نيجيريا.. الدعاة "السوبر" في الميزان
ظاهرة جديدة حركت الوسط الدعوي في نيجيريا وبعض البلاد المجاورة، هذه الظاهرة سماها المراقبون "الدعاة النخبويون"، وقد أثارت الكثير من ردود الأفعال في اتجاهات متباينة.
تسميات مختلفة تطلق على هذه النوعية من الدعاة، من بينها "الدعاة السوبر" أو "دعاة خمسة نجوم"، على أية حال، فالمقصود بالدعاة النخبويين هم الدعاة الذين يبدون على نمط غير تقليدي وغير مألوف، ويتمتعون بنفوذ غير عادي في المجتمع بسبب مواقعهم الاجتماعية أو السياسية أو الإدارية، وغيرها من الخصائص الذاتية، مثل المهارات والمواهب والكفاءات، ويستخدمون تلك المواهب والفرص في مجال الدعوة الإسلامية للتأثير على الأشخاص المدعوين.
ويكمن الفارق الأساسي بين هذه النوعية من الدعاة وغيرهم من التقليديين في أن هذه النوعية لها وجه آخر أو وضعية أخرى -في غير مجال الدعوة- تحظى بالاعتبار والقبول في المجتمع.
أدباء وفنانون وقضاة وسفراء
بدأت نماذج من هؤلاء الدعاة تظهر في نيجيريا قبل السنوات العشر الماضية، ورغم أنه لم تتحدد أو تتشكل ملامحها بشكل نهائي نظرًا لحداثتها النسبية، فإنها كانت تبرر لنفسها الأهمية وشدة حاجة الدعوة إليها.
فقد خرجت أصوات تطالب المثقفين الوطنيين من المسلمين بضرورة تفعيل الخطاب الدعوى ليتجاوز الحدود التأثيرية له إلى الوسط النخبوي من أهل الاختصاصات الأخرى وصناع القرار، وتدعو إلى أن تخرج الدعوة من رتابتها وركودها وتبتعد عن الوسائل التقليدية بابتكار وسائل جديدة مقبولة وأكثر جدوى وفائدة في توصيل الرسالة، كما أن تلك الوسائل يجب أن تفرز هي الأخرى دعاة جددًا غير تقليديين.
وكانت المطالبة موجهة إلى النخبة ممن يتولون مراكز ومناصب قيادية لينهضوا بدورهم في الدعوة من خلال الإعلان عن هويتهم الإسلامية، والاعتزاز بها، ومن ثم الانخراط في العمل الإسلامي، على غرار ما يفعله نظراؤهم من المسيحيين.
وكان من الأسماء اللامعة بين هؤلاء الدعاة النخبويين: الأديب والمطرب الشعبي الشهير مسعود لانرواجو، والفنان الممثل الشهير باباوندي، والمحامي الحاج لانري شيث، وخبير القضاء الدولي الزعيم برنس بولا أجيبولا القاضي بمحكمة العدل الدولية سفير نيجيريا السابق لدى المملكة المتحدة.
وعلى سبيل المثال، فقد دخل الأديب الشهير مسعود لانرواجو عالم الدعوة بقوة وشجاعة لتوظيف كامل مهاراته الإبداعية لجذب انتباه الجمهور النيجيري إليه كداعية إسلامي، كما أن الزعيم برنس بولا أجيبولا يعد نموذجا راقيا ومشرفا، وأصبحت منظمته الدعوية من أكثر المنظمات الإسلامية نشاطا، حيث تمتلك العديد من المشاريع الخاصة بالبنية التحتية للدعوة، كما أصبح له نفوذ وتأثير قويان بحكم موقعه ورفعه شعار الدعوة إلى الله.
تداعيات إيجابية للظاهرة
|
مسجد في نيجيريا |
هذا التطور النوعي في الدعوة بدأ يفرز تداعياته وانعكاساته على منظومة العملية الدعوية بشكل عام، سواء فيما يتعلق بوضع الدعاة والعلاقات الارتباطية بين بعضهم البعض، أو فيما يتعلق بمضمون الخطاب الدعوي، إضافة للوسائل والأساليب المتبعة، انتهاء بطبيعة استجابة جمهور المدعوين ومدى التأثير فيهم، ومن بين تلك التداعيات الإيجابية ما يلي:
(1) حظيت الحركة والنشاط الدعويان لهذه الشريحة بالانتشار والامتداد الكبير على المستويين الأفقي والرأسي، فقد استطاعت دعوتها أن تصل وتنتشر في أوساط النخبة التي ينتمون إليها بشكل لم يكن قد أتيح للدعاة التقليديين من قبل.
(2) استقطبت هذه الشريحة جماهير مختلفة من طبقات المجتمع، حيث لاقت دعوتها إقبالا عاما ونوعيا منقطع النظير، فقد انجذبت إليها رموز سياسية وزعامات وطنية وعدد من صناع القرار من رجال الدولة والقضاء وغيرهم.
(3) نجح هؤلاء الدعاة بشكل كبير في استخدام وتوظيف خبراتهم السابقة لتوصيل رسالتهم الدعوية؛ الشيء الذي أضفى بُعدا جديدا ورائعا على العملية الدعوية.
(4) اهتمت هذه الشريحة بالجوانب الجمالية والأطر الشكلية في خطابها الدعوى؛ وهو ما أكسبه قوة إضافية ومزيدا من المساحة التأثيرية، كما أنها لم تعتمد فقط على سرد مجموعة من النصوص والنقولات فحسب، بل لجأت في حالات كثيرة -لدعم مسار البرهنة على خطابها- إلى التطعيم بشواهد ومشكلات واقعية معاصرة.
(5) استحداث المشاريع الاستثمارية لتمويل الدعوة، فقد دخلت العديد من المؤسسات الدعوية التي يديرها بعض هؤلاء الدعاة مجال الاستثمار والتجارة بغرض تأمين مصادر وموارد مالية دائمة، إضافة إلى إنشاء المؤسسات الإسلامية البديلة التي يحاولون بها أن تحل محل المؤسسات المريبة والمشكوك فيها من المؤسسات القائمة على أسس غير إسلامية، مثل مطاعم "حلال"، ومؤسسات أخرى تعنى بالأنظمة الإسلامية في مجال التعليم، مثل مشروع جامعة الهلال للزعيم برنس بولا أجيبولا.. وغير ذلك.
تحفظات لبعض العلماء
مما يجب التنويه إليه أن هذه الشريحة قد عظَّمت من قيمة نظرائهم من الدعاة التقليديين المتخصصين في العلوم الشرعية؛ إذ تحرص على إقامة علاقات تنسيق شبه دائمة معهم، بتكوين لجان وهيئات خاصة لاستشارة العلماء والفقهاء والاستنارة بآرائهم وملاحظاتهم ودمجها مع الاجتهادات الخاصة بهم في بعض الأحيان، وإن كانت تحصل خروقات لذلك في بعض الحالات. وعلى الرغم من ذلك فهناك بعض المخاوف والتحفظات التي يبديها العلماء والدعاة التقليديون من ظاهرة الدعاة النخبويين، من بينها ما يلي:
(1) يعتبر البعض دخول هؤلاء النخبة إلى ميدان الدعوة إلى الله تطفلا على مائدة العلماء، وتحديا جديدا أمامهم، ليس إلا منافسة لهم، كما أنه على المنظور البعيد قد يسحبون البساط من تحت أقدامهم.
(2) يتحفظ آخرون على الطابع الهجومي الذي تتسم به لغة مخاطبة بعض العناصر من هذه الشريحة للعلماء والدعاة التقليديين وشن حملات شعواء على بعض الظواهر السلبية من سلوكياتهم وممارساتهم بأسلوب تهكمي ساخر، مما يصفونه إعلان حرب ضدهم.
(3) ينطلق رفض البعض لدخول هذه النوعية مجال الدعوة إلى الله لأسباب علمية، حيث لم يكونوا قد تأهلوا بالعلوم الشرعية بل أكثرهم لا يجيد القراءة بالعربية فضلا عن القدرة على الرجوع إلى مظان الأحكام الشرعية، فكيف يتصدون للدعوة؟!.
(4) تعاظمت المخاوف لدى الآخرين من أن يكون هذا التحول مجرد محاولات للتستر بعباءة الإسلام لتحقيق مزيد من المكاسب السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها في البلاد، على حساب الدين، رغم أن المعطيات على أرض الواقع لا تعضد هذا الرأي.
وعلى أية حال، يبقى في النهاية أن نؤكد على أن الدعاة النخبويين قد فرضوا وضعا معينا على واقع الدعوة وأوضاع الدعاة، وحققوا لأنفسهم مكانة مرموقة أكثر حيوية وتأثيرا في الوسط الاجتماعي ولدى صناع القرار السياسي في البلاد، على حساب نظرائهم من الدعاة التقليديين رغم تواضع مستواهم العلمي في العلوم الشرعية.
غير أن التحدي الأكبر والأصعب الذي يواجه كلا الطرفين الآن هو كيفية إيجاد صيغة توافقية للاستفادة القصوى من مميزات كل طرف لتعظيم القيمة المضافة للدعوة والعمل الإسلامي.


















