أي قلب يحمله الداعية؟
يقول تعالى: "فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا" (الكهف:6)، يتحدث المولى في هذه الآية عمَّا في قلب الحبيب صلوات الله وسلامه عليه من مشاعر نحو البشر كل البشر.. تجاه الناس كل الناس، فيقرر أن في قلبه جزعًا شديدًا وأسفًا هائلاً، هذا الجزع على أحوال كافرين لا مؤمنين.. على أوضاع مشركين لا موحدين، على وقائع مجتمع بشري تنكَّب الطريق السوي استكبارًا وعنادًا، ومع كل هذا يجزع قلب الحبيب وتأسف له نفسه صلى الله عليه وسلم حتى كاد هذا الجزع أن يُهلك تلك النفس (باخع نفسك، أي قاتل نفسك حزنًا)، وأن يودي بذلك الفؤاد الرقيق.
وا عجباه.. قلوب قُدَّت من صخر، وأكباد غليظة، وطبائع قاسية يواجهها رسولنا صلى الله عليه وسلم بقلب رفيق، ومشاعر رحيمة، تفيض على الكون حبًّا فتملؤه إيمانًا بعد كفر.. وتوحيدًا بعد إشراك، وحبًّا بعد كراهية، وبغضاء وإنسانية بعد أن ارتكست البشرية في حيوانية بغيضة وبهيمية هوجاء.
في هذه الآية السابقة يصف الله رسوله صلى الله عليه وسلم فكيف وصف هو نفسه؟ يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: "إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الذباب والفراش يقعن فيها وأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيها" فها هي نفوس الناس تسارع إلى شهواتها، ولا تعرف أن فيها هلكتها، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبذل قصارى جهده، ويُلْقي بأطواق النجاة، ويتشبَّث بالبشرية أن "اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه"، ولكن عمى الأبصار والبصائر يدفع أصحابها أن تقتحم النار ولا تستفيد من النور.. وأن تَلِج الردى والعذاب ولا تأبه للضوء ينير الطريق، وإمام الدعاة صلى الله عليه وسلم لا ييئس، بل يتعلق بهؤلاء البشر واعظًا وزاجرًا.. بشيرًا ونذيرًا.. متلطِّفًا ومعنِّفًا.. آمرًا ناهيًا.
إن الحب للناس في قلب الداعية هو دافع له على طريق الدعوة، مهما بلغت أشواكها، أو طال أمدها، أو تعددت عقباتها، هو بساط الريح يحمله بين الناس في كل مكان داعيًا ومرشدًا، ويحمله بعيدًا عن آلام الطريق، محلِّقًا في أمل في الإنقاذ والسعادة، وخشية على الناس من التردي والشقاوة.
إن الحب للناس هو الذي يروي بِذْرة الدعوة التي ينثرها الداعية أو قل ينشرها.. هو الذي يتعهدها بالرعاية والعناية.. هو الذي ينمِّيها ويشدُّ من عودها.. إن الحبَّ هو الذي يُورق الشجرة.. شجرة الإيمان وينبت الثمرة.. ثمرة الإسلام، بل والإحسان، يقول أحد الدعاة: "نحب أن يعلم قومنا أنهم أحب إلينا من أنفسنا، وأنه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداء لعزتهم إن كان فيها الفداء.. وأن تزهق ثمنًا لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم إن كان فيها الغناء". ويوجه تلاميذه وأتباعه قائلا: "قاتلوا الناس... بالحب".
ناهيك عن أن الحب للناس هو تأسٍّ بإمام الدعاة في صفته الرحيمة التي وصفه بها مولاه، كما أن الحب للناس هو سير على طريق أبي بكر حين نبَّه عمر -رضي الله عنهما- "الْزَم غَرْزَه"، أي الْزَم طريق رسول الله وسنته، ففيها النجاح في الدنيا والفوز في الآخرة.
فلنتأمل لنتعلم.. ولنتعلم لنعمل.


















