أرسل لصديق ||

المدارس السليمانية.. القرآن والسلطان

"جاءت من الصحراء ولتعد إلى الصحراء"

وضعت هذه العبارة على رقاب مجموعة من الإبل يسوقها رجل في ملابس بدوية رثَّة، سارت في وسط العاصمة إستانبول في عام 1925م، تقف أمام المساجد والمعاهد الدينية وتحمل عليها المصاحف والكتب الدينية، وتسير في النهاية إلى خارج المدينة لتحرق كافة المصاحف والكتب.

ورافق المشهد عمليات إعدام واسعة لعلماء الشريعة وتغيير لكافة مظاهر الحياة بعزلها عن الإسلام والقرآن الكريم، فغيروا حروف الكتابة، بل حتى غيَّروا أذان الصلاة إلى اللغة التركية، هذه هي تركيا في عهد مصطفى كمال أتاتورك، وفي مواجهة هذا المشهد تقف البقية الباقية من العلماء إن عارضوا وقالوا كلمة الحق تعرضوا لعذاب الدنيا، وإن سكتوا تعرضوا لعذاب الآخرة، ويقيض الله لهذه الأمة رجالا يحسنون السير بدعوة الإسلام في حقول الألغام؛ فيظهر رجال الطريقة النقشبندية، ويظهر سعيد النورسي، ويظهر سليمان حلمي صاحب المدارس السليمانية.

سليمان حلمي طونا خان -بمعنى حاكم مدينة طونا- (1888 - 1959م) هو أحد علماء الدولة العثمانية المنتسبين من جهة جده إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كان والده حاكمًا لمدينة طونا في الدولة العثمانية، عاصر هذه الفترة العصيبة في تركيا، وكان مدرسًا في المدارس والجامعات العثمانية الشرعية، وبموجب النظام الجديد فقدَ هو وزملاؤه عملهم ومصدر رزقهم، ولكن بالنسبة له كان الأمر مختلفًا؛ إذ يقول: "التدريس ليس سلة خبز؛ فهو تبليغ كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم للناس".

ويبدأ سليمان حلمي حركته، لا ينتظر الطلاب بل يذهب إليهم، ولكن الخوف طارد طلابه حتى إنه يقول: "لم أجد من أدرس له، وقد جاء يوم تمنيت أن أدفع للطالب راتب نائب في البرلمان كي أدرس له، ولكن لم أجده، كانوا يخافون، وصرت أخاف من زوال العلم من هذه الأمة، فبدأت التدريس لبناتي على أن يعلِّمن أحفادي من بعدي، ثم خلق الله الأسباب، وبدأت أدرس للكهول وبعد ذلك جاء الشباب".

ولم يكن الأمر سهلاً، فقد تعرّض الشيخ وتلامذته للاعتقال والتعذيب، ولكنه في كل مرة كان يخرج من سجنه إلى حلقة درسه.

واجتهد الشيخ في حماية تلامذته؛ فكان لا يجتمع بهم مرتين في مكان واحد، فمرة في مئذنة أحد المساجد القديمة، ومرة في بيوت أحد أتباعه أو في الأدوار السفلى من العمائر، ووصل الأمر إلى أن ألبسهم زي عمال فلاحة واجتمع بهم في إحدى المزارع، وكان لا يزيد في تدريسه عن دراسة القرآن لغةً وتفسيرًا، وسنة الرسول –صلى الله عليه وسلم-، وبذلك يضمن استمرار اتصال الأمة بمنابع دينها الأصيلة.

ولم يقتصر جهد الشيخ عند هذا فقط؛ إذ حرص –رغم الحصار- على صلة تلامذته بقضايا أمة الإسلام، إذا به في وقت اشتداد ثورة الجزائر ضد فرنسا المحتلة لأرضها يجاهر بالدعاء لأمة الجزائر بالنصر والصبر، ويطالب طلبته وأمته بهذا، فيُعتقل ويحقَّق معه، فيجيب رجال التحقيق: "إن أمة الجزائر ساندت تركيا وقت أزمتها في الحرب العالمية الأولى بالمال والسلاح والرجال، فأقل ما نقدمه لها اليوم هو الدعاء".

ويستمر التضييق والمراقبة، ويوضع شرطي على بابه، فبماذا يجازي العالم المسلم الشرطي الذي يراقبه ويضيق عليه؟ يأمر أهل بيته بإخراج طعام وشراب للرجل كل يوم، وغطاء في وقت البرد، ويقول: "هو موظف ينفذ التعليمات"، فإذا بهذا الشرطي يتحول إلى حارس له، ومنذر عند اقتراب الخطر، ثم يصير من أقرب تلامذته، وأكثرهم وفاء لدعوته.

وتحت ضغط الامتداد الإسلامي بين أبناء الأمة التركية تخف القيود، ويسمح للأنشطة الدينية والمعاهد الدينية بالظهور، فلا يتسرع الرجل في خطوه، بل يؤسس معهده الخاص أولاً، ثم يدفع بتلامذته إلى المسابقات الرسمية الدينية فيحصدون المراكز الأولى، ويعلنون عند فوزهم أنهم تلاميذ لحلقة "سليمان حلمي" ومعهده، فيسرى احترام هذا المعهد في نفوس المسئولين الرسميين.

ثم يتقدم خطوة أخرى؛ إذ يدفع بهم للعمل في المؤسسات الدينية الرسمية، فيفوزون بمناصب عدة حتى يفوز أحد تلامذته بمنصب الإفتاء لإحدى المدن وهو ابن 18 عامًا.

ثم يضع الرجل خريطة البلاد أمامه، ويدفع بتلامذته النابهين لإنشاء معاهد دينية على غرار معهده وبنفس منهجه في القرى البعيدة أولاً حتى لا يلفت نظر السلطات أو يستفزها، ثم المدن البعيدة عن العاصمة، وتدريجيًّا أصبح لا توجد قرية أو مدينة إلا بها معهد سليماني قرآني، لا يحتك بالسياسة ولا يصطدم بالسلطة، فقط يربط الأمة بكتاب الله -عز وجل- وسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- علمًا وعملاً وسلوكًا.

ومن ثَم يجيء تقرير المخابرات الأمريكية في التسعينيات عن أكثر التيارات الإسلامية تأثيراً وخطورةً في الشعب التركي:

أولاً: حركة الطريقة النقشبندية بكل فروعها، وهي التي أوجدت التيار السياسي الإسلامي، وهي التي ابتدعت الاهتمام بالإعلام الإسلامي عن طريق إنشاء القنوات التلفزيونية الإسلامية بديلاً عن القنوات الحكومية واليسارية.

ثانيًا: تلامذة سليمان حلمي، وهؤلاء يبتعدون عن السياسة وعن الدعاية والإعلام، ولكنهم ينتشرون في كل مكان؛ إذ جعلوا الأساس في الانتشار في القرى أولاً، ثم المراكز، ثم المدن، وقد وجهوا عنايتهم إلى تحفيظ القرآن الكريم ونشر اللغة العربية لكي يسهل على الأتراك الاتصال المباشر بالمنبع، ثم نشر العلوم الإسلامية بالتالي، والمواطن التركي يؤمن برسالة هذه الجماعة ويؤيدهم بشدة لهذه الأسباب.

ألا تدفعنا هذه التجربة السليمانية إلى إعادة النظر في أساليب وممارسات الدعوة في حياتنا.


محرر صفحة الاستشارات الدعوية