عمرو خالد والإخوان المسلمون
كان منتصف الثمانينيات فترة صعود سياسي للإخوان، وذلك بفوزهم بثمانية مقاعد في مجلس الشعب (البرلمان) بالتحالف مع الوفد في انتخابات 1984، ثم بـ 36 مقعدا في انتخابات 1987 بالتحالف مع حزبي "العمل" و"الأحرار". ولم يكن قرار الجماعة بالمشاركة في مجلس الشعب، فضلا عن التحالف مع خصم سياسي علماني قديم هو حزب "الوفد"، قرارا تلقائيا، خاصة بالنسبة للحرس القديم. وطبقا لبدر محمد بدر، أحد الإخوان الذين عملوا بالقرب من المرشد التلمساني، وعاصر هذا التحول: "إن الإخوان، عموم الإخوان، كانوا لا يريدون دخول الانتخابات في 1984، والسبب الرئيسي كان مخاوف البعض من أن تكشف السلطة بعض الإخوان الذين لم يستطع الأمن رصدهم، يعني أن فلانا الذي لم يكن معروفا أنه من الإخوان انكشفت عضويته لما دخل الانتخابات باسم الحركة. واعتبر أن هذا قد يضر بالتنظيم الذي كان لا يزال ضعيفا بعد خروج كوادر الجماعة من السجون".1
بداية الانفتاح على المجتمع
| بدر محمد بدر |
كانت المرحلة العامة إذن في مصر، وفي داخل تنظيم الإخوان، مرحلة انفتاح على المجتمع، والتحرر من كتابات سيد قطب الانكفائية، ونبذ العنف، وبداية صفحة جديدة مع السلطة، وجميعها سياقات مهمة لها علاقة بفهم دور الإخوان في تكوين الوعي الديني لدى خالد وزملائه.
ولا يعرف أحد أيضا كيف انضم عمرو خالد إلى جماعة الإخوان المسلمين، لكن بحلول 1984 اتسعت امتدادات الجماعة في مساجد الأحياء الشعبية ومناطق الطبقة المتوسطة أو عبر اتحاد الطلبة الذي بدأ يسيطر عليه الإخوان باطراد دوري منذ تلك السنة. ويمكن استنتاج أن الانضمام تم من خلال المسجد الذي كان يرتاده خالد في الدقي، محافظة الجيزة، بالقاهرة، منطقة سكنه، أو عبر زميل له في الجامعة.
الأهم أن خالد دخل منتصف الثمانينيات مرحلة هامة في حياته، وهي مرحلة التحرك بين صفوف الطلبة لنشر الوعي الديني بينهم، ولدعوتهم للانضمام لصفوف الجماعة. وبهذه الخطوة، فإن وعي خالد الديني لم يعد مجرد وجدان شخصي، وإنما تمثل في حركة، طورت فيه شخصية "الداعية" التي تنميها الجماعة في أعضائها.
عمرو خالد داخل "الأسرة" الإخوانية
| أبو العلا ماضي |
ويشرف على "الأسرة" مسئول أو "نقيب" يتمتع بمزايا تؤهله لأن يكون قدوة لبقية أعضاء "الأسرة". ويمكن تخيل عمرو وهو يلقي درسا في السيرة النبوية أو يتأثر بتفسير يلفته إليه نقيبه. ويمكن تخيله وهو ينقل شحنته الإيمانية من "الأسرة" إلى الطلاب في اليوم التالي في الجامعة.
وتعرف خالد خلال وجوده بجامعة القاهرة بجيل السبعينيات مثل عصام العريان وأبو العلا ماضي، اللذين تخرجا في الجامعة لكن ظلا على علاقة بالعمل الطلابي عبر مسئوليتهما عن "قسم الطلبة" في الإخوان، وهو القسم الذي كان ينسق سياسة العمل بين الجماعة وطلبة الإخوان داخل الحرم الجامعي.
وعن هذا القسم واحتكاكه بالطلبة من أمثال عمرو يقول أبو العلا ماضي: "كان قسم الطلبة مكونا من ستة أشخاص هم: حلمي الجزار، وعبد المنعم أبو الفتوح، وأنور شحاتة، وإبراهيم الزعفراني، والسيد عبد الستار المليجي، وأنا، وكنا نلف على اتحادات الطلبة في مختلف أنحاء الجمهورية، ونلتقي بقيادات العمل الطلابي في اتحادات الجامعة، وبالطبع كنت أعرف عمرو خالد منذ الثمانينيات، وكنت ألتقيه في الدقي".2
وانخرط عمرو خالد في العمل السياسي بين الطلبة باسم الإخوان، لا سيما فترة مواسم انتخابات مجلس الشعب في 1987، واتحادات الطلاب والنقابات التي تخوضها الجماعة. واستتبع ذلك مزيد من الاحتكاك بالطلبة وإقناع من يحمل بطاقات انتخابية منهم للتصويت لأصحاب شعار "الإسلام هو الحل".
ويبدو أن العمل السياسي لم يكن الخيار المفضل بالنسبة لخالد. فقد أكد أبو العلا ماضي بأن الجانب العاطفي في خالد ظل هو الأبرز في شخصيته، ما أهله لأن ينجح أكثر في "الدعوة الفردية".3
إن شخصية عمرو خالد الراهنة كما قلت لا يمكن فهمها من خلال تأثير قصص جده وأشرطة الشيخ عزت عليه فحسب، وإنما لا بد أن يضاف إلى ذلك تجربته الثرية في تنظيم الإخوان التي عززت من توسيع مداركه، وصقلت موهبته سواء في القراءة في منهج معين، أو في توصيل ما قرأه للآخرين بإلقاء جذاب نماه بالممارسة الأسبوعية في نظام "الأسرة" والممارسة اليومية في الجامعة. وتأكد لي ذلك لما سألت عمرو خالد ما إذا كان يشعر برهبة عندما يلتقي جمهوره عبر كاميرات التلفزيون، قال: "أبدا، لا تنسَ أنني كنت أمارس العمل العام في الجامعة، وكنت أتحدث للطلبة عن الإخوان، وهي قضية كانت صعبة وشائكة. فالحديث اليوم لجمهور أوسع عن الإسلام وليس جماعة محظورة طبعا أسهل".4
اقرأ في هذه الدراسة:
-
عمرو خالد والإخوان المسلمون


















