في الفكر والسلوك، فينعكس هذا في حدوث بعض المشكلات مع الأبناء، وقد يتم سجن بعضهم للانحراف السلوكي، أو حدوث حالات طلاق، تتراوح نسبتها ما بين 35 إلى 37 بالمائة بين المسلمين بالسويد، كذلك بعض التصرفات من بعض المسلمات أعطت صورة غير لائقة للمرأة المحجبة.
* هل من الممكن أن تعطي لنا نماذج من الانحراف السلوكي لبعض المسلمين مما يكون له أثر سيئ على الدعوة؟
- على سبيل المثال: القانون السويدي يعطي المرأة المطلقة راتبًا شهريًّا وسكنًا، فيقوم بعض الأزواج بإثبات الطلاق المدني مع استمرار الزواج لكي تحصل المرأة على هذه المنح!! وقد يُكتشف عدم الانفصال بين الزوجين من خلال رؤية المرأة حاملاً، أو من خلال رصد الشئون الاجتماعية، وحين تُسأل المرأة عن ذلك تقول: الإسلام يحل لي ذلك!! مما أدى إلى تضييق الدولة على المسلمين في هذا، وأخذ فكرة غير طيبة عن الإسلام والمسلمين ككل.
* ما علاقة مسلمي السويد بالمجتمع السويدي؟ وما علاقتهم بمسلمي أوربا بشكل عام؟
- بالنسبة لعلاقة المسلمين بالمجتمع السويدي فهي أنواع:
النوع الأول هو علاقة الذوبان، فتلك الطائفة رأت أن الاندماج هو المسايرة في كل شيء؛ في اللهو والمجون والتمرد على كل فضيلة وعلى كل قيمة، ولا يمكن معرفة إسلام الواحد منهم إلا من خلال الاطلاع على الهوية!!.
وهناك طائفة تحاول أن تجمع بين بعض العادات والتقاليد من هنا ومن هناك؛ فهي تريد أن تجعل لها "رِجلا في الجنة ورِجلا في النار" كما يقال، يعني تساير المجتمع في بعض المخالفات، وتحافظ في الوقت نفسه على بعض قيم الإسلام.
وهناك طائفة للأسف تناصب العداء للإسلام، وأقول -وكلي أسف-: إن هذه الطائفة هي أشد عداوة للإسلام والمسلمين من السويديين أنفسهم، وعلى سبيل المثال كان هناك لقاء مع وزيرة الهجرة السويدية بعد أحداث 11 سبتمبر، فارتدت الوزيرة الحجاب من باب التضامن مع المسلمين، فإذا ببعض المنتسبين للإسلام يعترضون عليها ويقولون: كيف تثبتين هذا التخلف ونحن نحاربه منذ فترة من الزمن؟!! فردت عليهم: إننا فعلنا هذا لنعلن للمسلمين أننا معهم، ولأن المرأة المحجبة قد تكون أكثر عرضة للخطر والتمييز، فأحببنا أن نشاركهم محنتهم.
وهناك طائفة أخيرة ترى الاندماج الإيجابي -أي دون ذوبان- من خلال فهم للإسلام يجمع بين النص والواقع، وهذا هو الفهم الذي يتبناه اتحاد المنظمات والمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، وغيرهما من المنظمات الإسلامية في الغرب.
* ما موقفكم من العلمانية في أوربا بشكل عام، وفي المجتمع السويدي بشكل خاص؟
- العلمانية نتاج فكر وممارسة وصلت إليها أوربا بعد صراع مرير مع الكنيسة، وهي في أيسر تعريفاتها تعني فصل الدين عن الدولة، وأن الكنيسة لا سلطة لها على الدولة، وأن الدولة لا تحكم لا بالإنجيل ولا بالتوراة، وإنما تحكم بمنظومة قانونية في إطار عملية ديمقراطية، وقناعات شعبية وصل إليها المجتمع من خلال الممارسة والحراك الفكري والسياسي. لهذا فإننا -كأقليات مسلمة- ونظرًا لوجود آليات ديمقراطية مع هذه العلمانية؛ لأن العلمانية في السويد ترى أنه على الأغلبية أن تراعي الخصوصية الثقافية للأقليات، كما تتضمن بعض القيم الإيجابية مثل: الحرية الشخصية وحرية التدين، والحرية السياسية. لذا أعتقد أننا كأقلية لسنا بحاجة إلى دولة دينية، بل إلى دولة ديمقراطية يحكمها حزب مسيحي. وإن كنا في دولنا العربية نقول: "الإسلام هو الحل"، بحكم أن الأغلبية للمسلمين، فإننا كأقلية نقول: "العلمانية هي الحل" لو كانت بهذه المفاهيم التي أشرنا إليها، فإننا من خلالها نستطيع أن نؤكد على مبدأ أننا في مجتمع متعدد الأعراف والثقافات والأديان، يحترم فيه الجميع بعضهم: "لكم دينكم ولي دين".
* ما نوعية البرامج الدعوية التي تقومون بها في السويد؟
- نحن نركز في أنشطتنا الدعوية على الشباب؛ لهذا أنشأنا العديد من المؤسسات، مثل "مؤسسة الكشاف المسلم"، و"المؤسسة السويدية"، و"منتدى الشباب المسلم"، ومؤسسة "الهلال"، وهذه المؤسسات تنظم للشباب رحلات ومسابقات ومؤتمرات. كما أن عندنا "اتحاد الشباب المسلم"، و"الاتحاد الوطني"، وهو يمول من قبل الحكومة، ويتكون من أكثر من 27 جمعية شبابية، ويقوم بعقد دورات تربوية، ومؤتمرات سنوية، يشارك فيها مئات من الشباب، بالإضافة إلى "مدارس نهاية الأسبوع" التي تلعب دورا كبيرًا في إعداد النشء من خلال تعليمهم اللغة العربية والقرآن الكريم وبعض القيم الإسلامية، وخاصة في مسجدنا الكبير مسجد الشيخ زايد آل نهيان، بالإضافة إلى المدارس الإسلامية التابعة للرابطة الإسلامية التي تضم أكثر من 4 مدارس، تدرس المنهج السويدي، بالإضافة إلى بعض القيم باللغة العربية وبعض مبادئ التربية الإسلامية.
كما أن هناك عددًا كبيرًا من الأئمة في المجلس الذي أتشرف برئاسته، وهو يضم عددًا من الأئمة، ومعظمهم خريجو جامعة الإمام محمد بن سعود، أقلهم معه شهادة "الماجستير"، يقومون بعملية التوجيه والإرشاد والفتوى، والرد على الاستشارات، وغيرها من الأعمال التي يقوم بها المجلس؛ حيث يمثل هذا المجلس مرجعية كبيرة في كثير من قضايا المسلمين بالسويد. والمجلس رغم حداثة نشأته فإنه استطاع أن تكون له مكانة كبرى لدى الحكومة السويدية والشعب السويدي، وهو أحد المؤسسات التي تعول الرابطة الإسلامية على أن يكون له دور كبير مستقبلا، إن شاء الله.


















