أبعاد غائبة في خطبة الجمعة
ولخطبة الجمعة إذا تميزت بخصائص معينة -أهمها أن يكون موضوعها أقرب إلى واقع حياة الناس- الأثر العميق في تشكيل الفكر والسلوك، وبالتالي القدرة على أن تسبق إلى عقولهم بالحق سبقا، خصوصا أن حضور الخطبة فرض عين على كل مسلم بالغ عاقل. فيحضرها المسلمون كلهم: الكبار، والصغار، والرجال، والنساء، والحاكم، والمحكوم، فينصت الجميع إلى كلمات الخطيب على سبيل العبادة دون كلام في كل بلاد الأمة الإسلامية في يوم واحد، مما يهيئ لها فرصة سانحة لتقديم بضاعة تفيد الناس في دنياهم وأخراهم، أي ما يحتاجه الناس، وما يمس حياتهم، سواء ما يتعلق بأمر الإيمان، أو بالشئون الأسرية والاجتماعية، أو السياسية، أو العسكرية، أو الإعلامية.
من النمطية إلى التأثير
يعاني منبر الجمعة من تراجع دوره التربوي والإعلامي في الوقت الراهن لأسباب عديدة موضوعية، منها: إلحاق المساجد بوزارات الأوقاف، وفرض خطاب معين على الخطباء، مع عدم قدرة هذه الوزارات على توفير الخطباء المخلصين المتفانين لعشرات الآلاف من المساجد التي تم إلحاقها من جهة، ثم ندرة الخطباء النجباء المثقفين المخلصين، وتراجعهم أمام خطباء يملئون خطبهم المطولة بالسجع المتكلف، والروايات التاريخية والتراثية المشكوك فيها، والتي لا يستوعبها العقل ولا الحس الإيماني من جهة أخرى، ناهيك عن التكرار المستمر، والانتقال بين المساجد للحديث عن موضوع واحد، وتناول مشكلات الناس وهمومهم بطريقة إما تتسم بالسطحية والارتجال، أو تركز على الأمور الخلافية بما يثير الشحناء والبغضاء والحساسية، وكل هذه مسامير في نعش حياة الخطيب الخطابية.
هذا طبعا بالإضافة للأسباب الذاتية التي تتمثل في معدن الخطيب نفسه، وثقافته، وطريقة أدائه.
وبالرغم من هذه العوامل التي أثرت سلبا على خطبة الجمعة، إلى الدرجة التي لم يتغيب معها فقط دورها التربوي، وإنما أيضا دفعتها إلى المشاركة في إنتاج أبعاد واقع معاش، يتسم بالجمود والتخلف، من خلال تناول عناوين تعبر عن أجندات تابعة أو مفتعلة. ورغم ذلك فإن هناك منابر ما زالت تؤدي وظيفتها على الوجه الأكمل من خلال الخطباء، وقادة الرأي المخلصين والمثقفين، ممن لديهم الموهبة والمعرفة بشروط الخطبة المؤثرة التي تتعلق بالإعداد الجيد، والأسلوب الملائم، والبناء المنطقي، والأداء، ومراعاة احتياجات المجتمع... إلخ.
ولعل من أهم هذه الشروط هو محتوى الخطبة ومضمونها الذي لا يركز فقط على النواحي التعبدية والعقدية -رغم أهميتها-، وإنما أيضا على المشكلات المجتمعية السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية التي أصبحت حاضرة بقوة على اعتبار أن الدور الفعال للمنبر يرتبط بالقدرة على تنمية الضمير، وتغيير السلوك.
وإذا كان بعض الخطباء يقْصرون مفهوم الموعظة يوم الجمعة على التخويف والزجر، أو على الترغيب، ويقحمون الأحداث المعاصرة بطريقة فجة عليها، بما يؤدي إلى توجيه اللوم لهم، فإن أصحاب الخطبة الفعالة والمؤثرة يعتبرون أن الوعظ هو كل ما أوصل إلى التذكر، وتصحيح الخطأ في كل شأن من شئون الناس الدينية الدنيوية، وهم لا يعدون الخطبة من كتاب للخطب ليلة الجمعة أو يومها، وإنما يمتلكون فقه الدين، وفقه الواقع معا، بمعنى التميز في العلم الشرعي، والاطلاع على مشكلات مجتمعهم وهمومه، ويتمتعون برؤية استشرافية مستبشرة تجعلهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بالشروط المعتبرة والواجبة، كما أنهم ينشغلون بكل كلمة تنطلق من فوق المنبر.
يقول ديل كارنيجي في كتابه "فن الخطابة" في هذا السياق: "حدد موضوعك مسبقا حتى يتسنى لك الوقت للتفكير به مرارا، فكر به طيلة سبعة أيام، واحلم به طيلة سبعة ليال، فكر به أثناء خلودك إلى الراحة، وفي الصباح، وفي طريقك إلى المدينة، أو بينما تنتظر المصعد، وعندما تكوي الثياب، أو حين تطهو الطعام، وناقشه مع أصدقائك، واجعله موضوع حديثك، واسأل نفسك جميع الأسئلة الممكنة التي تتعلق به".
وإذا وُجِد في كل مسجد مثل هؤلاء الأئمة الأكْفاء الذين لهم القدرة على التأثير في الناس بالخطبة والموعظة، وعندهم علم يفيد المتعلم والمستفتي، واطلاع على قضايا الناس الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، أي أنه فقيه بقضايا العصر ومشكلاته، مخلص لله في عمله، محب لقضاء حاجات الناس، متودد لهم، يسارع في جمع كلمتهم، وحل مشكلاتهم، سيكون محور كافة شئون الناس، يلتفون حوله، ويتعلمون على يديه، ويسارعون إلى سماع خطبته، ومحاضرته، يلجئون إليه، ويسترشدون برأيه.
السياسة في خطبة الجمعة
ترتبط المشاركة السياسية بالمسئولية الاجتماعية التي تقوم على أساس الموازنة بين الحقوق والواجبات، لذلك فهي سمة من سمات النظم السياسية التي تزدهر فيها الحريات، كما أنها لا تعني المعارضة على طول الخط، وإنما تعطي الأفراد الحق في الرقابة على المسئولين ومحاسبتهم من جهة، وتدعيم الفكر الحكومي بكثير من الآراء الصالحة التي لم تتأثر بتقاليد البيروقراطية بما يفتح الميادين للعمل والخدمات والنشاط من جهة أخرى.
ومن الملاحظ انخفاض درجة المشاركة السياسية لدى الخطباء، وانعدام الجانب السياسي من خطبة الجمعة، اللهم إلا من بعض الانفعالات الغاضبة التي تعمق التعصب أو الاجتهادات الخاصة التي تكون عرضة للخطأ والصواب، أو التصدي للقضايا السياسية والمستجدات الوطنية والإسلامية دونما تعمق أو اطلاع.
ويجد الخطيب نفسه مضطرا للحديث في مختلف المستجدات السياسية لعدة اعتبارات تتعلق:
أولا- بأن التحدث في كل قضية تحمل بعدا سياسيا واجب على أساس أن خطبة الجمعة تتطرق إلى مصلحة الناس.
وثانيا- لأن الإسلام لا يعرف هذا الفصل بين الدين والدنيا، فهو دين ودولة، نظام ومجتمع، ومنهج حياة، أحكامه تنظم شئون الناس في الدنيا والآخرة.
وثالثا- لأن الوطن والأمة الإسلامية يموجان بأحداث ساخنة ومضطربة والعقل المسلم يعاني من تحليلات الإعلام الغربي المهيمن أو البراجماتيين المتلونين، وينتظر الكلمة الصادقة من خطيب يدرك أمانة الكلمة ومسئوليتها.
وليس المطلوب من الخطبة التحليل والتعمق في المستجدات السياسية المختلفة، وإنما التركيز على بيان القضية، والأخبار الصادقة عنها، والمنهج الشرعي في التعامل معها، أو الحكم عليها، فعلى سبيل المثال في قضية التعامل مع الآخر الديني، ينبغي بيان ضرورة أن يكون التعامل السياسي معه على أساس من القيم الإسلامية التي تأمر بالقسط والبر معه، إذا كان مواطنا في الدولة، وتحرم موالاته في حالة اعتدائه على الأرض الإسلامية، كما في الحالة الصهيونية في فلسطين، والحالة الأمريكية في العراق وأفغانستان؛ لأن الموالاة هنا تفقد الإنسان إيمانه، ولا تلتقي مع الإسلام.
وهناك قضايا عديدة على هذه الشاكلة تحتاج إلى وقفات في خطبة الجمعة على نفس المنوال، لعل منها: الحكم في الإسلام، الشورى، الحرية والاستبداد، الهدنة، الحرب، الإرهاب، إضراب الأسرى، إكرام الأسرى في الإسلام... إلخ، ومن الأهمية في هذا الإطار أن تتوافر لدى الخطيب الرغبة في الإلمام بهذه القضايا، والوعي بها فضلا عن البحث فيها داخل الكتب أو على شبكة الإنترنت.
ومن المراجع المفيدة في هذا الشأن: كتابات الماوردي (سلوك المالك في تدبير الممالك، السياسة الشرعية في أحوال الراعي والرعية)، والشاطبي (فقه المقاصد)، والقرضاوي (السياسة الشرعية)، وبعض الموسوعات السياسية مثل: (الموسوعة السياسية الكويتية) وغيرها التي يمكن الحصول على قائمة بها من المكتبات العامة.
ولا يكفي الخطيب دراسة هذه الكتب، فيلزم الاطلاع على واقعه من خلال قراءة الصحف، والدراسات، والكتب التي تتناول القضايا المستجدة، وقضايا المسلمين المختلفة حتى يتسنى له الفهم الدقيق بما يعينه على تقديم فكرته وإفادة جمهوره وإقناعه.
الخطبة والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية
في بحث عن أثر خطبة الجمعة في مصر (طبقا لموقع Islamdoor.com) أفاد 78% من العينة أنهم يتأثرون دائما بما يقوله الخطيب، و71% أنهم يلتزمون دائما بما يقوله الخطيب، وتم الاتفاق مع أحد الخطباء على أن يخطب عن الربا، وأجرى استفتاء قبل الخطبة، وبعدها، فكانت النتيجة أن 85% كانوا يعرفون المفهوم الصحيح للربا، وبعد الخطبة ارتفعت النسبة إلى 97%. و33% كانوا يعرفون عقوبة الربا، وارتفعت إلى 94%. و50% كانوا يفضلون الاستثمار في البنوك الإسلامية وارتفعت إلى 64%. و34% سينصحون الآخرين بترك الربا، و31% سيقاومون أي عمل ربوي.
وتعكس هذه النتائج دور خطبة الجمعة ليس فقط في المعالجات الإسلامية للقضايا والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، ولكن أيضا طرح ما يستجد من هذه المشكلات والمساهمة في حلها وفقا للمرجعية الإسلامية؛ إذ لا يمكن للمنبر أن يتخذ موقفا محايدا منها على اعتبار أن هذا يناقض وظيفة الخطبة، فضلا عن وجود تأثيرات سلبية خطيرة نفسيا، واجتماعيا، واقتصاديا.
والتصدي لمثل هذه المشكلات هو من صميم خطبة الجمعة؛ نظرا لأن الخطيب في هذه الحالة يقوم بفريضة "الحسبة" التي تعادل فريضة الجهاد في سبيل الله، فالأولى مجالها الداخل، والثانية مجالها الخارج.
وحتى يحصل الخطيب على دور فعال في مواجهة هذه المشكلات يلزم اطلاعه على الكتابات التأصيلية لمفهوم الحسبة، وعلى أساليب الأصول المنزلة -القرآن والسنة- في علاج تلك المشكلات، فضلا عن مسيرة السلف الصالح في مواجهة المشكلات الاجتماعية والاطلاع على الدراسات المعاصرة التي تفسر أسبابها، وتطرح حلولا لها، أو توضح كيفية التطرق لها.
رابطة محلية للخطباء
ومن المقترح في هذا الإطار إنشاء رابطة لأئمة المساجد في المناطق المختلفة تتولى طرح القضايا والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن تناولها في خطب الجمعة، والتي تكون ذات صلة بالأحداث التي جرت خلال الأسبوع في المنطقة، أو القرية، أو القطر، أو بلدان المسلمين مثل: الزكاة والربا، الكيل والوزن، الزنا، عقوق الوالدين، قتل البشر لأتفه الأسباب، مشكلات الجيرة... إلخ.
وهذه الرابطة يمكنها تفعيل الخدمات الاقتصادية والاجتماعية التي تقدمها بعض المساجد، وجمع الزكوات والصدقات، وإنفاقها في المجالات التي تخفف أعباء الأزمة الاقتصادية، فضلا عن أنها سوف تتجاوز نقص المعرفة لدى الخطباء من خلال البدء في تدريس التوجهات الإسلامية فيما يتعلق بعلاج هذه القضايا والمشكلات، على أن يكون تدارس هذه التوجيهات خطوة أولى لدراسة المشكلات المستجدة على أيدي متخصصين يقومون بتدريس منهج ميسر للخطباء يعالج المفاهيم والقضايا الاقتصادية والاجتماعية بلغة عصرية سهلة بعيدة عن التعقيدات.


















