الحج ودروس في الحياة
وعلى صعيد آخر نجد حجاج بيت الله الحرام وقد اجتمعوا من كل فجاج الأرض، يتعارفون ويتآزرون ويتعرف بعضهم على أحوال بعض، في جو من الرحمة والرأفة كذلك، وفي ذلك من الخير العميم والفضل الكبير من الله، ومن واجبنا نحن المسلمين في كل بقاع الأرض أن نعمل جهدنا للاستفادة من تلك النفحة الربانية التي أظلتنا لمدة أيام، وأن نعمل على أن تسود بيننا على مدار أيام العام، ويقع عبء ذلك على كل المسلمين، وإن كان العبء الأكبر في ذلك يقع على حجاج بيت الله الحرام فهم من غفرت ذنوبهم وعاشوا في ظل الرحمات، وعليهم يقع عبء نشرها.
فقد سئل الإمام الحسن البصري رحمه الله: ما الحج المبرور؟ فقال: أن تعود زاهدًا في الدنيا، راغبا في الآخرة، فليكن حجكم حاجزًا لكم عن مواقع الهلكة، ومانعا لكم من المزالق المتلفة، وباعثًا لكم إلى المزيد من الخيرات وفعل الصالحات، واعلموا أن المؤمن ليس له منتهى من صالح العمل إلا حلول الأجل. وفي الحج كثير من الدروس والعبر، كما فيه الكثير من النفحات والرحمات.
الحج والتزود لبقية العمر
الحج فرض في العمر مرة واحدة، ولذا فلا مناص للحاج عن الاستفادة من هذه المرة لبقية حياته، فمن حج بيت الله ثم رجع ليعصاه فلا داعي لأن يذهب ويهدر ماله ويضيع وقته وجهده في الهباء، فمن حج ولم يرفث أو يفسق فقد رجع كيوم ولدته أمه، فلينتهز الفرصة والفرصة لا تأتي للإنسان كثيرا، وليربي نفسه على الطاعة والمداومة عليها وليكن الرجوع من السفر هو بداية الحياة.
ويؤكد على هذه المعاني فضيلة الدكتور سعود بن إبراهيم الشريم في خطبته للجمعة (13 من ذي الحجة 1426 هـ) في الحرم المكي ويحث المسلمين وخاصة الحجاج منهم على المداومة على الطاعات والابتعاد عن المنكرات والسيئات، بعد أن أذهبوا ما على كواهلهم من سيئات، وأن عليهم أن ينقلوا لبقية أفراد الأمة الإسلامية ما شاهدوه من مظاهر الوحدة والتآخي والرحمة والمساواة، وتطبيقها في حياتنا اليومية، ولذا فيجب على المسلمين التزود من هذه الأيام، وخير الزاد التقوى.
وكما كان السبب في ذلك إنما هو الاجتماع على أوامر الله سبحانه فإنه لا طريق للوحدة إلا بالاجتماع على نفسه الشيء، والذي يأتي بالاجتماع على كلمة الله وسنة نبيه. وأكد على نفس المعاني الشيخ محمد السيد عبد الصادق في خطبته للجمعة في مسجد على زين العابدين – القاهرة – مص، كما وضح الشيخ الصادق أن الدنيا أمام المسلم ليست إلا طريقا مملوءا بالأشواك، ولا مناص للمسلم إذا أراد أن يسير فيه إلا أن يشمر عن ساقيه ويستعين بكل ما يملك من أدوات ووسائل لتفادي هذه الأشواك وتلك العقبات.
ويوضح الشيخ لنا معنى التقوى كما عرفها النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي رواه الإمام البخاري عن عبد اله ابن مسعود أنه قاله إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تقوى الله أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يجحد".
الحج واستقراء التاريخ
ومن الفوائد العائدة على المسلمين من الحج أنه يذكرهم بتاريخهم وسيرة نبيهم، فنبينا صلى الله عليه وسلم وقف في مثل هذه الأيام في مكة يشرع للمسلمين ما لهم وما عليهم، فهذه الأيام لا شك تذكرنا بحجة الوداع والذي أوصي فيها النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بحفظ الضرورات الخمس وهي: الدين والعقل والنفس والمال والعرض، وما أحوج المسلمين الآن إلى المحافظة على هذه الضرورات وسط الفتن المحيطة بنا.
وهكذا لابد للمسلمين من استقراء تاريخ أسلافهم رضوان الله تعالى عليهم، حتى يستطيعوا أن يعود إلى الحالة التي كان عليها هؤلاء الأصحاب الأطهار من سيادة للدنيا، ورفعة في المكانة.
الحج وتعلم الوحدة والنظام
ومن الأمور التي يجب أن يتعلمها المسلمون من الحج الوحدة فيما بينهم فكما كانوا متحدين من كل بقاع الأرض يحب بعضهم بعضا ويخاف عليه، يجب أن يكونوا كذلك بعد الافتراق، يسأل المسلم عن من لقيهم من إخوانه سواء في بلده أو في خارجها، وأن ينشر هذه الروح بين الناس، فربنا سبحانه وتعالى يقول : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا). كما يجب على المسلمين أن يتعلموا من الحج النظام في كل شيء وعدم العجلة أو التسرع، وأن يعلموا أن نتيجة الفوضى ليست إلا الضياع، فكما كانت هزيمة المسلمين في أحد بسبب عدم الطاعة لأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن عدم اتباع النظام واتباع الأسس والنظم الموضوعة للحجاج، أدى إلى موت عدد كبير من الحجاج، والمسلم لابد أن يتعلم من كل ما يمر به من مواقف في حياته.


















