"المسلم العلماني" وليد غير شرعي!
وقد أثار هذا الأمر اهتمام لجنة العقيدة والفلسفة -إحدى لجان مجمع البحوث الإسلامية المصري- ودفعها لمناقشته باعتباره قضية جديدة من نوعها تتعلق بعقيدة المسلمين.
أول من تحدث في هذا الموضوع هو الدكتور مصطفى الشكعة مقرر اللجنة، حيث صدَّر طلبه الذي رفعه إلى أعضاء اللجنة بما لوحظ في بعض القنوات الفضائية من تردد مصطلح "المسلم العلماني"، ووصف البعض نفسه به.
مرفوض عقديًّا
ولقد كان رأي لجنة العقيدة أن الإسلام دين متكامل مكتف بذاته، ولا يحتاج إلى وصف آخر يلحق به، يتردد بين حين وآخر، وعليه فإن مصطلح "المسلم العلماني" مرفوض عقديًّا.
ولكن ما هو رأي بقية العلماء في هذا الأمر؟ وهل المسلم بحاجة إلى وصف العلمانية كما يقول بعض المسلمين في الغرب؟ أم أن الأمر هو مجرد إقحام لمصطلحات من أجل زعزعة الإيمان في نفوس المسلمين، وطمس معالم الهوية الإسلامية؟!.
|
د. طه جابر العلواني |
ويستطرد الدكتور علواني كلامه قائلاً: "إن من يطلقون على أنفسهم المسلمين العلمانيين ينفون وجود الدولة الإسلامية على مستويات، حيث هناك من ينفي وجودها ككيان سياسي، فإذا قال أحدهم بأنه ليس في الإسلام دولة، فإنه يقصد النظام السياسي، ومثل هؤلاء بحاجة إلى حوارات داخلية معهم لكي تتبلور الأمور، لكن المؤسف أن المسلمين في حوارهم ليس لديهم القدرات المناسبة للحوار الداخلي الذي بدأه بعض الإخوة بين التيار القومي بما فيه من علمانيين، وبين التيار الإسلامي من أجل الإصلاح، مؤكدا أنه لا بد من الحوارات كي تتضح الأمور بشكل أفضل لمن يطلقون العلمانية على أنفسهم ويعتبرونها جزءًا من عقيدتهم كمسلمين، وذلك بدلاً من التكفير وإبعاد الآخر؛ لأن التكفير لا يفيد في شيء".
ويركز الدكتور طه جابر العلواني على نقطة هامة في المسألة عند مواجهة من يقولون بالعلمانية مع الإسلام، وهي أنه لا يمكن القول مباشرة إن الإسلام لا يعرف العلمانية؛ لأن الغرب يدعي الآن أنه تعلم العلمانية من فلسفة ابن رشد، ويقول: إنه أخذ يعلم الناس في جامعة قرطبة كيف يفرقون بين الدين والدولة، مشيرا إلى أن هذه الدعوة تعد قضية في غاية الأهمية لا تنتهي برفع شعارات لمواجهة أمر المسلمين العلمانيين، وإنما لا بد من اجتهادات تتابع مسيرة البشرية، وكيف سارت العلاقة بين الشرائع والنظم، مع تحديد عناصر أي مشروع فكري أو نهضوي يكون قادرا على تجنيد كل طاقات الأمة في مواجهة الأفكار والمصطلحات الحديثة التي تستهدف اقتحام العقيدة لدى المسلمين.
ويختتم الدكتور علواني كلامه قائلا: "إنه لا بد أن ننمي الحوار بين المسلمين، بحيث يشترك فيه أهل العلم، وليس أصحاب المشاريع السياسية، مع قوى التيارات الحديثة المتأثرة بالتيارات الحضارية التي اجتاحت منطقتنا، بشرط معرفة الخطوط الحمراء، وغيرها القابل للاجتهاد، مع التركيز على وحدة الأمة لتكون قادرة على مواجهة كافة التيارات التي تجتاح أمتنا".
اعتراف غير مقبول
الدكتور مصطفى الشكعة عضو مجمع البحوث الإسلامية، وأحد المتخصصين في المذاهب والتيارات الإسلامية، يشير إلى أنه لا يمكن قبول العلمانية كجزء من عقيدة المسلم، حيث إن العلمانية ليست منسوبة للعِلم الذي يعد أساسا زيادة لإيمان المسلم كما يعتقد البعض، وإنما هي شيء آخر لا علاقة له بالإسلام، بل إنه يحارب الإسلام، مؤكدا أن البعض يقوم بمحاولات مستميتة من أجل فرض تلك العلمانية على العالم الإسلامي، وأن بعض هذه المحاولات نجحت حيث تحولت بعض الدول الإسلامية إلى العلمانية.
ويضيف: "إن العلمانية يراد من تطبيقها في الأصل محاربة الإسلام بصفة خاصة دون غيره من العقائد، وإن كانت في مجملها ضد الأديان السماوية جميعها؛ لأنها تهمش الدين وتقطع أي علاقة بينه وبين الحياة"، موضحا أنه بناءً على ذلك فإنه لا يمكن الاعتراف بوجود مسلم علماني، وخاصة أن الإسلام نظام متكامل ليس بحاجة إلى إضافات، إلا أنه في الوقت نفسه لا يمكن الحكم على من يقول من المسلمين بعلمانيته بأنه غير مسلم؛ لأنه لا يعلم بقوله بأنه أنكر معلومًا من الدين بالضرورة.
وصف مشتبه
|
الشيخ راشد الغنوشي |
ويوضح أن العلمانية مفهوم متعدد، ولكن ما يتم التركيز عليه فيها حاليا هو أن العلمانية تعني أن الدولة لا تنصر دينًا على دين، بل تجعل كل الأديان متساوية، وهو معنى تستفيد منه الأقليات الدينية في العالم، مشيرا إلى أن السبب في ظهور مصطلح العلمانية بين بعض المسلمين راجع إلى مشكلتنا في العالم الإسلامي، حيث إن الدولة تتدخل وتستغل الدين وتوظفه لصالحها، وتمنع غيرها من أن يقوم على خدمته.
العلمانية هي الحل..
|
الشيخ حسان موسى |
ويضيف قائلا: "لما سبق فإننا كأقليات مسلمة ونظرًا لوجود آليات ديمقراطية، مع هذه العلمانية؛ لأن العلمانية في السويد ترى أنه على الأغلبية أن تراعي الخصوصية الثقافية للأقليات، كما تتضمن بعض القيم الإيجابية مثل: الحرية الشخصية وحرية التدين، والحرية السياسية، لذا أعتقد أننا كأقلية لسنا بحاجة إلى دولة دينية، بل إلى دولة ديمقراطية يحكمها حزب مسيحي. وإن كنا في دولنا العربية نقول: "الإسلام هو الحل"، بحكم أن الأغلبية للمسلمين، فإننا كأقلية نقول: "العلمانية هي الحل"؛ لأنها لو كانت بهذه المفاهيم التي أشرنا إليها، فإننا من خلالها نستطيع أن نؤكد على مبدأ أننا في مجتمع متعدد الأعراق والثقافات والأديان، يحترم فيه الجميع بعضهم: "لكم دينكم ولي دين".
ومن خلال ما سبق يتضح أن هناك شبه إجماع على رفض إلحاق المسلم نفسه بالعلمانية عقديا، باعتبار العلمانية في كثير من جوانبها تخالف العقيدة الإسلامية، إلا أن الموقف يختلف عندما يفرض الواقع على الأقليات المسلمة التعامل مع العلمانية في البلاد التي يقيمون فيها، حيث تغدو العلمانية في تلك الظروف هي الحل والمنقذ بالنسبة لهم، ليستطيعوا البقاء في هذه المجتمعات.


















