الجنس في خطاب الدعاة
"طبيب الحي" يتجاهل أمراضه!
ورغم ذلك فقد أفاض الدعاة والعلماء القدامى في الحديث عن الجنس ومشكلاته وخصائصه، وأوضاعه وهيئاته، بشكل لافت للنظر، قاصدين تحصين المجتمع ضد الآفات التي قد يسببها، وتربية المسلمين وأجيالهم تربية جنسية سليمة، خالية من الانحرافات والأسقام، مستمدين ذلك من منهج القرآن والسنة الواضحين والشفافين، في التعاطي مع هذه المسائل.
أما اليوم فقد اختلفت الصورة، فقد أصبح الجنس مشكلة فعلية، تؤرق المجتمعات المسلمة، بسبب انتشار الفساد وتفشى الرذيلة، والتي تحولت إلى ثقافة، ووجهة نظر، يجب أن تحترم حسب قوانين (الحضارة المعاصرة)!! واستخدمت وسائط الاتصال الحديثة كأدوات لهدم المجتمعات الإسلامية من خلال ما تبثه ليل نهار من مواد ومضامين لا هم لها سوى إثارة الشهوات وتهييج الغرائز.
وتحول الجنس لمشكلة كذلك بسبب الغزو الفكري والحضاري الذي تعرض له العالم الإسلامي، وانتشار المفاهيم المغلوطة عن الجنس نتيجة الترجمات الحرفية لكتب التربية وعلم النفس من الغرب، دون مراعاة خصوصية الشعوب الإسلامية، بالإضافة إلى العقبات التي توضع أمام الزواج المبكر، والفراغ الفكري والعقلي والعاطفي الذي يعانيه الشباب، وتوفر كل أسباب الانحراف لدى الشباب، وعجز منتديات الشباب عن أداء دورها.
وقوبل هذا كله بارتباك من قبل المسلمين، حول طريقة التصدي لهذا الوافد الجديد (السعار الجنسي)، الذي دخل كل بيت مسلم، وقوبل أيضا بزيادة التكتم والتعتيم على كل ما يتعلق بالمفردات والثقافة الجنسية من قبل المربين والدعاة وأولياء الأمور، خوفا وخجلا وحيرة.
وأمام هذا كله يقف (طبيب الحي) الداعية المسلم كذلك حائرا، لا يقوم بواجبه في تربية أجيال المسلمين تربية جنسية سليمة صحيحة، بل ترك الأمر للفاسدين والمفسدين ليقوموا بهذا الواجب نيابة عنه، وخلت هذه الساحة من جهد المخلصين المربين من أبناء الأمة، وصمتت ألسنتهم الفصيحة المفوهة، وجفت أقلامهم من مدادها التي كانت تقطر علما ومعرفة، ودموعا تذرف حرصا وخوفا على أجيال المسلمين، المحاطة بالأخطار من كل جانب.
اعتراف!
يعترف الشيخ وائل الزرد إمام المسجد العمري الكبير بغزة، أحد الدعاة المعروفين، بتقصير الدعاة الكبير في مجال التربية الجنسية، وأرجع ذلك لـ3 أسباب، هي: الخجل والخوف من إساءة الظن فيه، والحيرة من كيفية الدخول لهذا الموضوع.
إلا أنه يؤكد أن هذا "امتناع في غير محله" مضيفا: "إذا لم يعرف أولادنا الحلال منا سيعرفون الحرام من غيرنا".
ويضيف: "إذا لم نبصّر أبناء المساجد بمسائل الجنس وتفاصيله، سيعرفونها من غيرنا، فهذه فطرة لا نستطيع إغفالها، فإذا لم نهذبها ونضبطها، فسيتفلت الكثير من أبنائنا كالذين تفلتوا من قبلهم".
أما الشيخ صبحي اليازجي، مدير رابطة علماء فلسطين بقطاع غزة، فيوضح أن مسألة التربية الجنسية غابت من قاموس الدعاة المعاصرين، وقال إن هذا الغياب من الدعاة دفع الكثير من الشباب إلى اللجوء إلى المجلات الخليعة المليئة بالعهر والفساد، وإلى الفضائيات والكتب الفاسدة ومواقع الإنترنت، بحثا عن هذه المعرفة.
ويفسر اليازجي إعراض العلماء المحدثين عن الخوض في هذه القضايا، بسبب اعتمادهم على الكتب التي أُلفت حول هذا الموضوع قديما.
إلا إنه يستغرب استمرار العلماء في إعراضهم، رغم المستجدات الموجودة في عصرنا كالمجلات والفضائيات ومواقع الإنترنت، والتي دخلت بيوت المسلمين كافة.
وقال: "ماذا يفعل أولئك العلماء؟ عليهم أن يطرقوا هذا الباب، فالخطر قد داهم كل بيت، والواجب عليهم وهم أهل المنطقة معالجة ما يستجد على بلادهم من موضوعات جديدة، ومن ضمنها ما يتعلق بالصحة الجنسية والإنجابية".
واجب وضرورة
وفي حين يشترك د. محمود أبو دف أستاذ أصول التربية المشارك في الجامعة الإسلامية بغزة (صاحب رسالة ماجستير حول التربية الجنسية في الإسلام) مع سابقيه في الإشارة إلى تقصير الدعاة المعاصرين في هذا الجانب، فإنه يؤكد أن الداعية المسلم ملزم بالخوض في قضايا التربية الجنسية؛ لأن ذلك يندرج ضمن واجباته التربوية تجاه المجتمع.
وقال: "الدعاة يمكن أن يقدموا نمطا من الخبرة التي تقي الشباب من الزلل والانحراف، وقد كان الأنبياء جميعا يمارسون الدعوة إلى الله وكانت لهم توجيهات عديدة فيما يخص تعديل السلوك الغريزي المرتبط بالثقافة الجنسية، كسيدنا لوط عليه السلام".
تقصير وتخبط
أما د. فريد أبو ضهير أستاذ الصحافة بجامعة النجاح بنابلس فيتفق مع سابقيه في لوم الدعاة على تقصيرهم في مسألة التربية الجنسية.
وقال أبو ضهير: "هناك تقصير واضح من قبل الدعاة في مسألة التربية الجنسية، وهذا الأمر ترك المجال واسعا، والأرض خصبة للمفسدين لولوج مجال التربية الجنسية من بوابة الإباحية والإفساد".
وأكمل "نحن بصراحة نتخوف تماما، ونرفض بشكل قاطع أيَّ توجيه للشباب بعيدا عن الدين، وبمعزل عن القيم الأصيلة التي ربانا عليها الإسلام، ورسخها قرآننا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم".
ويؤكد أستاذ الصحافة أن الدعاة الحريصين على الإسلام قادرون على حل مشكلات المراهقين والعلاقات الزوجية، شريطة فهم الإسلام في ضوء العصر ومستجداته، فإننا نحتاج إلى دعاة واعين ومدركين لحقيقة الإسلام وطبيعة العصر وكيفية مواجهة المستجدات.
السلف أكثر وعيا
|
أكثر الكتب تداولا في المجال |
كما أن القرآن الكريم تحدث في هذه المسائل، في كثير من الآيات، كقوله تعالى: "يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض"، وقوله تعالى: "نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم".. كما أن خصائص الحياة الجنسية للنبي عليه الصلاة والسلام مبسوطة في السنة النبوية المطهرة.
ويوضح الشيخ صبحي اليازجي أن العلماء القدامى طرقوا هذه الموضوعات منذ سنوات طويلة بمنتهى الجرأة، فمثلا تحدث الإمام السيوطي رحمه الله في كتب كثيرة عن موضوعات الجنس، ككتابه (نوادر الأيك) وكتاب (الوشاح في فن النكاح)، بالإضافة إلى الأبواب المنفردة الموجودة في بقية كتبهم، وتتحدث عن قضية الزواج والنكاح وطرق النكاح وأوضاع الجماع، ووسائل المعاشرة الزوجية.
وأشار إلى أن الإمام أبا حامد الغزالي قد تحدث في كتابه (آداب المعاشرة) عن العلاقة الزوجية، وتحدث عن أوقات الجماع وأفضلها، وعن هيئاته.
ويؤكد اليازجي أن الدين الإسلامي لا يمنع على الإطلاق التحدث في هذا الموضوع؛ لأنه أمر مهم جدّا في حياة البشر، بل هو" كتاب وباب من كتب العلم، كأبواب الصلاة وأبواب الزكاة وأبواب الحج.. ولا حياء في ذلك".
محاذير!
ومع التأكيد على أهمية حديث الداعية المسلم في قضايا التربية الجنسية، يجب أن نعترف أن الخوض في هذه المسائل ليس أمرا هينا، وينبغي أن يحذر الداعية لدى الخوض في هذه المسائل حتى لا يفسد أكثر مما يصلح، أو أن يضع نفسه في موضع الشبهة، ويجعله صيدا سهلا للمتربصين به من الحاقدين على الإسلام ورجاله.
يقول الداعية وائل الزرد، إمام المسجد العمري بغزة: "أرى ضرورة احتياط الداعية عند الخوض في هذه القضايا، كما أنه لا يجدر بكل داعية أن يطرح هذه الموضوعات، ويجب الدخول إليها حسب الفئة التي يخاطبها الداعية، وكذلك حسب مستوى علم وثقافة تلك الفئة".
وأردف يقول: "يجب بناء جدار كبير من الثقة بين المتحدث وبين المستمعين، ولذلك لا ننصح المبتدئين في الدعوة في الحديث مباشرة في الجنس بين الناس، لأنهم سيُلفَظون وسيُساء الظن بهم قطعا، وربما يتحدث الناس في أعراضهم. إننا ننصح إخواننا الدعاة الذين أصبح لديهم رصيد كبير لدى الناس أن يتحدثوا في هذا المجال".
الصراحة راحة
ويطالب د. فريد أبو ضهير بالصراحة المطلقة من قبَل الدعاة في مواجهة مشكلات المجتمع الجنسية، داعيا الداعية المسلم للتنبه إلى عدد من الأمور والمحاذير عند معالجته لقضايا التربية الجنسية، وأهمها الجهل لأهمية هذه الأمور بالنسبة للشباب من ناحية، وبالنسبة للمجتمع من ناحية أخرى، وإدراك طبيعة هذه المشكلات وأبعادها وجوانبها المختلفة.
وقال: "الصراحة المطلقة مطلوبة، حتى لا نكون كمن يدفن رأسه في الرمال، ويهرب من الواقع، ومطلوب من الداعية سعة الاطلاع على ثقافات المجتمعات الأخرى وكيفية معالجتها لهذه المشكلات، فالحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق الناس بها".
وأكمل قائلا: "يجب أن نجعل المجتمع يدرك تماما، وبخاصة الشباب، أن الإسلام دين عصري يواكب تطور الحياة وحاجات الإنسان، ولا يعزل نفسه عن الناس وهمومهم وقضاياهم، ولا ينطوي دعاته على أنفسهم، أو يلجئون إلى تاريخهم المجيد هربا من واقعهم المرير".
الاقتراب الحذر
ومن المحاذير التي يجب أن ينتبه لها الداعية - كما يوضح د. محمود أبو دف - أن يخوض في قضايا التربية الجنسية قبل أن يتزود بالخبرة في الأمراض الاجتماعية الفتاكة التي تصيب المجتمع، بالإضافة إلى العلوم الشرعية.
وقال: "إنه يحتاج إلى نوع من الثقافة الصحية حتى يتعرف على الأضرار الصحية الناتجة عن الممارسات اللاأخلاقية وحالة الانفلات الجنسي".
وأردف يقول: "لا بد للداعية أن يكون خبيرا في قضايا مجتمعه وثقافته، وأن يكون مدركا تماما لطبيعة العصر والتقدم التكنولوجي الحاصل فيه، ومنتبها لوجود الفضائيات والإنترنت، ووسائط الإعلام المؤثرة على فئة المراهقين والشباب".
وأضاف: "يجب أن يكون الداعية ابن عصره، وأن يكون مستعدا دائما لأن يقرأ أو ينمي معلوماته، ويحتاج إلى أن يدرك خطورة المراحل العمرية للإنسان، فمثلا فئة المراهقين أكثر مَن تتعرض لهذه المخاطر، ويجب أن يكون على صلة بالخصائص النفسية والعاطفية لمرحلة البلوغ والشباب حتى يستطيع أن يتعامل معهم بطريقة إيجابية".
ومن المحاذير كذلك - كما يقول د. أبو دف - أن يناقش الداعية هذه الموضوعات بدون رصيد علمي كافٍ، وكذلك الجنوح إلى التعنت وعدم فهم حقيقة هذه الغريزة، والوعي بخطورتها، وبالتالي محاولة قفل باب الحديث فيها، فهذا يؤدي لنتائج عكسية.
ويضيف: "نحذر من التساهل فيما يخص الأحكام الفقهية المرتبطة بهذه القضايا، لأن التربية الجنسية لا تقتصر على مجرد قصة التقاء الرجل بالمرأة، وتفريغ هذه الطاقة الجنسية وإنما لها أبعاد أخرى، فيما يخص حدود النظر إلى العورات والخلوة والاختلاط، فيجب أن يكون على علم وإحاطة بها حتى يستطيع أن يتحدث بطريقة إيجابية. وكذلك من المحاذير عدم استخدام لغة واضحة تفهم بأكثر من معنى فيفهم عنه معنى لم يكن يقصده".
كيف نحدد المدخل؟
تعد عملية اختيار المدخل الذي سيستخدمه الداعية لطرح قضايا التربية الجنسية من الإشكاليات التي يبرر بها بعض الدعاة إحجامهم عن التحدث في هذه القضايا، ورغم أن هذا مبرر لا يقبله العلماء والمربون المتطلعون إلى قيام الدعاة بدورهم في هذه المسائل، فإن قضية اختيار المدخل تعتبر فعلا أمرا ليس سهلا.
ويرى الشيخ صبحي اليازجي أن الداعية عليه أن يتحدث عن القواعد والأسس، ولا يدخل في التفصيلات، فيمكن أن يلجأ إلى قضية "العفة"، كما تحدث القرآن الكريم في قضية يوسف عليه السلام، موضحا أن القرآن تحدث عن الفاحشة، لكنه لم يصوّر تفاصيلها.
وقال: "على الدعاة أن يطرقوا هذا الموضوع في البداية من الجانب الفقهي، وبما يتوافق مع السن والمرحلة، فالحديث إلى طلاب المرحلة الابتدائية يختلف عن الحديث لطلاب المرحلة الإعدادية أو الجامعية، كل حسب ثقافته وحسب ما يناسبه".
وأكمل الداعية اليازجي: "يمكن البدء في تعليم النشء التفريق في المضاجع وآداب الاستئذان ولباس المسلمة.. إلخ، وتعليم الفتاة بالتدريج مسائل الحيض، وكيف تستقبل هذا الأمر الطبيعي.
وفي مرحلة المراهقة هناك موضوعات تتعلق بالاستحلام والاغتسال من الجنابة، ثم تهيؤ الشاب لكي يصبح زوجا، وكيفية اختيار الزوجة وما يتعلق بالخطبة، وكيف يتعامل مع الطرف الآخر".
وأشار إلى أن الداعية يمكن أن يرجع لكتب الفقه الإسلامي، وكذلك الكتب التي تتحدث عن الصحة العامة، والتركيب الفسيولوجي للرجل والمرأة، وقراءة الكتب التربوية والنفسية.
وقال: "لا بد للداعية أن يكون مطلعا في قضايا التربية وعلم النفس والاجتماع، حتى يستطيع أن يعالج هذه القضية من الناحية الروحية، وكذلك يدرس أساليب التربية، ويقرأ المجلات العلمية والطبية في هذه الأمور".


















