الليبروإسلاميون.. الدعاة الجدد في السعودية *
شهدت السنوات القليلة الماضية في السعودية ظهور اتجاه جديد ممثل بشخصيات إسلامية وليبرالية سابقة من السنة والشيعة تدعو لتغيير ديمقراطي ضمن إطار إسلامي، من خلال إعادة قراءة المذهب الوهابي الرسمي.
وقد تمكنت هذه النخبة من المفكرين من إثبات وجودها على الساحة المحلية من خلال سلسلة من البيانات والعرائض، حتى إن مشروعهم لقي تجاوبًا داخل العائلة المالكة نفسها. وبالفعل فقد اتخذت الحكومة منذ ذلك الوقت عدة خطوات تمهيدية باتجاه الإصلاح السياسي والديني. ولكن هل يعني هذا أن السعودية على وشك دخول حقبة ما بعد الوهابية؟
سيلقي هذا الملف الضوء على ظاهرة جديدة في السياسة المحلية السعودية، وهي ظهور تيار يضم شخصيات إسلامية وليبرالية سابقة من السنة والشيعة تدعو لتغيير ديمقراطي ضمن إطار إسلامي من خلال إعادة قراءة أسس المذهب الوهابي الرسمي للمملكة.
ثلاثة اتجاهات
شهدت الساحة الفكرية السعودية منذ نهاية التسعينيات سلسلة من التطورات الداخلية التي أدت إلى انقسام عناصرها الإسلامية السنية إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية:
* الاتجاه الأول مكوّن من الأعضاء البارزين في تيار الصحوة الإسلامية السابق الذين كانوا يمثلون المعارضة الإسلامية في بداية التسعينيات (مثل سلمان العودة وعائض القرني) والذين قرروا الابتعاد عن القضايا السياسية المحلية، وحصر نشاطهم بالحقل الديني. وبعبارة أخرى هم الذين تم استيعابهم من قبل الحكومة السعودية، واستخدامهم كبديل لهيئة كبار العلماء التي تعرضت شرعيتها ونفوذها لضربتين قاصمتين: أولاهما بقيام حرب الخليج الثانية وقبولها بوجود القوات الأجنبية في البلاد، وثانيتهما بموت اثنين من أكثر أعضائها احتراما وهما الشيخ ابن باز (عام 1999م) والشيخ ابن عثيمين (عام 2001م).
* الاتجاه الثاني يتكون من الإسلاميين الذين اختاروا أن يخوضوا غمار الدعوة السلفية الجهادية العالمية، كمناصرين ومنظِّرين ومتحدثين باسم هذه النزعة المتطرفة الجديدة.
* أما الاتجاه الثالث فيضم أولئك الذين اختاروا خطًّا وسطًا، وهم محور هذه الدراسة.
إصلاح سياسي بصبغة إسلامية
بدأ هؤلاء المفكرون والناشطون منذ عام 1998م بإعادة صياغة دعوتهم الهادفة إلى الإصلاح السياسي بنمط إسلامي ديمقراطي، موجهين في الوقت نفسه انتقادات غير مسبوقة للمفاهيم الوهابية، ومشددين على ضرورة التلازم بين الإصلاح السياسي والديني. وعلى هذا الأساس تمكنوا من إقامة تحالف مع عناصر من غير الإسلاميين السُّنة في الساحة الفكرية السعودية، وهم الليبراليون والشيعة، وخلق منبر سياسي وطني ديمقراطي مناهض للوهابية، محدِثين بذلك اتجاهًا جديدًا على الساحة السياسية الفكرية السعودية.
ولهذا فإن هذه النزعة تعتبر فريدة من نوعها لجِدة مضمونها الديني والسياسي من جهة، وللتنوع الكبير في خلفيات مناصريها، سواء من جهة التفاوت الصارخ الجيلي المناطقي الفكري بينهم؛ مما يعكس نوعًا من التنوع القائم في المملكة.
وبينما يصنف بعض هؤلاء المثقفين أنفسهم على أنهم وسطيون (من دعاة الوسطية) أو "تنويريون" أو حتى "عقلانيون"؛ فإن معظمهم يتفق على تعريف أنفسهم بـ"الإصلاحيين"، أو كما صاغها عبد العزيز القاسم في مارس 2003م: "مجموعة من الإسلاميين الليبراليين" أو "الليبراليين الإسلاميين". ولهذا فسوف نستخدم هنا تعبير "الإصلاح الليبروإسلامي"؛ وذلك لتخصيص الإطار الفكري لهذا الاتجاه الجديد. وسنشير للمنادين بها بـ"الليبروإسلاميين".
11 سبتمبر نقطة تحول وانطلاق
ليس هناك شك بأن هجمات 11 سبتمبر 2001م المؤلمة كانت محفزًا لهذا التيار الإصلاحي "الليبرو إسلامي". فقبل ذلك التاريخ كان هؤلاء المثقفون يعبرون عن آرائهم بشكل غير رسمي في الديوانيات الخاصة ومنتديات الإنترنت والمقالات الصحفية، ولكن على أثر تلك الهجمات قام هؤلاء باستغلال المناخ السياسي الجديد السائد في المملكة لخلق إجماع أوسع لدعم توجهاتهم ولتحويل طموحاتهم إلى بيانات وعرائض سياسية، توجت بتلك العريضة التي تم تقديمها إلى ولي العهد الأمير عبد الله في يناير 2003م.
ولهذا فإن الخطوات الإصلاحية التي اتخذها ولي العهد الأمير عبد الله في 2003م - ومن أهمها تنظيم مؤتمر للحوار الوطني والإعلان عن انتخابات بلدية جزئية- أتت نوعًا ما كاستجابة لهذه المطالب المحلية، ولا يمكن اعتبارها بأي شكل من الأشكال نتيجة للضغوط الأمريكية فقط.
إن دراسة هذه الاتجاه "الليبرو إسلامي" سيلقي الضوء على الأبعاد الداخلية لمسيرة الإصلاح السعودية التي يصفها الكثير من المراقبين بشكل مغلوط على أنها خارجية المنشأ بالكامل.
ولإعطاء القارئ نظرة أوضح عن هذا الاتجاه سنبدأ برسم صورة فكرية لعدد من الشخصيات البارزة التي تمثل العناصر الأساسية لهذا التيار، ومن خلال ذلك سنبرز الطبيعة المتباينة الاجتماعية والفكرية له، وفي الوقت نفسه تماسكها الأيديولوجي.
ثم سنتفحص الظروف التي سمحت بظهور هذا الاتجاه، ونحلل كيف شكَّل تدريجيًّا مضمونًا سياسيًّا متكاملا يهدف إلى احتضان الحقل الفكري السعودي برمته.
وأخيرًا.. سنقيِّم بإيجاز الأهمية السياسية لحركة الإصلاح "الليبروإسلامي"، وسنحلل كيف تعاملت الحكومة السعودية مع هذه الظاهرة الدينية السياسية الوليدة.
تابع في هذا الملف:
- الليبروإسلاميون.. الدعاة الجدد في السعودية
- الشخصيات البارزة في التيار الليبروإسلامي
- ظروف نشأة التيار الليبروإسلامي وتطوره
- "الليبروإسلامي".. تساؤلات المستقبل الضبابي
* إن نشرنا لهذه الدراسة لا يعني اتفاقنا مع كاتبها في كل ما ذهب إليه من أفكار أو إطلاق لمصطلحات، وإنما يأتي النشر مواكبة مع التغييرات التي تحدث في المناخ السعودي ومحاولة منا لرصد ما يتعلق بهذه التغييرات.


















