غزة.. ساحات التعليم انعكاس للمجتمع
ثلاثة أقطاب متباينة
وهناك ثلاثة أقطاب رئيسية تتنافس على استمالة طلبة فلسطين.. أفكارها متباينة، وأدواتها مختلفة، تتركز أهدافها في صبغ مجتمع الطلبة بلونها الفكري.
التيار الوطني (المصنف على أنه علماني) أولها، والإسلامي ثانيها، وينظر إليه على أنه أقواها في هذه المرحلة، يليه التيار اليساري بتشعباته المختلفة.
ويكتسب التنافس بين هذه القوى على مجتمع الطلبة أهمية كبرى؛ كون المجتمع الفلسطيني بأكمله "مُسيَّسًا".. قلما تجد شخصا لا تستهويه فكرة معينة، أو حزبا ما.
ويعد التيار الإسلامي العامل الأول في مجال الدعوة الإسلامية في صفوف الطلبة، بينما تستبعد هذا الأمر من مجال اهتمامها تماما القوى اليسارية، وإن كانت تظهر بمظهر المحترِم لتعاليم الإسلام، أما التيار الوطني فإنه وإن كان أقرب للإسلام منه إلى العلمانية، إلا أن جهود الدعوة الإسلامية التي يقوم بها تظل يسيرة وغير ظاهرة.
اليساريون.. لا نخجل من فكرنا
ويرى محمد المجدلاوي رئيس جبهة العمل الطلابي التقدمي، المحسوبة على الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ذات الفكر الماركسي، أن المناخ السائد في المجتمع الفلسطيني هو المناخ الإسلامي بالأساس، معترفا أن جبهته تعاني من الصعوبات في إيصال رسالتها وأفكارها في ظل هذا المناخ.
ورغم التباين الشديد في الأفكار بين اليساريين الفلسطينيين والإسلاميين، فإن الواقع يشير إلى عدم وجود أي نوع من الصدام بين التيارين، ويرجع المجدلاوي ذلك إلى التحديات التي تحياها الساحة الفلسطينية، والتي وحدت جميع التيارات تحت راية تحرير الأرض واستعادة الحقوق.
ويضيف: "عندما ينتهي كابوس الاحتلال، يصبح هناك مجال للتفكير في أية صيغة فكرية أو أيديولوجية تضفَى على مجتمعنا الفلسطيني، وتستطيع الأطر الطلابية التفرغ للحديث في هذه المسائل".
وردا على سؤال حول ما إذا كان خلو الخطاب الإعلامي لجبهته وأنشطتها المختلفة من أية إشارات إسلامية يسبب الحرج للجبهة من قبل الطلاب، يقول المجدلاوي: إن أي طالب على قدر من الوعي يستطيع أن يتفهم أن خطابنا صادر من مدرسة فكرية تختلف عن مدرسته، وهو يعرف الصبغة الفكرية والخطابية الخاصة بنا.
وأضاف: "إذا استخدمنا مفردات من خطاب فكري آخر، نكون في هذه الحالة كذابين، ولذلك مجتمعنا متفهم لهذه المسألة، ويحفظ حرية الرأي والتعبير وليست هذه أزمة كبيرة".
ومضى يقول: "بصراحة شديدة نحن لا نخجل، ولا نخاف من طرح أفكارنا كما هي، فلو حاولنا مجاملة هذا وذاك، وحاولنا كسب شعبية أكبر عن طريق استخدام مصطلحات من مدرسة فكرية أخرى، فنحن في هذه الحالة نمارس عملية نصب سياسي واجتماعي".
التيار الإسلامي.. الدعوة شريان عملنا
ويقول "صلاح": "لدينا لجنة رئيسية ضمن لجان الكتلة تدعى (لجنة الوعظ والإرشاد) موجودة في كل مدرسة وجامعة، وتقوم بخدمة الدعوة إلى الله من خلال الوسائل المختلفة، كالشريط الإسلامي، والكتاب الدعوي، وإحياء المؤسسات، والتركيز على جانب الدعوة الفردية (الوجاهية)، إضافة إلى الكثير من الأعمال والأنشطة المختلفة".
ويضيف صلاح: "أهداف الكتلة تتمثل بجعل مجتمع المدارس والجامعات إسلاميا من خلال هذه الوسائل، خصوصا أن الطلاب والطالبات يكونون في سن المراهقة، فنعمل من خلال هذه الوسائل على أن نطرق أبوابا أخرى للخير من خلال هذه الأعمال".
ويتفق هاني كسكين رئيس الجماعة الإسلامية، الذارع الطلابية لحركة الجهاد الإسلامي، مع صلاح في مدى اهتمام حركته بالجانب الدعوي، حيث يشير إلى وجود لجنة دعوية فاعلة تعمل داخل الجماعة، موضحًا أن الجماعة عقدت مؤخرًا سلسلة دورات أطلقت عليها اسم "سلسلة الدعوة والداعية"، يحضرها أمراء لجان الطلاب في الجامعات والمدارس، ويتم خلال هذه الدورات اختيار الطلاب الذين لهم القدرة على أن يكونوا دعاة مستقلين.
ويقول: "الجماعة تهتم بالعمل الدعوي بشكل مكثف، كون هذا الأمر هو المرتكز الأساسي الذي يستطيع إطلاق رسالة الحركة الإسلامية".
ويقول كسكين: "نقوم بإعداد مجموعة من الدعاة لهم عدة اختصاصات، فبعضهم لهم اختصاص الاهتمام بالإذاعات المدرسية، ومجموعة مختصة بإلقاء الندوات وتحفيظ القرآن الكريم والسنة، ونحرص على أن يكون الدعاة من الطلبة أنفسهم، من أجل أن تكون الفئة العمرية متقاربة".
ويشير صلاح مسئول الكتلة الإسلامية إلى أن كافة أنشطة الكتلة الترفيهية والثقافية يضفَى الجانب الدعوي عليها بشكل لافت، حيث يقول: "عندما ننظم الرحلات الترفيهية يكون للجانب الدعوي الهم الأول في الموضوع، فنعقد فيها الندوات والدروس والمواعظ، وحتى الاحتفالات ندخل فيها الجانب الدعوي من خلال هذه الرسائل التي توجه فيها هذه الأعمال".
ويؤكد المسئول في الكتلة وجود تجاوب كبير من قبل الطلبة مع أنشطة الكتلة، مضيفا: "هذا ما لمسناه خلال هذا الصيف من إقبال منقطع النظير على أنشطتنا، وتجاوزت عدد المخيمات الصيفية 114 مخيمًا، وأقمنا 30 مهرجانا لتكريم المتفوقين، كرمنا فيها 10280 طالبا، وأقمنا دورات للتحفيظ والأحكام، فالجانب الدعوي يطغى على كل أنشطتنا بشكل كبير جدًّا".
وأوضح صلاح غياب الملاحقات والمضايقات لأنشطة الكتلة من قبل أجهزة الأمن الفلسطينية طوال فترة انتفاضة الأقصى.
وحول علاقة الكتلة بإدارات المدارس والجامعات، أشار صلاح إلى أن العلاقة عمومًا طيبة، وإن كانت بعض إدارات المدارس التي يشرف عليها أشخاص ذوو توجهات علمانية أو يسارية تحاول إعاقة أنشطة الكتلة.
وأضاف: "أحيانًا بعض مديري المدارس يلجئون للقيام بمشكلة ما لإيقاف عمل معين من أعمال الكتلة، وكنا في المقابل نحاول حل هذه الإشكالات من خلال زياراتنا لمديري المدارس، وتوضيح موقفنا، ونحاول بالتالي حل هذه الإشكالات".
التيار الوطني.. نهتم ولكن!
في جانب آخر يشرح إسماعيل حمد، أحد قادة حركة الشبيبة، الذراع الطلابية لحركة فتح (التيار الوطني) موقع الإسلام في المنطلق الفكري لحركته قائلاً: "فتح حركة تحرير تعتمد الديمقراطية أسلوبًا ونهجًا في حياتها، والإسلام هو الدين الغالب في المجتمع، وفتح تؤمن بالإسلام وأهدافه، لكن هناك أسسا وقواعد ديمقراطية تحكم قواعد العمل التنظيمي والحركي داخل فتح".
وأضاف: "الإسلام هو الدين الحنيف الذي يمثل جميع أبناء الشعب الفلسطيني، ولا يوجد موقف حياله، والإسلام له خصوصيته داخل فتح".
وقال حمد: "في كل مجلس طلاب وهيئة إدارية طلابية لفتح هناك لجنة دينية تهتم بالمسائل الدينية، وتطرح قضايا كثيرة خلافية، وأخرى متفقا عليها، مثل مكانة المرأة في الإسلام، وعمل المرأة، والشريعة الإسلامية وأحكامها، حتى يتم توعية أفراد فتح، وكذلك هناك أنشطة تحفيظ القرآن الكريم والحديث، وهناك تركيز منصب على الشئون الدينية البحتة".
وقال: "غالبية عناصر فتح مسلمون، ولكن هناك أيضًا مسيحيين وعلمانيين، ونحن لا نستطيع أن نفرض عليهم اعتناق الدين الإسلامي، حتى ينضموا لفتح، ففتح فاتحة ذراعيها لجميع أبناء الشعب الفلسطيني بمختلف أديانهم وتوجهاتهم، إذا انطبقت عليهم شروط العضوية".
وحول علاقة فتح بالتيارات الإسلامية، يقول حمد: نحن نؤمن بحرية التعبير وبالديمقراطية كأساس لكل عمل ناجح، وبالتالي لكل منا وسائله وأدواته التي من خلالها يحقق أهدافه الحزبية أو الوطنية، فلا يوجد هناك أي خلل بعلاقتنا مع أي فصيل إسلامي أو وطني فلسطيني، لكن الاختلاف السياسي هو الغالب على طبيعة علاقتنا ببعضنا.
إدارات المدارس.. متحفظة
إدارات المدارس من جانبها لا تشجع عمومًا عمل الطلاب السياسي، وكل ما يقومون به من أنشطة لا منهجية خوفًا من إشاعة الانقسام والتفرقة في صفوف الطلاب -كما يقولون- هذا ما أكده "علي كساب" مدير إحدى المدارس الثانوية بقطاع غزة، حيث يرفض جملة وتفصيلاً أي نشاط سياسي ودعوي يقوم به الطلاب خوفًا من تزايد الخلافات بين الطلبة، وتوتير أجواء الدراسة.
ويضيف كساب: "المدرسة قلعة علمية، وينبغي للتلميذ أن يكون طالب علم لا أكثر ولا أقل، الدعوة إلى الأحزاب تكون خارج المدرسة حتى لا ينقسم الطلبة شيعًا وأحزابًا، ونحن نقوم بإقناع الطلبة بهذه الأمور".
ويرى كساب أن النشاط الدعوي الذي يقوم به بعض الطلبة خارج عن اختصاصهم، فهذا -كما يقول- من اختصاص المدرسة، خوفًا من حدوث مشكلات بين الاتجاهات السياسية في المدرسة، وسعي البعض لاستغلال هذا الأمر، وقال: "يجب أن يركز الدعاة جهودهم خارج المدرسة، نظرًا لتعدد الاتجاهات الفكرية بين الطلاب، وكل طالب يعتز بمبدئه".
الطلبة.. عشوائي وناجح
على صعيد الطلبة ينظر الطالب "محمد" من غزة -وهو أحد نشطاء الكتلة الإسلامية- إلى العمل الدعوي عمومًا داخل المدارس بأنه عشوائي وارتجالي غير منظم، وإن كان يحقق في ذات الوقت إنجازات طيبة، ويقول: "في بداية المرحلة الإعدادية حرَصنا أن نكوِّن كتلة إسلامية داخل المدرسة من منطلق انتمائنا، وبدأنا العمل الدعوي والتنظيمي، وهو ما دفع بكتلة شبيبة فتح إلى إعادة تنظيم صفوفها وزيادة أنشطتها".
ويرى محمد أن نشاط الطلبة الدعوي يرتكز في المدارس على الندوات والملصقات، واستثمار الإذاعة المدرسية، إضافة لانتهاج الدعوة الفردية "الوجاهية" والتي يعتبرها من أعظم وسائل الدعوة نجاحًا.
ويضيف: "نتوسع أحيانا في العمل الدعوي عن طريق تنظيم الحفلات، وعن طريق الرياضة، ونقيم الندوات والدروس، ونركز كثيرًا على الإذاعة المدرسية، كونها وسيلة لمخاطبة الطلبة والمدرسين على حد سواء، ونحاول خلال فترة ربع الساعة الممنوحة لنا إيصال رسالتنا، وكانت حركة شبيبة فتح تزاحمنا كثيرًا على الإذاعة المدرسية، وعموما كان استثمار الإذاعة من قبلنا عشوائيًّا وغير منظم، وبدوافع شخصية".
وعن جدوى الإذاعة المدرسية في تحقيق أهداف الدعوة الإسلامية، يقول محمد: "لمسنا نتيجة طيبة للإذاعة لكنها محدودة، نظرًا لكونها وسيلة مكمِّلة لبعض وسائل الدعوة، خاصة الدعوة الفردية الوجاهية بين الطالب الداعية وزملائه في المدرسة، والتي تعتبر الأساس في عمل الكتلة الإسلامية، وبدونها لا يمكن لمس نتائج حقيقية".
وحول رد فعل إدارة المدرسة يؤكد محمد أنها كانت دومًا متذمرة من نشاطات الكتلة الإسلامية، وإن كان هذا أمرًا نسبيًّا يتفاوت في شدته من سنة لأخرى، مضيفًا: "ذات مرة جمعنا ناظر المدرسة وحذرنا صراحة، وطلب منا إنهاء جميع أنشطتنا".
الساحة مفتوحة أمامنا
أما الطالب سامي فيشير إلى أن الساحة مفتوحة أمام الدعاة لنشر أفكارهم الإسلامية وانتشال الكثير من الطلبة مما أسماه أوحال الضلال، منوهًا إلى أن الاتجاهات العلمانية واليسارية مقصرة كثيرا في الدعوة إلى أفكارها ومبادئها، مرجعا ذلك إلى عدم اقتناع عناصرها بتلك الأفكار.
وعليه يدعو سامي جميع أبناء الكتل الإسلامية إلى استثمار الوضع الحالي، وتكثيف جهودهم الدعوية، مضيفًا: "على مستوانا الشخصي قمنا باستثمار هذا الوضع بشكل جيد، وبدأنا اهتمامنا بالإذاعة المدرسية، وكنا نحولها لمنبر للحركة الإسلامية، وكنا نجد الآذان المصغية".
ويقول: "كنا نهتم كثيرًا بالدعوة الفردية، وذلك بأن نتقرب من الطلبة ونختلط معهم، وندعوهم بالكلمة الحسنة والمعاملة الطيبة والابتسامة والكارت الإسلامي، والندوة والدرس، والحمد لله حققنا في هذا الإطار نتائج طيبة".
تابع في هذا الملف:


















