طاحونة.. بلا بذار
إن الداعية الذي كان يومًا ما مفوهًا إذا تكلم، يُشار إليه بالبنان إذا خطط، أو اقترح، أو نفذ، الداعية الذي كان يومًا ما ينثر الدرر، ويأتي بأطيب الكلام وأحسن العِبَر، ويأتي في كل يوم بلون جديد: جديد في الأسلوب، وجديد في الأداء، وجديد في الفحوى والجوهر، وجديد في النشاط، فإنه يبقى في أعين الناس معايشًا للواقع، متماشيًا معه، متدرجًا مع نضوج أذهان وأفهام المجتمع من حوله.
أما من يستبعد الجديد والتغيير، يبقى كطاحونة بلا بذار، يطحن بنفس الأسلوب، ونفس الفحوى، ونفس العبارات والاقتراحات والنشاطات، فتتغير صورته في ذهن من حوله وتتبدل، فقد نضجت عقولهم وأفهامهم، وتوسعت مداركهم، فما صلح لهم بالأمس، أصبح اليوم صالحًا لغيرهم، فإنهم ارتقوا في مكانهم وأفهامهم، ولكنهم ما زالوا يتلقون ما دون حاجة الوقت، وحاجة الواقع، فلن يزدادوا بهذا الجمود والتكرار إلا شعورًا بأن الدعاة يستهينون بنضوجهم، أو ربما يستخفون بعقولهم، فالطفل الذي كان يحبو قد صار يمشي، فلم تَعُد "اللهاية" تشغله عن أن يسأل عن كل غريب حوله وكل جديد يلقاه.
فلنجدِّد العمل، ولنجدِّد كذلك الهمة والنشاط ونوع الخطاب والفحوَى والمخطط، ولنعدِّل الرسومات القديمة بلا تردد ولا استحياء، فما كان بالأمس صالحًا، قد يمسي اليوم غير ذلك.
كما أن من الطحين بلا بذار أيضًا أن تقول ما لا يفهمون،


















