عمرو خالد.. التحول إلى "ديمقراطية" الخدمات
لم يقتصر نجاح التيار الإسلامي داخل الجامعة على جاذبية شعار "الإسلام هو الحل" وإنما أيضا للخدمات التي كان يسديها التيار للطلبة. وينبغي ألا نقلل من نفوذ هذه الخدمات بالنسبة للطلبة الذين سمحت لهم مجانية التعليم بحراك اجتماعي من الأقاليم الفقيرة إلى المدن، لكن ظلوا لا يقوون على تحمل كلفة لوازم الدراسة، والسكن والمواصلات.
كانت قوى اليسار، التي هيمنت على اتحادات الطلبة مطلع السبعينيات، تراهن على طروحاتها السياسية الجريئة ضد "الإمبريالية" و"إسرائيل"، من دون تقديم خدمات عملية للطلبة. ومع تدني الوضع الاقتصادي، وغلاء المعيشة، واتساع الفجوة الطبقية بسبب سياسية "الانفتاح"، فإن الطلبة رويدا أصبحوا أكثر اعتناء بهمومهم الشخصية. وبالمقارنة، تمكن جيل السبعينيات من الإسلاميين الذين تحدروا من نفس الطبقات الدنيا من أن يكونوا أكثر إحساسا بكيفية تلبية احتياجات جمهورهم، وبالتالي أقوى نفوذا. فحسب أحمد النحاس، قيادي إسلامي بجامعة الإسكندرية في 1978: "كنا مدركين لاحتياجات الطلبة لأنها كانت نفس احتياجاتنا نحن أيضا، إن الكتاب غال، وإنه ما فيش وسائل مساعدة للطلبة للاستذكار واستيعاب الدروس، وكتير من الطلبة كان بييجي مَشْي من بيتهم لأنه بيتبهدل في المواصلات، وكتير من الطلبة مش عارف ياكل، يعني ما عندوش الفلوس اللي ياكل بيها، فحبينا نقول له إنه إحنا مش بتوع كلام فقط، وإنما بتوع تقديم خدمات محسوسة للطلبة"[1].
الدعوة عبر الخدمات
وتمكن الإسلاميون من بسط نفوذهم تدريجيا عبر أنشطة خدمية تتضمن تنظيم دروس تقوية، وتوفير أجوبة امتحانات نموذجية، وبيع كتب دراسية ومذكرات مراجعة بأسعار رمزية. وهذا حدا بشريحة من الطلبة لأن تصوّت لصالحهم في الانتخابات حفاظا على استمرارية هذه الأنشطة، وليس بالضرورة تعبيرا عن ولائهم للشعارات التي كانوا يطرحونها. النحاس مرة أخرى: "الناس اللي كانت بتصوت لنا في الانتخابات كانت بتصوت للاستفادة من خدماتنا وليس لأن توجههم إسلامي. فالأصل الاستفادة، والتوجه الإسلامي يأتي في المرتبة الثانية. يعني كان فيه طلبة مسيحيين وكانوا بيصوتوا لنا"[2].
وفي منتصف الثمانينيات، الفترة التي دخل فيها عمرو خالد الجامعة، فإن الخدمات الطلابية لم تتغير كثيرا عن تلك التي قدمتها "الجماعة الإسلامية" في السبعينيات، إلا أن مستواها تحسن تلقائيا باطراد.
|
د. عمرو أبو خليل |
ففي جامعة الإسكندرية مثلا – بحسب الدكتور عمرو أبو خليل - ابتكر الإسلاميون نشاطا جديدا أطلقوا عليه اسم "مشروع العائلة الطبية"، الذي يخول طلبة الطب تلقي علاج (تُدفع كلفته من ميزانية الاتحاد) بإحدى عيادات أساتذة كلية الطب. وتحول المشروع بسبب شعبيته إلى "نادي العائلة الطبية" وبكيان مستقل عن الاتحاد[3]. وفي جامعة أسيوط كان الاتحاد يوزع على طلبته المعوزين كوبونا يؤهلهم لكشف طبي مجاني في إحدى العيادات الخاصة، ويعينهم في البحث عن سكن بقيمة إيجار مدعومة.[4]
وإضافة إلى تحسن مستوى الخدمات، فإن تطورا أهم طرأ في طبيعة الأنشطة الخدمية في الثمانينيات. لم تعد الأنشطة بوادر تطرح "من فوق إلى تحت" أي من الاتحاد إلى الطلبة، وإنما تطورت آليات جديدة أفسحت للطلبة فرصة المشاركة في صياغة أنشطة أخرى. وانتشرت ظاهرة توزيع الاستبيانات على الطلبة لتقييم خدمات الاتحاد، واقتراح خدمات جديدة. وشاعت أسئلة مثل: "ما رأيك بأداء الاتحاد؟" بأجوبة اختيارية: جيد جدا، وجيد، ومقبول، وسيئ، و"ما الأنشطة التي تقترحها على الاتحاد في العام الدراسي الجديد؟". لم يكن إسلاميو السبعينيات يأبهون لهذه الأسئلة، لأنها كانت مرحلة بحث عن هوية، ثم تعزيز اتجاه ما، تطلب ذهنية التلقين والوعظ من القمة. أما إسلاميو الثمانينيات، فكانوا يعبِّرون عن مرحلة جديدة، عناوينها الرئيسية: حرية التعبير، وتقبل الرأي الآخر، وأهمية "الرأي العام". لم يعد الخطاب الإسلامي، كما أفاد حلمي الجزار "إسلاميا مباشرا"، أي يرتكز على الوعظ الديني التقليدي، وإنما "كان فيه كلام عن أهمية الحرية والديمقراطية"، وهو خطاب إنساني عام، يدركه أصحاب جميع التوجهات. "خطابنا في الثمانينيات كان خطابا عجيبا جدا؛ لأنه يتفاعل مع الطلبة العاديين، ويتكلم معاهم بلغتهم، وبشكل مختلف وبلغة مختلفة عن خطاب السبعينيات، لأنه عايز يتفاعل مع الطلبة، والتفاعل ده كان بالنسبة لنا شيء مهم، وأصبح موضوع الاستبيانات أحد أهم وسائل استكشاف رأي الناس"[5].
تكريس المشروعية
شهدت مرحلة الثمانينيات التي شكلت رافدا مهما في تكوين شخصية عمرو خالد، صعود التيار الإسلامي في الجامعات والنقابات ومجلس الشعب، وانتشرت في مصر تجربة البنوك الإسلامية، وشركات توظيف الأموال، وانتشر الحجاب، وزاد الإقبال على المطبوعات الإسلامية، وحقق الإخوان فوزا كاسحا في انتخابات 87 في مجلس الشعب بـ 36 مقعدا.
لم يعد التحدي هو حسم خيارات هوية بديلة عن قومية الستينيات، لأن الصعود حسم الخيار في الهوية الإسلامية، وإنما التحدي كان إقناع السلطة التي تحجب المشروعية عن "الإخوان" بفسح المجال للحركة لمزيد من التمدد، ولن يكون ذلك إلا بمزيد من الكلام "عن أهمية الحرية والديمقراطية".
وشهدت مرحلة الثمانينيات وجود جيل جديد، عاصر موجة الديمقراطية التي اجتاحت أوروبا الشرقية، واستفاد من تراكم انفتاح السادات الاقتصادي والسياسي، والذي لم يكن بمقدور النظام الجديد أن يتراجع عنه أو يقوّض هذه المكتسبات، إذا ما أراد أن يؤسس له شرعية سياسية وقانونية. لم يخلق الإخوان ولم يخلق النظام المصري في الثمانينيات أجواء الحرية والديمقراطية، وإنما كانت طبيعة مرحلة الثمانينيات لاحقة لمرحلة السبعينيات التي شهدت انفراجا نسبيا في الحريات، ومرحلة معاصرة لتحولات إقليمية ودولية، لم يستطع النظام المصري، ولا الإسلاميون، ولا الطلبة الذين كانوا يدرسون في جامعات القاهرة، والإسكندرية وأسيوط النأي عنها أو تجاهلها، بل لم يستطع الجيل الجديد، والشريحة الطلابية التي كان خالد جزءا منها، توقع سواها.
من الخدمة إلى المشاركة
التطور الذي شهدته أنشطة الاتحاد الخدمية كان تطورا مهما وعاكسا لذهنية جديدة، لم تنشغل بتلبية احتياجات تقليدية للطلبة فقط، وإنما أشركتهم في صناعة الخدمات؛ لأن "رأي الجمهور" أصبح عنصرا أساسيا في ذهنية مرحلة الثمانينيات. وانخرط عمرو خالد وزملاؤه الناشطون في الاتحاد في تفعيل وتعبئة الطلبة لملء الاستبيانات، وتقييم الخدمات واقتراح خدمات جديدة.
وينبغي ألا نقلل من مغزى ابتكار أدوات قياس الرأي العام داخل الحرم الجامعي. فقد ظل الحرم الجامعي منذ نهاية السبعينيات وحتى الآن عرضة للتدخل الأمني وتزوير انتخابات الاتحاد، وظلت الدولة تنظر إلى الشريحة الطلابية في المجتمع على أنها مصدر شغب، وهمشتها باعتبار أن أغلبية أعضائها لا يحملون بطاقات انتخابية تؤهلهم لتكوين قوة مساندة للحكومة في انتخابات البرلمان. وبالتالي عندما يلتفت الإسلاميون إلى الطلبة، ويقدمون لهم خدمات لا توفرها الدولة، بل يشعرونهم عبر استطلاعات رأي لم يعتادوا عليها في تنشئتهم السياسية والاجتماعية بأن رأيهم مهم في تطوير هذه الخدمات، فإنه يمكن عندئذ أن نقدّر نفوذ عمرو خالد لدى الطلبة و"الإخوان" عموما في اتحادات الجامعة ومجلس النقابات ومؤسسات المجتمع المدني.
التكنولوجيا والنقلة النوعية
ولا شك أن تكنولوجيا التواصل - الفضائيات، والإنترنت - عززت ثقافة المشاركة الجماهيرية، وجعلت من الصعب على أحد، بما في ذلك الدولة، تجاهل أية شريحة، وأن رواج ماركة "عمرو خالد" في سوق التدين الجديد يرجع إلى أن عمرو خالد نفسه وظف تكنولوجيا التواصل لتسويق إنتاجه توظيفا ذكيا. إلا أن الفضائيات والإنترنت عززتا من ثقافة المشاركة الجماهيرية لكنهما لم يخلقاها، ومن التضليل أن نختزل نجاح خالد في إمكانات التكنولوجيا الحديثة. فكما رأينا أن ثقافة المشاركة تبلورت في منتصف الثمانينيات، وداخل الجامعة تحديدا، بأدوات تبدو لنا اليوم بدائية أو تقليدية لكنها كانت عصرية في زمنها، وتحولت إلى عقلية سائدة بين الإسلاميين والطلبة، جمهور تلك المرحلة. فلما جاءت الفضائيات والإنترنت، كانت ثقافة الإشراك موجودة سلفا، فما كان إلا أن استفادت من فضاءات الفرص التي أتاحتها التكنولوجيا الجديدة.
ولندرك كيف تفاعلت عقلية عمرو خالد التي تكونت في الثمانينيات مع فرص التكنولوجيا الحديثة في الألفية الثانية، دعنا نتكلم عن ذهنية تقديم الخدمات ثم ثقافة إشراك المستفيدين من تلك الخدمات، وأعتقد أن برنامج "صناع الحياة " يمثل نموذجا مثاليا.
إن مغزى "صناع الحياة" يكمن في قيمته "الخدمية" لشريحة الخريجين المهمشة، التي لم تعد تستطيع الدولة أن تستوعبها في القطاع العام، ولا في أجهزتها البيروقراطية المتضخمة، فتحولوا إلى "بطالة" أو أنهم يعملون في غير تخصصهم. وبإمكانية "صناع الحياة" توفير فرص توظيف، ولو لعدد محدود، فإننا أمام جمهور لم يعد مجرد "معجب" بالبرنامج ومقدمه، وإنما "مستفيد" من خدماته أيضا.
إلا أن خدمة التوظيف لا تقدَّم من "أعلى إلى أسفل" وبالطريقة التقليدية التي تتطلب إرسال السيرة الذاتية، ثم تربص خطاب التعيين من القوى العاملة، وإنما من "أسفل إلى أعلى" بإشراك الباحث عن الوظيفة في صياغة وظيفته. ومن هنا فإن قيمة البرنامج التعبوية لجمهور مشاهديه تكمن في هذه الخلطة الخدمية الديمقراطية، أو الخدمة عبر إشراك المستفيد في صياغتها. وهي خلطة نجدها حاضرة بوضوح في خطاب خالد على موقعه الشخصي في الإنترنت: "إخوتنا الأحباء: إيمانا منا بأهمية الإيجابية والتفاعل بين الشباب بعضها البعض، فلقد تم فتح هذه النافذة لاستقبال مشروعاتكم، وأفكاركم، حتى يظهر دور الشباب بشكل مؤثر وفعال ومفيد في خدمة بلادهم. ومن خلال عرض المشروعات تتاح للشباب فرصة اللقاء لتنفيذ الأفكار، أو توفير فرصة للعمل للآخرين"[6].
فمن خلال صياغة فكرة المشروع، يستطيع عمرو خالد فيما بعد، مستفيدا من تكنولوجيا التواصل، أن يجسّر العلاقة بين الباحثين عن وظيفة، وبين رجال الأعمال. وفي كلتا الحالتين، فإن نفوذ "صناع الحياة" وشعبية خالد يكمنان فيما يقدمه، ولو بصورة رمزية، بديلا عن الدولة: إنه يقدم خدمة توظيف الشباب في وقت تقف فيه الدولة عاجزة أمام تفاقم البطالة. والأهم أنه يفعل ذلك بطريقة ديمقراطية. فهو يشركهم في صياغة مستقبلهم، وبجدول زمني يحددونه هم، بدلا عن حالة الإحباط التي تتزايد في نفوسهم، بداية بسنة التخرج ومرورا بسنوات انتظار قرار تعيين القوى العاملة.
اقرأ في هذه الدراسة:
- من كشك إلى عمرو خالد.. الماركة الرائجة
- الروافد الأولى لعمرو خالد
- عمرو خالد والإخوان المسلمون
- عمرو خالد.. التحول إلى "ديمقراطية" الخدمات
[1] مقابلة شخصية مع د. أحمد النحاس، الإسكندرية، 10 يوليو، 2002.
[2] نفس المصدر.
[3] مقابلة شخصية مع د.عمرو أبو خليل، الإسكندرية، 10 يوليو 2002.
[4] مقابلة شخصية مع د. محمد كمال، أسيوط، 6 يوليو 2002.
[5] مقابلة شخصية مع د. محمد كمال، أسيوط، 6 يوليو 2002.
[6] www.amrkhaled.net (دخول الموقع بتاريخ 1 فبراير 2006).


















