الإسلاميون والديمقراطية.. عوائق وتحديات
تحديات دمج الإسلاميين في العملية الديمقراطية
سيظل هناك جانب كبير من المسئولية ملقى على عاتق الإسلاميين حتى يمكن دمجهم في عملية التطور الديمقراطي -لا يتعلق كما يرى البعض- بالتفتيش في نياتهم إذا كانوا مؤمنين حقا بالديمقراطية أم لا، فهذا التخوف يمكن سحبه على كل القوى السياسية في مصر من اليسار إلى اليمين، إنما يجب أن يتركز على مسألة الممارسة المدنية للتيار الإسلامي، وفي التمسك بالقواعد القانونية والدستورية، كإطار حاكم للعمل السياسي، وليس أي تفسيرات دينية خاصة تضع أي تيار سياسي في حيز متفوق على التيارات الأخرى لأنه مثلا تيار إسلامي.
أزمة التفوق والاستعلاء
وسنجد أن كثيرا من قيادات وأعضاء التيارات الإسلامية السلمية يتصور أن من يختلف معه يعني بدرجة أو بأخرى الاختلاف مع الإسلام، وأنه ينظر بدرجة كبيرة من الريبة والتعالي إلى التيارات السياسية التي تنقده باعتبارها تنقد الأمناء على الإسلام وحراسه الأوفياء.
والحقيقة أن أزمة التفوق والاستعلاء على التيارات الأخرى نتيجة لنظرة التيار الإسلامي لنفسه باعتباره حارسا لقيم الإسلام جعلته في كثير من الأحيان لا يعي أن هذه القيم هي مسألة تدخل في صميم الاختيار الشخصي للأفراد، وأن الانتقال إلى الاختيار العام يجب ألا يتمتع بأي حصانة خاصة أو استثنائية، إنما هو يخضع لدوافع دنيوية محضة يتوقف نجاحه فيها على قدرته على التنمية الاقتصادية والسياسية بصرف النظر عن مرجعيته ومنطلقاته الفكرية الإسلامية، أما ما يحققه من نجاحات أو إخفاقات مادية فهو الذي سيحاسب عليه دون أي حصانة دينية أو سياسية.
الإنجاز وليس الشعار
ولعل النجاحات التي حققتها تجارب بعض التيارات ذات الأصول الإسلامية كما في تركيا مثلا، ترجع إلى هذا الفصل التام بين الحيز الديني والسياسي، بحيث أصبح معيار نجاح الإسلاميين هو إنجازاتهم الاقتصادية والسياسية وليس شعاراتهم المقدسة والدينية، حتى لو كان خصومهم علمانيين وغير مؤمنين، فقد تحالفوا معهم في بعض الأحيان وصار الحكم عليهم هو الإنجاز وليس الشعار.
وعليه فإن تمسك التيار الإسلامي بمرجعية دينية لا يثير في حد ذاته أي تحفظ إنما يجب أن يعي أن برنامجه الذي يقدم للناخبين هو برنامج مدني من الوارد نقده ورفضه، وفي حال خسارته الانتخابات من الوارد تغييره أو التراجع عنه، فيجب ألا يحتمي بأي قدسية خاصة.
وهكذا سيصبح من المهم البحث عن صيغة جديدة للتعامل مع التيار الإسلامي السلمي تبدأ بالتوافق على وضع قواعد قانونية ومدنية منظمة للعمل السياسي وضابطة لعملية التحول الديمقراطي.
والحقيقة أن الإصلاح الديمقراطي لن يخترع الإسلاميين ولن يعطيهم قوة خاصة، فهم موجودون في مصر منذ أكثر من ثلاثة أرباع قرن، وقد جربت الحلول الاستئصالية والاستبعادية ولكنها فشِلت، وأصبح من المهم امتلاك نظرة ديناميكية للخريطة السياسية، لا تنظر لها بشكل ساكن ولا تتوقف فيها أحلام النخبة السياسية عند أخمص القدمين، بل لا بد من امتلاك قدر أكبر من الخيال والرهان على أن الديمقراطية هي PROCESS وليست قرارا أمريكيا أو حكوميا بتشكيل لجنة هنا أو تغيير وزارة هناك، وأن عملية دمج الإسلاميين تعكس جانبا من عملية تحول شاملة نحو الإصلاح.
ليسوا سواء
فمن المؤكد أن التيارات الإسلامية ليست تيارات واحدة، فتنظيم الجهاد أو بقاياه ليس هو الإخوان المسلمين، وحركة طالبان الأفغانية وشبكة القاعدة ليستا مشروع حزب الوسط في مصر، ولا حزب العدالة والتنمية في تركيا، وأن السياق السياسي والاجتماعي المحيط بها هو القادر على أن يفرز تيارا إسلاميا ديمقراطيا كما حدث في تركيا، أو تيارا إسلاميا ظلاميا كما حدث في أفغانستان أو شموليا كما حدث في السودان.
وتبقى أهمية الاقتراب من الظاهرة الإسلامية على ضوء التفاعلات الاجتماعية والسياسية المحيطة بها، فالمفارقة التركية أوضحت أن جانبا كبيرا من القوى التي يفترض أنها علمانية أصبحت هي الأقل ديمقراطية والأكثر تحفظا تجاه الانضمام إلى الاتحاد الأوربي، وهي التي حاربت في مراحل سابقة من أجل إبراز الوجه الأوربي لتركيا، كما أن القوى التي انطلقت من منطلقات إسلامية صارت حاليا هي الأكثر حرصا على الإصلاحات الديمقراطية والأكثر تحمسا إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوربي والتمسك بالمعايير الأوربية واحترام حقوق الإنسان، وأصبحت البيئة الديمقراطية في تركيا، ولو أنها غير مكتملة تماما، عاملا حاسما نحو تحول الإسلاميين إلى تيار ديمقراطي محافظ ـ كما يقولون عن أنفسهم ـ وظفت فيه الطاقات الاجتماعية والسياسية لهذا التيار لمصلحة التقدم والديمقراطية، وبقي الآخرون جامدين خلف شعارات علمانية تخفي ميولا شمولية واضحة.
تابع في هذا الملف:
-
عوائق الدمج الديمقراطي عند الإسلاميين


















