مؤسسة علمية أم جهة رقابية؟
الضبطية القضائية للأزهر.. وجهات نظر متباينة
مؤسسة علمية أم جهة رقابية؟
الضبطية القضائية للأزهر.. وجهات نظر متباينة
|
المستشار طارق البشري |
أما بخصوص قرار وزير العدل الأخير بمنح بعض رجال المجمع صفة الضبطية القضائية؛ فيؤكد البشري أنه آلية تنفيذية لمنطوق القانون، وهى تماثل ما يقوم به مفتشو التموين في إنفاذ السعر الجبري للسلع التموينية، أو مفتشو وزارة الصناعة الذين يقومون بالتحري على قواعد الأمان الصناعية ومراقبة الجودة؛ فالتفتيش يتم في إطار قانون معين يمكن الشخص ذا صفة الضبط من المراقبة على تنفيذ القوانين الموجودة، والتي أناطها المشرع الوضعي للجهة الموكل إليها تطبيق القانون، وهي تتم بضوابط محددة وتحت إشراف القضاء والنيابة، حتى لا يساء استخدامها. ومن ثم فالضبطية القضائية محددة لأعضاء بالمجمع، ولا علاقة لها بالمصنفات ولا الكتب، ومهمتها ضبط المصاحف والأحاديث التي بها أخطاء، وهناك جهة تحتكم إليها عند مراجعة المصحف الشريف ضبطا ونظما.
ويشير المستشار البشري إلى أن الأزهر ليس له سلطة المراقبة على المصنفات السمعية والبصرية، ولكن إذا كانت هذه الوسيلة تتضمن موادَّ إسلامية؛ فمعنى ذلك أننا في حاجة إلى فتوى من الأزهر تخص شأنا إسلاميا، وفي هذه الحالة يُستشار في هذا الشأن، ومن ثم فعلاقته هنا ليست مباشرة؛ فالرقابة في الأصل هي لوزارة الثقافة التي تستشير الأزهر عند أي أمر يخص الشأن الإسلامي.
عبد الصبور شاهين: نعم للرقابة.. لا للمصادرة
|
د. عبد الصبور شاهين |
ويرى الدكتور عبد الصبور أن حدوث التجاوزات وارد، ولكن مع ذلك فإن تدخل المجمع سيمنع هذه الفوضى التي تتيح لغير المتخصصين من العلمانيين أن يكتبوا ضد الرسول صلى الله عليه وسلم وضد الشريعة، لا سيما أن لهم حظوة ووجودا مكثفا في الركن الثقافي، وتحت أيديهم وسائل النشر والبيان؛ فالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
ويضيف الدكتور عبد الصبور: "أنا مع وجود جهات محكمة تضبط حركة الإبداع، وتكون بمثابة المرشد لجمهور المسلمين غير المتخصص، ولكن في نفس الوقت لا يبرر هذا منع الاجتهاد وتعدد الآراء واختلافها؛ فالمجمع ليس له صلاحية المصادرة بإطلاق، بل يقوم بدوره في البحث والقراءة والمناقشة".
وعندما سألنا الدكتور عبد الصبور:
- أليس غريبا أن تقول هذا الكلام ولك مؤلَّف كان محل رفض من المجمع هو "أبي آدم"؟!
قال الدكتور: "ليس غريبا، لا سيما أن كتابي أنصفه القضاء، وكما قلت فإنه ليس للمجمع حق المصادرة بإطلاق، ودعني أقُل: لماذا هذا الاستباق للأحداث؟ فلنترك الأمر للممارسة التي ستكشف لنا كيف ستتعامل هذه الجهات مع قضايا الاجتهاد".
جمال الدين محمود: نبدي الرأي ولا نصادر
ويوضح المستشار الدكتور جمال الدين محمود -نائب رئيس محكمة النقض السابق، عضو مجمع البحوث الإسلامية- أن هذا القرار الخاص بالضبطية القضائية يخص طباعة ونشر المصحف الشريف والأحاديث النبوية، وهو قرار قديم، صدر بهدف ضبط طبع ونشر القرآن الذي حفظه الله، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وليس في مراقبة طبع ونشر القرآن الكريم ما يمس حرية الإبداع الفكري أو الفني، حسبما يرى.
ويضيف الدكتور جمال الدين: "هناك جهات أخرى مختصة بمراقبة ما ينشر مخالفا للقانون؛ كأن يتضمن الطعن في الأديان أو ازدراء الشعائر الدينية أو التحريض على الفجور، وهذا ما يتضمنه قانون العقوبات وقوانين خاصة أخرى، ولها جهات تعمل على تنفيذ هذه الرقابة".
ويكمل: "وهذا ليس بدعا في القوانين، بل هو موجود في قوانين الدول كلها؛ حفاظا على القيم الخلقية والدينية بوجه عام، وهناك الكثير مما يسمى لدى البعض إبداعا وهو لا يساوي شيئا، والأمثلة كثيرة".
ويؤكد الدكتور جمال الدين على أن مجمع البحوث والدراسات الإسلامية هو الهيئة العليا للبحوث والدراسات الإسلامية، ومن حقه النظر فيها ومراقبتها وتصويبها، أو الحكم بفسادها طبقا للقانون 103؛ ولذلك لا يجوز منع مؤسسة تقوم بعملها طبقا للقانون؛ بحجة حرية الفكر أو ما يسمى لدى البعض إبداعا، وهو يخلو من أي قيمة جمالية أو علمية.
وعندما سألناه:
- هل من حق المجمع باعتباره هيئة عليا للدراسات والبحوث الإسلامية أن يصادر؟!
قال الدكتور جمال الدين: "مجمع البحوث لا يصادر، وهذا بنص القانون، وهو يقوم بدوره عند عرض أية كتب أو مؤلفات تأتيه من جهات عديدة، مثل إدارة المطبوعات أو النشر، أو مباحث أمن الدولة، ثم يقوم المجمع بدراسة هذه الكتب ويقدم توصية إذا ما وجد بالكتب ثَمة ازدراء أو إهانة لأركان الإسلام وثوابته، أو تهديدا للقيم الخلقية التي تعترف بها الأديان السماوية، ثم تقدم تلك التوصية للجهات صاحبة الشأن التي تقرر هي المصادرة أم لا. فالمجمع لا يحكم بالمصادرة. أما اللجنة الموكل إليها صلاحية الضبط القضائي فهي خاصة بالمصحف وكتب الصحاح أو الكتب التي تحوي نصوصا قرآنية أو أحاديث نبوية، ومهمتها مراجعة الضبط والنظم والهجاء، وأعتقد أن هذا حق أصيل للمجمع".
- وفي سؤال عما إذا كان تحديد جهة عليا تحكم بصلاحية أو فساد الدراسات الإسلامية والشرعية يتوافق مع فلسفة الإسلام القائمة على كسر أي كهنوت أو احتكار للإخبار عن أحكام الله
قال الدكتور جمال: "الإسلام تدافع عنه الأمة كلها والمسلمون جميعا، ولكن حين يتعلق الأمر بمنتج ثقافي معين يمس أركان الإيمان أو طباعة القرآن والأحاديث النبوية؛ فلا بد أن يتخصص أشخاص، وأن يتعين نفر معين لمراقبة طباعة ونشر القرآن، والدولة مسئولة عن ذلك، وهذا أمر تنظيمي، وكما قلت فيما يخص الكتب والإبداع فرأينا استشاري فقط".
ثم تساءلنا:
- ألا يرتب الحكم على فساد مؤلَّف أو مصنف معين من قبل المجمع حكما شرعيا على عقيدة صاحبه؟
فقال الدكتور جمال: "أولا: مجمع البحوث الإسلامية يعتبر هيئة علمية في العالم الإسلامي من جهة علوم الدين، وكونه يحكم بفساد كتاب وفي نفس الوقت لا يصادره مكتفيا بالتوصية؛ فهذا ليس معناه تعرضا لحرية الفكر؛ باعتبار أن هذا الدور التقييمي تقوم به جهات أدبية وعلمية ولا يعترض أحد على ذلك.
ثانيا: لا يترتب على هذا التقييم أي تعرض أو طعن في عقيدة الباحث؛ فمحور دراساتنا الكتاب وليس إيمان الباحث. وتحكمنا في ذلك قاعدة الاجتهاد في الإسلام: إذا أصاب المجتهد فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد".
اختتمنا حوارنا مع الدكتور جمال الدين بسؤاله
- حول التوقيت الذي طُبِّق فيه هذا القانون؛ حيث ما زال يثير ظلالا من الشك حول الأدوار الخارجية
، فأكد الدكتور جمال أن التوقيت الخاص بالضبطية القضائية مناسبته وجود طبعات مزورة من القرآن الكريم، فيها حذف لبعض الآيات وابتكار لعبارات، واختلافها، وعندما تنبهت الجهات المختصة جرى تفعيل المادة لأن هذا دورها".
السيد سعيد: أنأى بالعلماء عن دور المخبرين
|
د. محمد السيد سعيد |
ويضيف الدكتور محمد: "السؤال: هل يجوز لأي وزير أن يمنح صفة الضبطية القانونية لأية جماعة دون مراعاة للآثار المترتبة على هذا القرار؟ وإذا كان بالفعل ما أفتى به صديقي المستشار البشري صحيحا.. فلماذا لم يمارسه الأزهر منذ صدور هذه الفتوى؟! هل حدثت مستجدات ألزمت السلطة التنفيذية اقتراح هذه الآلية. الواقع يشهد أنه حتى لو كانت هناك مستجدات فليست مطردة أو منظمة أو تشكل ظاهرة اعتيادية توجب هذا التدخل".
ويواصل الدكتور محمد قائلا: "كما أن التاريخ الإسلامي لم يشهد هذا الأمر، وإذا قام به أحد فربما يكون الخليفة ذاته أو المحتسب، وليس معهدا علميا مدار تخصصه البحث والدراسة، وهذا ما يفزعنا جدا أن يتحول رجال العلم إلى رجال أمن؛ لأن هذا لن يؤذي الإبداع فقط بل سيؤذي العلم أيضا؛ فالخلط في السلطات سيحول تلك المؤسسات العريقة إلى محاكم تفتيش، وهو ما يعني أن الأزهر كمدرسة ومؤسسة سيكون هو الضحية الكبرى لهذا الإجراء".
ويضيف الدكتور محمد: "يجب ألا ننسى أنه قد جاء وقت على بعض المؤسسات العلمية والجامعية تحول فيه الأساتذة إلى مخبرين، وهو ما انعكس بالسلب على مناخ العلم والدراسة، ولك أن تتخيل مثلا أن يتحول كاتب كل مهمته أن يفكر ويكتب في كل ثانية إلى مراقب على كتب ومقالات زملائه؛ حيث يعني ذلك أنني قد أفقد احترامي لنفسي لأنني أمارس دورا ليس لي. لذا أرى أن مهمة معهد علمي كالأزهر هو العلم الديني بحثا ودراسة، في ظل مناخ صحي تتعايش داخله بحرية تامة المدارس والمذاهب والآراء. وبداهة أعتقد أنه ينبغي أن يكون رجال الأزهر أنفسهم ضد هذا القرار، وأن يدافعوا عن قيمة مؤسستهم العلمية والحضارية، وأن يكرسوا جهدهم لتطوير بحوثهم وأدواتهم البحثية، وأن يمارسوا الاجتهاد بدلا من ممارسة الرقابة".
وينوه الدكتور محمد السيد سعيد في نفس الوقت إلى ضرورة عدم حدوث أشياء خارجة باسم الإبداع، ولا تليق بظروف أمة مأزومة كالفيديو كليب؛ فالتحلل جانب ندينه كما ندين التشدد. ويضيف: "فلا يصح التبجح باسم الإبداع، وإذا تأملنا معظم قوانين العالم فسنجد أنها تضع حدودا ضد الإباحية؛ حيث لا يُقبل أن تثار ثائرة الشباب بالرقص الإباحي، وأيضا نرفض أن يزدري أحد الأديان، أو أن يتعدى بالسب والتجريح على العقائد، ويتم تمرير ذلك في رواية؛ لذا نطلب من كل المبدعين أن يراعوا الحساسيات الدينية، وألا يقوموا بالتحريض على الأديان وجرح المشاعر، وعمومًا مثل هذه الأشياء تسقط مع الزمن ولا يبقى إلا الأعمال الفنية المنضبطة.
خيري شلبي: إنها مؤامرة على الإبداع
|
أ. خيري شلبي |
ويؤكد شلبي أنه ضد القرار الأخير الذي قرره وزير العدل الذي أعلن البعض أنه خاص بالمصحف الشريف والأحاديث النبوية، مبينا أنه حتى لو كان القرار في هذه الحدود؛ فإنه لا ينبغي أن نمنح امتياز الضبطية القضائية لأحد ما دام هناك قانون يسدل حمايته على هذا الأمر. فإعطاء الضبطية القضائية لهذه الجهة على هذا النحو هو نذير شؤم بالنسبة للمستقبل، وقد يتخذه البعض تكأة للهيمنة والسيطرة على كل عمل إبداعي، لا سيما أن بعض أعضاء مجمع البحوث يتصورون أن أي كتاب به آية أو حديث يمنحهم حق الإشراف والمصادرة، وإذا كان الغرب يفهم الإسلام بشكل خاطئ فنحن نعطيه المبرر.
ويوضح شلبي أن موقف الحكومة المصرية ضعيف، وهي تفعل ذلك لتمالئ التيار الديني على حساب الحقيقة، وبسبب هذا الدور المائع شجعت التطرف؛ فالحكومة بموقفها غير المحدد والمشوه كانت أحد مصادر التطرف، كما أن هذا الموقف المنافق للتيار الديني يهزأ بالأزهر؛ لأنه ليست مهمته القضاء، أو أن يتحول إلى هيئة شرطية؛ لأن هذا تقليل من قيمة الأزهر.
ويتابع شلبي: "ولكن إذا كان هناك عمل فني أو فكري فيه عدوان على الإسلام فيجب أن يناقش علنا وأن يرَد على الحُجة بالحُجة؛ لأن مبدأ التصفية البوليسية غير صائب وغير إنساني، ويتسبب في تراكم القضايا والمشكلات، ولن يفيد في النهاية؛ فمن الواجب أن تُطرَح مثل هذه القضايا بشكل مفتوح، بل ويشارك فيها الرأي العام، وأنا أعتقد أن معظم ما يقدم هي كتابات مستنيرة، وهذا بحكم القيم الدينية السائدة في مصر، كما أن مناخ الجدل بالتي هي أحسن سيتيح فرصة للناس لكي تتعلم معنى الحوار وقيمته.
ويرى شلبي أنه لا مانع من أن ينشأ قسم خاص لمتابعة الإصدارات المقدسة كالمصاحف والأحاديث النبوية؛ فإذا وضعت هذه اللجنة يدها على أخطاء نبهت، فإذا رُفض تصحيحها قام هذا القسم بإبلاغ النائب العام. ولكني أرفض بشكل قاطع أن يكون له صلاحية الضبط القضائي؛ لأن منح الضبطية القضائية لرجال الدين أمر خطير.
تابع في هذا الموضوع: