متدينو فلسطين للدعاة: تحدثوا بلغة الواقع وإلا..!!
الراحة هي ما أبحث عنه
لم يكن من الصعب أن نجد الفئة التي نريد محاورتها، ففي داخل أروقة الجامعات وجدناهم يُحاورون بعضهم البعض في آخر الإصدارات الدينية، وقابلناهم عند أرفف المكتبات ينتقون ما تريد عقولهم، ورأيناهم أمام شاشة الإنترنت تبحث أيديهم عن المواقع الدينية التي تُخاطب فكرهم.
البداية كانت مع الطالبة سوسن شبير التي أخبرتنا أنها تقرأ الكتب الدينية التي تُشعرها بالراحة، وتفسر ذلك قائلة: "هناك العديد من الكتب التي لا أرتاح لقراءتها، خاصة تلك التابعة للتيار الديني الذي يدعو لطاعة الحاكم حتى ولو أخطأ!! لذا فأنا أقوم بانتقاء ما أشتري، حيث أرغب بالكتب الجهادية والكتب التي تمشي على نهج الرسول وتتبعه في كل صغيرة وكبيرة".
شخصية متكاملة
ويعتمد الشاب رأفت المدهون في إثراء ثقافته الدينية على القراءة وشراء الكتب، حيث يقول: "الكتاب يكون موجودا بين يدي، متى أردته أرجع إليه وأتابعه بتمعن، وبالطبع فإن لي توجهي الخاص في القراءة وفكري الثابت، فأنا مع التيار السلفي الجهادي الذي أقرأ له بشغف".
ويستنكر الشيخ أبو مصعب سؤالنا عن اتجاهاته في القراءة، ويتحدث عن السبب قائلا: "شخصية المسلم يجب أن تكون متكاملة لا تخضع لأفكار وتيارات محددة، بل علينا أن نأخذ من كل اتجاه ما هو صائب، ونثري ثقافتنا الدينية. فأنا على سبيل المثال لا أحب أسلوب عمرو خالد في بعض المواقف، ولكن هذا لا يمنعني من أن أستفيد منه أحيانا".
السعودي يكسب
|
|
|
عائض القرني |
وتوافقه الرأي أم عبد الله صالح، حيث تقول: "الأشرطة المصرية كانت رائعة أيام عهد الشيخ كشك، أما الأشرطة السعودية فهي الأفضل الآن، وأنا أحب الاستماع للأشرطة الحماسية الجهادية".
ويعترف أبو خالد أن إذاعة الأقصى (وهي إذاعة محلية مقربة من حركة حماس بغزة، وتقدم للمستمعين الكثير من الخطب والأناشيد الإسلامية) أغنته عن شراء العديد من الكتب والأشرطة، ويُضيف: "أنا أسمع كل ما هو إسلامي بحق، ولا أستمع لمن ينافق ويتلون، وهذا ما وفرته لنا هذه الإذاعة، حيث تسمعنا خطبا دعوية ممتازة، وأناشيد إسلامية خلابة".
يبحثون عن لغة الواقع
التقينا بطارق البنا الذي كان يتصفح أحد هذه المواقع، وبدأ في التحدث إلينا قائلا: "لو سألت الشباب الآن: ما هو مصدركم الثقافي الديني، بلا تردد سيجيب: الإنترنت. فهناك مواقع رائعة في إخراجها وموضوعاتها، والأجمل أنها تخاطب عقولنا".
ولما سألته: ماذا تريد عقولكم؟ ابتسم وأجاب: "نريد ما يعرفنا على ديننا الحق، ونرغب في من يخاطب نداء الفطرة فينا ويحكي عن واقعنا".
وترى لينا المقادمة أن الواقع هو من يخلق الثقافة الدينية، وتحلل وجهة نظرها قائلة: "لقد اختفى التيار السلفي، وتراجعت التيارات الفلسفية، واليوم الثقافة الموجودة هي ثقافة الجهاد، فالواقع الديني يتطلب من الدعاة أن يتحدثوا ويكتبوا بلغة الواقع، وإلا فالكل سيعرض عنهم".
تنوع هائل
في زيارة لأروقة المكتبات بغزة، لمسنا حركة نشطة وواسعة للكتب الدينية من حيث تنوعها الهائل في الموضوعات التي تتناولها، فالعناوين جديدة وعديدة. ولاحظنا في جولتنا أن حركة نشر الكتب الدينية لم تقتصر على التنوع الهائل في الموضوعات فحسب، بل تجاوزته لتصل إلى ازدهار كبير وملحوظ في مستوى الطباعة.
يحدثنا فكري عبد اللطيف -وهو صاحب مكتبة آفاق بغزة- عن ظاهرة انتشار الكتب الدينية قائلا: "من خلال عملي بالمكتبة لاحظت إقبالا شديدا من الوسط المتدين للقراءة، وهذه الظاهرة لم تكن موجودة منذ أعوام، حيث كان الشراء يقتصر على الكتب التي تستخدم للدراسة، بينما اليوم صار الطلب على أسماء عديدة وبعناوين مختلفة للكتب الدينية، وهو ما زاد من حركة الشراء لهذه الكتب وبيعها".
على أساس التخصص والاتجاه
وعن نوعية الكتب الدينية الموجودة على أرضية مكتبته وعن قرائها، أوضح عبد اللطيف لنا بشيء من التفصيل قائلا: "لدينا كل الكتب الدينية من القرآن وعلومه، والفقه وأصوله، وكتب المذاهب والأديان، وكتب التاريخ والقصص والسيرة النبوية، والكتب الفكرية المعاصرة.
أما عن قراء الكتب فيختلفون باختلاف توجهاتهم وأفكارهم، فمثلا جيل الشباب يطلب الكتب الفكرية والروحية والمكتوبة بطريقة سلسة، ككتب نبيل العوضي وكتب عمرو خالد. بينما شيوخ المساجد والكبار من المتدينين يطلبون الكتب المعمقة في أصول الفقه والعقيدة، ويبحثون عن الكتب المعاصرة، أما طلبة الجامعات بكلية الشريعة وأصول الدين فالكتب التي يقومون بشرائها هي من صميم تخصصهم الدراسي".
كتب الجهاد الأكثر مبيعا
ومن جهته أشار فارس إسليم من مكتبة الأمل بغزة إلى أن أكثر الكتب الدينية مبيعا هي الكتب المعاصرة، خاصة تلك الكتب التي تتحدث عن الجهاد وأحكامه.
وبسؤالنا له عن أشهر أصحاب الكتب التي يتم تداولها، أجاب: "الكثير يشتري كتب العلامة يوسف القرضاوي، إضافة إلى الشيخ نبيل العوضي، والشيخ عائض القرني، كما أننا نبيع الكتب الدينية القديمة، كتلك التي تعود للأئمة النووي والسيوطي".
ومن موقعه فقد لاحظ إسليم أن الكتب التي تحمل توقيع الكتاب السعوديين هي الأكثر شراء وتداولا بين القراء.
وعلق مواصلا: "لكل اتجاه وتيار فكره الخاص الذي يجعله يشتري الكتب على أساس هذا الخيار، فالتيار السلفي لا يمكنه أن يقرأ غير الكتب السلفية، والتيار الجهادي يختار العناوين الجهادية، وهكذا...، وهناك فئة تقرأ كل ما يقع تحت أيديها".
أناشيد بدون إيقاع
|
|
|
غلاف أحد أشرطة الإنشاد |
وأوضح أبو شعبان أن شباب فلسطين يطلبون بشدة الأشرطة الداعية للجهاد والخطب السياسية، ومن هذه الأشرطة: "المشتاقون إلى الجنة" لمحمد العريفي، وشريط "الشهيد" لنبيل العوضي.
وأضاف: "أما بالنسبة للأناشيد، فأغلب المتدينين يطلبون الأناشيد بدون إيقاع؛ لذا فالإقبال يكون على الأشرطة الخليجية التي تتميز بالهدوء، وهذا لا ينفي الإقبال على الأشرطة المصرية، خاصة المنشد أشرف زهران، ومحمد نجيب".
نلبي رغبات الجميع
ومن جهته أكد وسام عبد الحق، المخرج بإذاعة صوت الأقصى بغزة، على أن إذاعته تحرص على تقديم الخطب التي تزيد من الوعي الديني والصحوة الإيمانية في نفوس المستمعين، وأضاف: "نحن نقدم الخطب التربوية والإيمانية، والأناشيد التي تُعطي ثمارا طيبة".
وعما إذا كانت عملية وضع الأشرطة عبر أثير الإذاعة تخضع لمعايير، أجاب المخرج عبد الحق: "بالتأكيد كل وسيلة تحرص على أن يكون لها سياستها الخاصة، ونحن بدورنا نتجنب وضع الخطب التي تهاجم وتنتقد أحدا، فنحن لا نسعى لزرع الفتن وتأليب الصراع بين الأحزاب الدينية".
وأوضح عبد الحق أن جُل المستمعين يطلبون الخطب الحماسية والتي تدعو للجهاد، وفي الآونة الأخيرة طلب المستمعون عرض سلسلة الدكتور المصري راغب السرجاني، ويواصل: "وبالطبع نحاول أن نلبي رغبات جمهورنا، وتلبية رغبات جميع الثقافات".
تراجع الأيدلوجيات المنافسة
وفي حوار خاص مع المفكر الإسلامي، ومدير مركز نون للدراسات القرآنية برام الله، الأستاذ بسام جرار، أوضح لنا الكثير من النقاط، وفي البداية حدثنا قائلا: "في السنوات الماضية كانت الكتب الموجودة على الساحة هي الكتب التي يغلب عليها طابع الصراع الفكري والنقاش الفلسفي والعقائدي، بينما اليوم أغلب الكتب الموجودة هي تلك التي تبحث في معرفة الحكم الشرعي لكثير من الأمور، كما أن اختيار الكتب أو وسيلة الثقافة يخضع للشخص نفسه، فمن الطبيعي أن يميل الشباب نحو العاطفة والبحث عن القدوة، بينما الكبار يبحثون عن ما هو معمق".
وعزا أ. جرار التنوع الهائل في الثقافات الدينية إلى سقوط الفلسفات والأيدلوجيات الأخرى، كالشيوعية والماركسية والرأسمالية، وهو ما أدى إلى بزوغ صحوة دينية ونمو التيار الإسلامي الذي نتج عنه قطاعات ضخمة من الاتجاهات التي هي بين أيدينا الآن.
وأضاف: "كما أن المناخ السياسي له بالغ الأثر في طرح هذه الثقافات، ففي ظل الحرب على العراق والعدوان على فلسطين، بزغت أقلام تدعو للجهاد بينما في السابق كانت ترفع الولاء للحاكم والدولة".
الأسماء لا الموضوعات!!
وأشار أ. جرار إلى أن هناك معايير تحفز المتدين نحو اختيار ثقافته، ويتحدث عن هذا المعايير قائلا: "من الطبيعي أن يبحث الإنسان أولا عن أرخص الوسائل التي تمده بالثقافة، وثانيا الإخراج، أي الشكل الذي تُقدم به الثقافة، فالمرء بطبيعته ينجذب نحو ما هو جميل، وهذا ما تستغله بعض الجهات في فرض وجهة نظرها".
وعن تأثير هذه الثقافات تحدث أ. جرار قائلا: "ما هو ملاحظ أن الكثير من المتدينين يختارون ثقافتهم على أساس الأسماء لا الموضوعات، وهذا له سلبياته، فهو يجعل الإنسان المتدين أقل مرونة وأضيق أفقا ووعيا، فالمتدين يجب أن يتميز برحابة الصدر التي تؤهله للاحتكاك بجل الثقافات، فعيشه على ثقافة واحدة تؤطره في دائرة محددة، والمتدين مطلوب منه أن يخوض غمار التجربة ليتعلم ويصل للحقيقة".


















