الجنس في خطاب الدعاة
لماذا الخجل في السؤال عن الجنس؟
فالسؤال -كما نعلم جميعًا- هو أحد مفاتيح كنوز المعرفة، وما أكثر الأسئلة التي تدور في رءوسنا، وأيضًا ما أكثر الأسئلة التي لم نحصل بعدُ على إجاباتها، وهنا أقول: ما أعظم قول الله تعالى في سورة النحل: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وأهل الذكر هم أهل العلم والمعرفة.
ودفعتني هذه الخاطرة إلى البحث عن نصوص قرآنية أو أحاديث نبوية، تؤيد أو ترفض الخوض في موضوعات بعينها بحجة أنها حساسة ومُحرِجة.
ولست أدري لماذا قفز إلى ذهني قول الله تعالى في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]، مع أنني أرحب جدا ولا أجد أي حرج في مناقشة أي أمر يتعلق بالعلاقات الجنسية مهما كان، بشرط أن نستخدم أمثال الألفاظ المهذبة التي وردت في القرآن الكريم، عندما تعرض لهذه الموضوعات، وبشرط آخر هو أن يكون "الجو" الذي يدور فيه ذلك الحديث جوا يتسم بالجد لا بالهزل، ويتسم أيضًا بالاحترام وليس بالتهريج.
وذلك مثل قوله تعالى في سورة الأعراف: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا} [الأعراف: 189]، يقول الأستاذ محمد فريد وجدي في تفسير هذه الآية: "تغشَّاها أي:لامسها، وغشى الشيء وتغشاه يعني غطاه، عبَّر بالتغطية عن الاتصال الزوجي تنزهًا عن الألفاظ الساقطة الدالة على هذا الأمر..". هذا بعض ما قيل في تفسير تلك الآية الكريمة.
هل هي حاجة واقعية؟
قلت: إنني لست أدري لماذا قفز إلى ذهني قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]؛ لهذا رأيت أن أبحث أيضًا في "التفاسير" عن معنى هذه الآية الكريمة، عندئذ استعنت بالله، وبدأت أبحث عنها في تفسير الظلال للأستاذ سيد قطب رحمه الله، وهناك لفت نظري النصوص التالية:
"وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدّ حدودًا فلا تعتدوها، وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان، فلا تسألوا عنها".
وهنا سألت نفسي: هل مثل هذه الموضوعات التي نسميها "محرجة" تدخل تحت بند "وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء فلا تسألوا عنها"؟؟ ولم أُجِب عن هذا السؤال، وإنما واصلت القراءة في ظلال القرآن، فقرأت الآتي: "إن المعرفة في الإسلام إنما تُطلَب لمواجهة حاجة واقعة، حاجة واقعية في حياة البشرية".. وللمرة الثانية سألت نفسي: هل دراسة ومناقشة الموضوعات الجنسية تمثل حاجة واقعية في حياتنا؟
ولم أجب أيضًا على هذا السؤال، وواصلت القراءة، وقرأت الآتي: "ووعى الصدر الأول من المسلمين هذا المنهج واتجاهه؛ فلم يكونوا يفتون في مسألة إلا إذا كانت قد وقعت بالفعل، وفي حدود القضية المعروضة".
وللمرة الثالثة سألت نفسي: هل هذه الموضوعات تمثل مشكلات وقعت في حياتنا بالفعل؟
وواصلت القراءة في ظلال القرآن، فقرأت الآتي: "كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلعن من سأل عما لم يكن".
"بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سُئل عن أمر: أكان هذا؟ (يعني هل حدث هذا؟) فإن قالوا: نعم قد كان، حدَّث فيه بالذي يعلم، وإن قالوا: لم يكن، قال فذروه حتى يكون".
وهنا تركت كل ما كتبته ورحت أسأل نفسي من جديد: تُرى.. هل هناك نصوص قرآنية وأحاديث نبوية "صحيحة" تعرضت "لموضوعنا" بشكل مباشر؟ وشاء الله الكريم أن تقودني قدماي إلى مكتبتي المنزلية، عندما تذكرت كتابًا كنت قد اشتريته قبل عام تقريبًا، ويقع في ستة أجزاء، تناولت الكتاب، ورحت أتصفح فهارس الأجزاء الستة، وأمام فهرس الجزء السادس وقفت طويلا، بل وقفت مدهوشًا ومشدوهًا ومشدودًا أيضًا، وأكاد لا أصدق عيني، بل إنني قلت بصوت مسموع: أمعقول هذا؟ أمعقول أن يتناول الإسلام موضوعات كهذه؟ وبهذه الصراحة؟! لا يمكن! لا يمكن!
وأغلقت الكتاب، ورحت أعيد النظر في اسم مؤلفه الأستاذ "عبد الحليم أبو شقة" الذي لم أكن أعرفه من قبل، ورأيت أن أقرأ مقدمة الكتاب، وماذا قيل عن هذا المؤلف.
رأي الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله:
قال الشيخ الغزالي -ضمن ما قال-: "وددت لو أن هذا الكتاب ظهر من عدة قرون"، وقال: "وهذا الكتاب يعود بالمسلمين إلى سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم دون تزيد ولا انتقاص، إنه كتاب وثائق، ومؤلفه عالم غيور على دينه، رحب المعرفة، متجرد لنصرة الحق، وقلَّما يعرض غير ما رواه الشيخان (البخاري ومسلم)".
رأي الدكتور القرضاوي:
ويقول الدكتور القرضاوي: "إذا كان الأستاذ عبد الحليم لا يعرفه الكثيرون، فإن القليل الذي عرفوه أعجبوا به وقدَّروه، واعترفوا له بالقدرة على التفكير الهادئ العميق، إلى جوار النظرة النقدية الإصلاحية، إلى الشجاعة في إبداء ما يرى أنه الحق، إلى الصدق والاستقامة التي جعلت ظاهره كباطنه".
سبب دهشتي:
كان أحد أسباب دهشتي "الشجاعة" التي نسبها الدكتور القرضاوي إلى المؤلف، ولكن هذه الدهشة زالت بعد قراءتي لكلمات الشيخ الغزالي، عندما قال: "إن المؤلف قلَّما يعرض غير ما رواه الشيخان"، فهيا نقرأ معًا بعض ما ورد في فهرس الجزء السادس من كتاب "تحرير المرأة في عصر الرسالة"، للأستاذ عبد الحليم محمد أبو شقة الذي توزعه "القلم للنشر والتوزيع" بالقاهرة.
بعض ما ورد في فهرس الجزء السادس:
- لمحة عن الحياء المسرف في واقعنا.
- نموذج من القرآن عن الحياء السوي.
- لا حياء في تقديم أو طلب الثقافة الجنسية المشروعة.
- آيات تشير إلى الأعضاء الجنسية وما يعرض لها من ظواهر.
- نصوص تشير إلى بعض خصوصيات النساء.
- استفتاء النساء الرجال في أمور جنسية (والعكس).
- مواقف نادرة تتعلق بالمباشرة الزوجية.
- تقرير الشريعة قوة الشهوة الجنسية.
- تيسير الشريعة.. مجالات ممارسة المتعة الجنسية
- إباحة الاستمتاع مع الحائض (فيما دون الجماع).
- المتعة الجنسية الخفيفة: القبلة، المعانقة، اللمس باليد، مص اللسان، رشف الشفتين، مص الثدي، الجماع، رؤية البدن عاريًا تمامًا، الاغتسال معًا، التزام الصدر.
- قوة الشهوة الجنسية وفتنتها البالغة.
- رعاية الأجزاء الحساسة عند كل من الرجل والمرأة.
- "حول الاستمناء باليد" للغزالي وابن تيمية وابن حجر.
ولن أعلق، وأترك للقارئ أن يحكم.
وخلاصة الرأي كما تراه الكاتبة الإسلامية ناهد الخراشي أن الحياء والخجل ينُم عن فطرة سوية، ولكن لا بد أن نتخلى عن الخجل عند مناقشة القضايا المختلفة التي تخص المجتمع والحياة سعيًا لطلب المعرفة، والوعي الثقافي الإسلامي الذي يبني ولا يهدم، بشرط أن تكون هناك ضوابط أخلاقية تحكم وتدير الحوار عند مناقشة مثل تلك الموضوعات.
ومن هذه الضوابط:
1- النية الصادقة المخلصة في طرح الموضوع للمناقشة، بقصد العلم والمعرفة والثقافة الإسلامية الواعية التي تخدم المجتمع.
2- انتقاء الألفاظ والعبارات التي تعبر عن الموضوع المطروح.
3- الالتزام بالجدية والاحترام في التعبير عن الآراء، حول الموضوع المطروح للمناقشة.
والنية الصادقة في طلب العلم والمعرفة تحوّل الخجل إلى عمل وسعي جاد، بعيدًا عن أي أهواء أو انحرافات.
ولا بد من توفر حدود ومعايير ينبغي الوقوف عندها، تنم عن أخلاقياتنا الإسلامية التي تبعدنا عن أي انحرافات أو تشويه لصورة المجتمع الإسلامي الذي يعبر في المقام الأول عن القيم والمبادئ التي تحكمه والنابعة من شريعتنا السمحاء.
شارك في ساحة الحوار حول:


















