الجنس في خطاب الدعاة
دعاة الغرب في واد والشباب في واد!
فللإنسان أسس وقواعد للاستفادة من هذه الغريزة الفطرية في نظر الشرع والعرف، وله من الحقوق الجنسية التي لا يحق بأي حال من الأحوال منعه منها ما دامت مكفولة في دينه وهو يراعي هذه القواعد والضوابط، ولا ندع مجالا للعادات التي ننقلها معنا فتكون عائقا أمام تحقيق المصالح، ولا تتناسب مع حاضرنا لتحكمنا إلى ما لا نهاية. ولا يعني هذا أن نسوي الإنسان بالحيوان، ونقفز عن مقومات ديننا وأخلاقنا تحت شعار مسايرة الركب أو القبول بالأمر الواقع.
والعملية الجنسية سياق متكامل بين ما جاء في الدين وأكده الطب وحقق مصالح المجتمع، وحفظ الوجود البشري والسنن الطبيعية. والمسئولية موكلة إلى الأسرة والمدرسة والمجتمع والدعاة والاختصاصيين النفسيين وعلماء الاجتماع ووسائل الإعلام في وقت واحد. وإذا فقدنا التكاملية في هذه العناصر -كما في الحالة التي يعيشها شبابنا المسلم في الغرب- فيستوجب الأمر مزيدا من البحث في الواقع الجديد المعيش، وكيفية تحقيق التوازن فيه؛ حتى لا تزيد الأمور انحدارا وتصعب المعالجة بعد ذلك.
ولفهم الواقع الذي يواجهه الشباب المسلم في الغرب، ولمعرفة الهوة الشاسعة بين الواقع والطموح، وبين الكائن وما يجب أن يكون، وبين حقيقة ما يعيشه الشباب وما يطرح عليهم من حلول.. كان لنا التحقيق التالي..
فوق الأبراج العاجية!
الشاب إدريس بوحدود -22 عاما، ذو الأصول المغربية، والمولود في هولندا- يشرح بألم صعوبة الحصول على شريكة الحياة؛ باعتبار أن أبويه يتشبثان بأن يتزوج من البلد الأم (المغرب)، وهو يرفض ذلك لاعتبار أنه ما زال طالبا، ويعجز عن جلب مغربية لصعوبة القوانين التي تشترط على من يجلب امرأة من الخارج أن تكون متحدثة بالهولندية، وأن يكون له دخل يستطيع أن يعيلها.
ويضيف قائلا: إنه من رواد المسجد، وقد حاول أكثر من مرة أن يفاتح الإمام حول مساعدته في إيجاد مخرج يحصن به نفسه، ولكنه يجد في الغالب حرجا في الحديث مع الإمام حول هذا الموضوع لشعوره بوجود مسافات بينهما.
أما سراج الدين أتوان -23 عاما، السورنامي الأصل الهولندي الجنسية- فيرى أنه لا توجد مؤسسات إسلامية حقيقية يمكن أن تساعد على الزواج، والهوة الثقافية كبيرة بين المسلمين من جنسيات مختلفة. فالمغربي لا يريد أن يزوج ابنته إلا من مغربي، والتركي من تركي، والسورنامي من سورنامي... إلخ. والجالية المسلمة منتشرة في المجتمع الهولندي، ويصعب أن نعتمد المعايير التي نستعملها في عالمنا الإسلامي من البحث عن ذات الدين والنسب.
ويضيف قائلا: لم أفكر يوما أن أذهب إلى داعية ليساعدني في أمر الزواج؛ لأني أعرف من البداية أنه لا علاقة لهم بالواقع، ولا يمكنهم أن يحلوا مشكلات الناس، ومهمتهم الخطابة في المساجد والصلاة بالناس لا أكثر، حسب اعتقادي.
أما هبة الصدري -29 عاما، العراقية الشيعية المقيمة بهولندا، فتقول: إن حديث المرأة في قضايا الجنس والزواج ليس بالأمر السهل الدخول فيه، ولا من السهل تداوله في ثقافتنا، ولا من السهل وجود حل للمشكلات المتعلقة به. ولكن مع ذلك أقول: إنه تقدم لي هولندي غير مسلم، ولكن عقيدتي أبت القبول، كما تقدم لي ثلاثة آخرون من المسلمين، ولكني كنت أرفض لاعتبارات الالتزام، وأحيانا الثقافة المختلفة والمتباعدة. أبي يرفض أن أرتبط إلا بمسلم عراقي شيعي، ويحبذ أن يكون من أبناء عمومتي، ولكن ماذا أقول وهم يعيشون في العراق، ولا أدري إلى متى سيظل الرفض والتشبث والعمر يمر؟!
وتتابع قائلة: في اعتقادي أن زواج المتعة الذي لا يعترف به إخواننا السنة هو من الحلول التي قد نلجأ إليها في حالة الضرورة، وإن كنت لا أقبله لنفسي، وقد طرح مثله الشيخ الزنداني من خلال "زواج فرنـد".
أين دور المساجد ؟
ومحاولة لفهم ما يمكن أن يقدمه الدعاة في الغرب للشباب المسلم الذي تواجهه ثقافة الإباحية والانحلال توجهنا للدكتور "مرزوق أولاد عبد الله" الأستاذ بجامعة أوربا الإسلامية، الذي قال: "إن المساجد لا يرتقي دورها إلى الخطاب المرجو لروادها، بل إن أغلب الأئمة من الجيل الأول لا يدركون الواقع الذي هم فيه حتى يستطيعوا أن يوجهوا الآخرين ويقدموا لهم البدائل، ثم لا يملكون الآلية التي يستطيعون أن يتواصلوا بها مع الشباب، وخاصة من الأجيال الجديدة التي ولدت في الغرب".
ويضيف الدكتور مرزوق قائلا: "الهوة شاسعة وكبيرة بين الشباب المسلم والخطاب المقدم، خاصة فيما يقدم إليهم من حلول في القضايا الاجتماعية التي تلامس واقعهم وتؤرقهم؛ إذ يجدون بونا شاسعا بين المطروح والمأمول، عبر فتاوى تصلهم من وراء البحار، غير عابئة بفقه الواقع، ثم إن الإمام الذي من المفروض أن يكون أكثر ملامسة للواقع يعيش بين الكتب الصفراء، ويعتمد منهج الأحوطيات دائما، غير عابئ بحماية المبادئ العامة التي قام من أجلها الدين؛ فتبدو الأصول فروعا، والفروع أصولا".
الفهم القاصر للآباء
ولا يبرئ الدكتور مرزوق الآباء، حيث يقول: "نأتي إلى دور الآباء الذين رمتهم لقمة العيش إلى هذه البلدان الأوربية، وغالبيتهم من الأميين؛ فهم يحاولون حماية أنفسهم وأبنائهم من الانفجار الجنسي والانحراف بإلزامهم البيوت، وخاصة مع البنات مخافة جلب العار، كما يسلكون سياسة تجهيل الشابات تحت مظلة عدم القدرة على ضبطهن في هذه المجتمعات الغربية، ونسي هؤلاء أو تناسوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يبحث عمن يعلم زوجاته القراءة والكتابة في وقت كانت الأمية مستشرية؛ فما بالك اليوم ونحن نعيش وأبناؤنا في الغرب وفي مجتمعات تصل نسبة الأمية في بعض دولها إلى صفر%؟ والنتيجة ضياع الأبناء بين السجون والمخدرات وارتكاب الفواحش، وحسرة الآباء لما أصابهم نتيجة التربية الخاطئة؛ مما يزيد عملية اكتشاف التباعد بين الواقع وما يقدم من أساليب للمعالجة".
وفي محاولة لوصف علاج لهذا الأمر يقول الدكتور مرزوق: "الشباب في أوربا هو نتاج لهذا الواقع الغربي الذي يعيشون فيه؛ لذلك على المسئولين وصناع الفكر والفتوى في الديار الغربية أن يبحثوا بعمق في مشكلة الشباب وتيسير أمر الزواج لديهم، ويكلموهم بألسنتهم، ويعوا خلفياتهم.
ثم إن الشباب المسلم في الغرب ومن خلال معايشتنا له متعطش لمعرفة دينه، وسوق التأليف فقيرة، والترجمة الموجودة الآن غير منظمة وغير مدروسة، وبعيدة عن واقع الشباب الذي يعيش في الغرب، وكثيرا ما تعالج قضايا بعيدة عن واقعه، أو هي غير مستجيبة لمتطلباته".
هل من حلول عملية؟
ويضيف الدكتور مرزوق: "بدلاً من أن نتكلم عن "زواج فريند" أو "زواج المسيار" لحل الظواهر الجنسية التي تعترض الشاب في الغرب لا بد أن نحافظ على الزواج كزواج، ونراعي فيه الواقع المعيش حتى نخفف من الصعوبات التي تعترضه؛ كأن لا نركز على المهور وقيمتها، وندعم فكرة الشراكة والتكامل في البيت بين الرجل والمرأة.
أما إذا تحدثنا عن "زواج فريند" بمعزل عن الواقع الذي يعيشه الشباب في الغرب؛ فإننا نظهر وكأننا نقر واقعا موجودا؛ فالذي يعيش مع صديقة قد يجد من فكرة زواج فريند مبررا يضفيه لمواصلة تصرفاته وأعماله الخاطئة، وهذا ما يلاحظ منذ خروج فكرة "زواج فرند". وإني لأرى بهذه المناسبة ضرورة انكباب علماء المسلمين الذين يفقهون الواقع الغربي والاختصاصيين النفسيين وعلماء الاجتماع لتقييم المبادرات الفقهية التي تطرح هنا وهناك، ومحاولة إيجاد الحلول الأجدى لمثل هذه القضايا، وعدم ترك الفرصة للفتاوى المعزولة أو المبنية على انطباعات خارجية قد تكون غير مؤسسة، وتكون مضارها أكثر من منافعها".
الجنس مسألة لا غنى عنها
الدكتور محمد على التميمي -أستاذ علم النفس، وصاحب عيادة للطب النفسي في مدينة لاهاي في هولندا، ويعمل أساسا في المعالجة النفسية بين أفراد الجالية الإسلامية، معتمدا على البعد الثقافي والديني لهذه الجالية؛ وهو ما يعتقد أنه ينقص الأطباء الهولنديين- يقول: المتتبع لأحكام الشريعة الإسلامية وقيمها ومبادئها التي تحدثت عن الجنس، والحقوق الجنسية يجد ثقافة جنسية طاهرة وخالية من عقدة الجنس التي تتحكم في بعض المجتمعات والأعراف والتقاليد، كما هي خالية من التلوث والسقوط في مهاوي الحرام. وهذا الاهتمام الواسع بأحكام الجنس يدل دلالة واضحة على أهمية الجنس في حياة الإنسان، ويدل على النظرة العلمية والموضوعية التي تعامل بها الإسلام مع المسألة الجنسية وحل مشكلاتها".
ويتابع الدكتور التميمي قائلا: "عندما يبلغ الشاب لا يكون الدافع الجنسي عنده متعلقا برغبة أو اتجاه نفسي، وإنما يتعلق بأساس بيولوجي، ولذلك يكون الزواج المبكر هو الحل الأمثل لامتصاص هذه الحالة، وهو ما دأبت عليه ثقافتنا في معالجة مثل هذه الحاجات، ثم إن محاولة تفريغ هذه الشحنة أمر طبيعي لسلامة البدن، وعلينا كآباء ومختصين ودعاة أن نتعاون في مساعدة الشباب على النمو السليم والسير في الحياة الطبيعية، وبما لا يخالف الشريعة والدين، وإذا اكتفينا بالطلب من الشاب أن يصوم يومه ويغض بصره فقط دون أن نعرف مدى القدرة والتعبئة الدينية التي يتحلى بها شبابنا في الغرب، ثم دون أن نتعمق في الحلول العملية، نكون بذلك كمن يغمس رأسه في التراب ويتغافل عن المشكلة الحقيقية، وكيف إذا كان الأمر متعلقا بالشباب المسلم في الغرب الذي يعيش في مجتمع إباحي يصعب فيه الوقوف عند الموعظة وحدها؛ لأن الحاجة بيولوجية، ودورنا أن نبحث عن حلول واقعية، ولا نجعل من الشاب فريسة سهلة الاصطياد، خاصة أن عوامل تحصينه قليلة، والإغراءات متنوعة، وأنا أرى من وجهة نظري -والكلام للدكتور التميمي- حلولا لذلك:
1- متابعة الوالدين لأبنائهم ومصاحبتهم ومساعدتهم على اختيار أصدقائهم، وعدم مصادمتهم لأتفه الأسباب، خاصة أن الغرب يفتح أبوابه لاستقطاب الشباب والأطفال الذين يشتكون معاملة آبائهم.
والشيء الآخر أنه يجب على الوالدين ترشيد أبنائهم وإعادة صياغة ما يتلقاه الشاب في المدارس وفق ما يتماشى والخلفية الدينية لهذا الشاب، مبينين أن العملية الجنسية تتم بين البالغين وضمن إطار الشرعية، وهذه الشرعية يتم اكتسابها من خلال الزواج الذي يستطيعون معه ممارسة الجنس الحلال والاستمتاع بالشريك دون أذى للغير أو للنفس أو للمجتمع.
2- على الأبناء والبنات ألا يخجلوا من توجيه أي استفسار لديهم يتعلق بالثقافة الجنسية للآباء والأمهات أو من يرون فيهم الأهلية للتجاوب معهم؛ باعتبار أن الغريزة الجنسية حق طبيعي لكل فرد، ولكن يجب تغذيتها بالطرق المباحة شرعا.
3- طرح قضية الزواج المبكر وتسهيل انسيابه، سواء بتوفير الوالدين لأبنائهم الفرص للتعرف على من يرضونهم شركاء لأبنائهم، وقطع الطريق على مسايرة النمط الغربي الذي ينبني على فلسفة أخرى غير التي تقرها قيمنا وأخلاقنا.
شارك في ساحة الحوار حول:


















