القرضاوي: الظلم حرام على الحاكم والمحكوم
وكما يقول الشاعر العربي أبو الطيب المتنبي:
والظلم من شيم النفوس فإن
تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
والناس لو تركوا لأهوائهم وأنانياتهم ظلموا وبغوا في الأرض، لولا رسالات السماء ولولا الإيمان الذي يعصم الناس من الظلم، ويدعوهم إلى العدل والقسط بين بعضهم وبعض، ولذلك فقد جاء الإسلام داعيا البشرية للعدل وناهيا لها عن الظلم.
ويشير الشيخ في خطبته للجمعة من مسجد عمر بن الخطاب بالدوحة – قطر26 من شعبان 1426 هـ / 30-9-2005م – إلى أن الناس في الجاهلية كانوا يتفاخرون بأنهم يظلمون، وكذلك كل الجاهليات، فزهير بن أبي سلمي كان يقول في معلقته، وكان العرب يعدونها من معلقات الحكمة:
ومن لم يذد عن حوضه يهدم
ومن لم يظلم الناس يظلم
ويقول عمرو بن كلثوم:
لنا الدنيا ومن أمسى عليها
ونبطش حين نبطش قادرين
بغاة ظالمين وما ظلمنا
ولكنا سنبدأ ظالمينا
فكانوا يفاخرون بالظلم، ويتفاخرون فيما بينهم بذلك، وهكذا كان العالم كله، يأكل فالفقراء ضائعون تأكلهم براثن الأغنياء، والضعفاء تدوسهم أقدام الأقوياء، والمحكومون يفترسهم الحكام، وهكذا كان العالم يحكمه مبدأ القوة، " فجاء الإسلام ليحرم المظالم كلها، ويعلن في الناس ما قاله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن ربه في الحديث القدسي: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، ويقول ربنا جل وعلا: ( إن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) ، ( ولا يظلم ربك أحدا) ".
فالله سبحانه وتعالى مع قدرته، وملكوته الذي لا يحد قد حرم الظلم على نفسه، ولذا فقد حرمه على عباده.
الظلم وخراب الديار
ومن عواقب الظلم الوخيمة، خراب الديار وفساد الأحوال، فالله تعالى يقوا: ( وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا)، ويقول ( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا). فالظلم يخرب الديار، وهو سبب الهلاك والدمار.
ويقول الشيخ بأن إمهال الله للظالمين، وتركهم ليس عن رضى منه سبحانه، بل إن الله يمد لهم في آجالهم وأرزاقهم، فقط حتى إذا أخذهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر، ليس ذلك فحسب بل إن الله ربما أمد للظالم في رزقه، وأطال له في أجله، ليس رحمة به ولا رضى بما يصنع إنما مكر بهم واستدراج لهم، وربما كلما زادوا في الظلم زاد لهم في العطاء؛ حتى تأتي النقمة فتباغتهم وتأخذهم من حيث لا يحتسبون، فربنا سبحانه وتعالى يقول في كتاب الكريم: ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون )، وروا أبو موسى الأشعري فيما رواه الشيخان، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته".
الظلم صور ومراتب
للظلم صور عديدة، وقد تتفاوت هذه الصور أو تلك المظاهر في أثرها على الإنسان، وبالتالي في جزائها يوم القيامة وقبلها في الدنيا، ومن صور الظلم:
- ظلم الإنسان لنفسه، بأن يتركها ترتكب المعاصي، وتتمرد على خالقها وهو أولى مراتب الظلم.
- الصورة الثانية، الظلم في محيط الأسرة، بأن يظلم الابن أباه أو أمه بأن يعقهما، أو أن يظلم الأب أو الأم أبناءهما، أو ظلم الأخ لأخيه.
- الثالثة، الظلم في محيط المجتمع، كظلم أرباب العمل للعمال، أو ظلم القوي للضعيف، ومن آثار هذا الظلم، أنه يذهب بالبركة ويفتت القوى ويوهن أواصر المعرفة، ومن أشد أنواع هذه الصور من صور الظلم، ظلم القوي للضعيف، فربنا سبحانه وتعالى يقول، في الحديث القدسي :" اشتد غضبي على من ظلم من لم يجد له ناصرا غيري". وإذا كثرت مظالم هؤلاء حق على الأرض التي وقع بها الظلم عقاب الله وغضبه.
- أما الرابعة، فهي ظلم القاضي للمتحاكمين إليه، لأن من المفترض في القاضي العادل أن يحكم حسب شرع الله والحق، لا حسب الهوي ولا حسب مكانة المتحاكمين من القاضي أو من يعلوه في المكانة. ويضرب الشيخ مثالا للظلم البين بقضية الصحفي تيسير العلّوني والذي حكم عليه بسبع سنوات دون جريرة.
- أما المرتبة الخامسة فمرتبة الحكام أو الرعاة، فالحاكم في المجتمع كالأب في الأسرة لا يتحيز لأحد من أسرته أمام الآخر، ومن واجباته الحاكم العادل أيضا، أن يستمع لمن ينصحه، لا كما يحدث من بعض الحكام الظالمين.
معين الظالمين .. هل هو ظالم؟
يؤكد الشيخ على أن المسلم ليس على ألا يظلم وحسب بل عليه كذلك ألا يعين على الظلم؛ لأن معين الظالم ظالم، " فمن عاون ظالما غير مكره فهو شريك له في الإثم "، وعليه كذلك ألا يركن إلى ظالم، أي لا يكون مع الظالم، وأن يستنكر عليه ظلمه ولو بقلبه.
فربنا يقول، عن فرعون وجنوده: ( فأخذناه وجنوده فنبذناهما في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ) فهذا كان جزاء الجنود.
الظالم والمظلوم حقوق وواجبات
ومن حق المسلم على المسلم أن يمنعه من الظلم، وأن ينصره على نفسه وشيطان، فكما قال رسول الله: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قالوا يا رسول الله ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما، قال تأخذ فوق يديه، فذلك نصرك إياه".
ومن حق المظلوم أن يرد الظالم بما يقدر عليه، أو بما ، فربنا يقول: ( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ). ومن حقه كذلك أن يلجأ إلى الأقوياء ليرد عنه الظلم، فإن لم يجد من ينصره من أهل الأرض فمن حقه أن يلجأ إلى أقوى الأقوياء، الله سبحانه وتعالى، ورسولنا الكريم يبشره فيقول صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم .. يرفعها الله فوق السماء ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين".
ومن الواجب على الظالم أن يحذر من الظلم، وأن يخاف الله سبحانه وتعالى، وباب الله مفتوح فمن ظلم، له أن يلجأ إلى الله يستغفره ويتوب إليه، وقد وعد ربنا بأن يغفر له ذلك ( إن الله يغفر الذنوب جميعا إلا أن يشرك به).
فإسلامنا دين تراحم ورحمة، يغفر الله لأهله ذنوبهم حتى لا ييأسوا من روحه، ولا يتمادوا في غيهم وضلالهم.
استمع إلى:


















