الطابع الأدبي في خطابة القرضاوي
وفي سبيل توضيح أهمية الأساليب الأدبية في تسهيل مهمة الخطابة ودعوة الناس رصدت رسالة ماجستير أعدها الباحث سيد هريدي بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر بالقاهرة الجانب الأدبي في خطب الشيخ الجليل يوسف القرضاوي بعنوان "الطابع الأدبي في خطابة القرضاوي.. دراسة تحليلية فنية"، وأوردت عددا من النتائج التي تفيد الدعاة والخطباء بصورة خاصة.
أسباب اختيار الموضوع
وحول أسباب اختياره لموضوع الرسالة يقول الباحث: "هناك عدة أسباب دفعتني إلى اختيار هذا الموضوع؛ من أهمها:
1- حاجة الناس بصفة عامة، والخطباء بصفة خاصة إلى الوقوف على سمات الطابع الأدبي الذي يؤثر في نفوس السامعين، ويستميل عقولهم.
2- حبي الشخصي الشديد للشيخ القرضاوي؛ حيث قمت بدراسة حياته ومؤلفاته، وما كتب عنه، وأحاديثه من خلال قنوات الإعلام المختلفة، واستدعى حديثي عن الشيخ الداعية في المقام الأول أن أكشف النقاب عن روافد موهبته الأدبية المتميزة، والتعرف على مظاهرها؛ وهو ما تطلب مني قراءة متأنية لمؤلفاته، وقراءة ما كتب عنه.
3- أن هذه الدراسة -فيما وصل إليه علمي- هي الأولى من نوعها التي تناولت خطب الشيخ الموهوب من وجهة أدبية.
4- توجيه الدعاة، وإرشادهم إلى ما يجعل الخطبة ملائمة لواقع الناس يستفيدون منها، ويحرصون على استماعها، وخصوصا إذا كان الخطيب يملك الأساليب الأدبية المتنوعة؛ فإنه يكون أحفل بشد انتباه السامعين.
ويرى هريدي أن رسالته تؤكد بشكل قاطع أن من سمات الخطبة الناجحة أن تكون على المستوى اللائق بالخطاب الديني شكلا وموضوعا بجانب ما تتضمنه من الحقائق والقيم الأصيلة التي يدعو إليها الإسلام؛ ابتداءً من تصحيح المفاهيم، ووصولا إلى اتباع سبل الصلاح والإصلاح، وإن تغيرت ضروب التعبير فيها من أمر ونهي واستفهام، واختيار التراكيب القصيرة المناسبة للنص، منبهة الأذهان، مؤثرة في النفوس، ومن ثم تؤدي الخطابة رسالتها من أقرب طريق وأيسره.
وأشار سيد هريدي إلى أنه قام باستخدام مناهج بحثية عديدة على اعتبار أن البحث الأدبي أعقد من أن يخضع لمنهج معين، كما أن الدراسة الأدبية يجب أن تستفيد من المناهج والدراسات جميعا، حتى تنكشف لها جميع الأبعاد التي تؤثر في الأديب، وفي الآثار الأدبية على السواء، وقد أطلق النقاد على هذه الطريقة الجديدة للدراسة "المنهج التكاملي".
خطة البحث
| الباحث سيد هريدي صاحب البحث |
وقد اشتملت المقدمة على أهمية الموضوع وأسباب اختياره ومنهج البحث، وخطته، واشتمل التمهيد على التعريف بالشيخ القرضاوي (الاسم واللقب)، ومولده ونشأته، ونشاطه في تأليف الكتب، وأعماله الرسمية، والجوائز التي حصل عليها.
في حين تناول الفصل الأول روافد الثقافة الأدبية عند القرضاوي، أما الفصل الثاني فتضمن الأسس الفكرية والموضوعية في خطابة القرضاوي، واشتمل الفصل الثالث على الخصائص الفنية في خطابة القرضاوي، وأما الفصل الرابع فتناول خطابة القرضاوي في الميزان، وفيه تم عقد موازنة بين الشيخ الغزالي والشيخ القرضاوي، كما تم عرض آراء النقاد في الشيخ الجليل".
سمات الخطابة عند القرضاوي
وعن أهم الملاحظات التي رصدتها الدراسة في خطب الشيخ يوسف القرضاوي يوضح الباحث أن "الشيخ الجليل يعتمد في خطبه على المقدمات المختصرة المرتجلة التي تشتمل على الحمد والثناء والشهادتين، وتكون بعيدة عن الإطالة؛ فهي تهيئ أذهان المتلقين، وتجذب انتباههم، وتحرك مشاعرهم نحوه، وتكون جيدة اللفظ، رائقة الأسلوب، تومئ أو تشير إلى الموضوع.
وقد تخلو بعض مقدمات الخطب من التعريف بالموضوع الذي تدور في فلكه الخطبة لا بالتصريح أو التلميح، كما ليس له مقدمة واحدة في جميع خطبه.. بل تأتي المقدمات مختلفة وإن كانت في إطارها العام متحدة المضمون".
ويضيف هريدي أن رسالته حددت سمات الموضوعات التي يتناولها الشيخ القرضاوي في خطبه؛ حيث أوضحت أن الموضوعات التي تناولها الشيخ أكثر من أن تحصى، لا سيما أنه قارب ستين عاما وهو يمارس الخطابة على المنبر، إلا أن خطبه تشير في مجموعها إلى ما يلي:
1- اختيار الموضوعات العصرية التي تربط الدين بواقع الحياة التي يعيشها المجتمع المسلم المعاصر؛ مثل تناول موضوعات الساعة التي تشغل الأمة وتؤرقها، محاولا إيجاد الحلول لها، مع شرح المعاني الإسلامية المتنوعة التي تتعلق بالعقيدة والشريعة والأخلاق.
2- الموضوعات الدينية معظمها مقتبس من بعض الآيات القرآنية مثل: الخطب التي تناولت صفات عباد الرحمن، وهي عبارة عن اثنتي عشرة خطبة، وقد تكون مقتبسة من السنة المطهرة، وقد تكون متضمنة لبيت من الشعر، وقد تكون الخطبة ردا على سؤال أحد المصلين في قضية معينة، وقد تكون عقب جولة في إحدى البلاد، وقد تكون ردا على موضوع تناولته إحدى الصحف، وتناقلته وكالات الأنباء.
3- وحدة الموضوع لخطب للشيخ الجليل؛ فالخطبة ذات موضوع واحد يدور عليه كلام الشيخ، وإن كانت هناك بعض الخطب خرجت على وحدة الموضوع، بأن يقحم الخطبة بموضوع لا علاقة له بموضوع الخطبة.
4- اتسام خطب الشيخ القرضاوي بالاعتدال والوسطية؛ لذلك لا يتناول في خطابته الموضوعات الخلافية؛ فهو ينادي في كل خطبه بالتيسير ويدعو له، ويتخذه مبدأ ومنهجا؛ فهو يكره المزايدات، واستهواء العامة، وليس من الذين يظهرون التشدد من أجل الاتصاف بالورع وشدة المحافظة.
نتائج البحث
وعن أهم النتائج التي توصلت إليها الرسالة يشير الباحث إلى أن هذا البحث يكشف عن مجموعة من النتائج، كان من أهمها:
1- أن الإخلاص في تبليغ الدعوة من أهم أسباب نجاحها، في وقت هبط فيه مستوى كثير من الدعاة بسبب أن بعض من يلتحق بميدان الدعوة يتخذها وظيفة ووسيلة من وسائل السعي على المعاش، ولا يعدها رسالة يخلص الداعي في أدائها، وقد تبين ذلك من خلال كثرة الخطب التي تهتم بقضايا الأمة وآلامها، والتي كرس لها الشيخ زهرة عمره في التعبير عنها.
2- تعد خطب القرضاوي من الخطب الإسلامية الأصيلة التي تعالج قضايا الأمة الإسلامية ومشكلاتها، من وجهة نظر داعية إسلامي غيور على دينه وعلى أمته.. بل وعلى الإنسانية جمعاء.
3- اهتمام الشيخ بالجانب العملي (مع مراعاة الجانب الفني التعبيري)، بعيدا عن المعلومات النظرية التي سرعان ما تنسى وتهمل، وتم ذلك على أيدي متخصصين.
4- مراعاة الخطبة لمقتضى الحال؛ فتكون قصيرة موجزة إن كان موضوعها سهل التناول، خاليا من المعارضة والتنازع، أما إن كان الموضوع شائكا يتعلق بأمر فيه اختلاف؛ فتكون طويلة لتشمل سائر جوانب الموضوع.
5- الإحاطة بنوعية الموعظة، وهذه نقطة مهمة يحتاج إليها الخطيب؛ لأنها تمكنه من شمول النظرة في الموضوع، وعمق الاستدلال والبيان.
6- معرفة الشيخ بجمهور السامعين مكنته من التأثير والإقناع، والوصول إلى القلوب والنفوس؛ فمعرفته الشاملة جعلته يصنع التناسب بين عرض الدعوة والمدعوين، سواء كانوا في القرية أو في المدينة أو في أي مكان.
7- إتقان إلقاء الألفاظ بشكل يجعل المعاني مصورة من خلال الألفاظ، وذلك بإبراز الكلمات ذات الإيقاع الصوتي الخاص؛ إذ يضغط على بعض المقاطع دون بعض.
8- أهمية تجديد الخطاب الديني شكلا ومضمونا بما يتلاءم وروح العصر، وما يستجد في حياة الناس من أمور معاشهم في حدود ما شرع الله، وبهدي رسول الله، خاصة أن إغفال هذا الجانب كان من أسباب ضعف مستوى الخطابة الدينية لدى كثير من الخطباء المعاصرين ممن التزموا بنظام الخطب التقليدية القديمة التي لا تصلح تعبيرا عن قضايا العصر.
وقد تشكلت لجنة المناقشة من كل من الدكتور السيــد تقي الدين، والدكتور صلاح الدين محمد عبد التواب -أستاذي الأدب والنقد بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر بالقاهرة- مشرفَين، والدكتور شفيق عبد الرازق أسعد أستاذ الأدب والنقد بالكلية مناقشا، والدكتور عبد الجواد محمد المحص -أستاذ الأدب والنقد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات بجامعة الأزهر بالإسكندرية- مناقشا.
وقد أجازت اللجنة الرسالة، ومنحت الباحث درجة الماجستير بتقدير امتياز.


















