أرسل لصديق ||

بين الشمولية والتخصص

Image
هل يلزم من فهم الإسلام بشموله واستيعابه لكافة مناحي الحياة على المستوى النظري أن تقوم كل جماعة عاملة في ميدان الدعوة بتطبيق ذلك على المستوى العملي ؟! 

وبمعنى آخر: هل يلزم بالضرورة أن تقوم أي جماعة أو جمعية عاملة في ميدان الدعوة للإسلام بخوض كافة الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ 

وهل يمكن على المستوى العملي أن تقوم جماعة بكل هذه المهام؟ فتخوض المعترك السياسي كحزب سياسي، والمعترك الاقتصادي بإنشاء مؤسسات اقتصادية، والمعترك التربوي بإنشاء معاهد تعليمية، والميدان الاجتماعي بالعمل على النهوض بالمجتمع وتقديم وسائل المساعدة لأبنائه وإقالة عثرة المتعثر.. 

أم أنه من الأفضل للحركة الإسلامية في عصر تعقدت مجتمعاته وتشعبت مؤسساته وأصبحت الدولة المعاصرة فيه دولة مؤسسات لا أفراد، وتقدمت العلوم الاجتماعية تقدما جعل محاولات التغيير التي لا تبنى على علم صحيح بالواقع المجتمعي ودراسة التأثير فيه محكوما عليها بالفشل..

هل من الأفضل في ظل ذلك أن تؤثر الحركة الإسلامية عنصر التخصص فتعمل كل "جماعة" أو "جمعية" على الارتقاء بجانب من الجوانب.. فهذه تهتم بإصلاح الفكر، وتلك للارتقاء بالأخلاق، وثالثة للنهوض بمؤسسات المجتمع الخيرية، ورابعة تشكل حزبا سياسيا، وخامسة للتخصص في الجانب التربوي فتعمل على تربية جيل مؤهل للتغيير، وسادسة تعمل على إحياء العلوم الشرعية وتيسير التراث، وسابعة تهتم بالقرآن الكريم تعليما وترتيلا وتفسيرا، وثامنة تهتم بالفكر المناهض للإسلام والتصدي للرد عليه، وتاسعة تعمل على نشر الإسلام في المجتمعات الغربية، وعاشرة تهتم بأمر الأقليات المسلمة في الدول غير الإسلامية و… هكذا تتعدد الجماعات وتتوزع الاختصاصات فيكون التعدد ثراء وقوة لا وبالا ونقمة؟ 

هل من الأفضل ذلك أم أنه بوسع جماعة واحدة أن تقوم بذلك كله فتضرب في كل ميدان بسهم يصيب أو يخيب، وكذا تعمل سائر الجماعات أو الجمعيات كل يضرب بسهامه في كل الاتجاهات إعمالا لما يظن البعض خطأ أنه تطبيق للإسلام بشموله وعمومه؟! 

وهل يمكن من الناحية العملية أن تضرب جماعة واحدة بأسهمها في كل هذه الاتجاهات أم إن ذلك أمر لا تقوم به إلا دول بمؤسساتها وإمكاناتها؟!

 وقفات للمراجعة

للإجابة على الأسئلة السابقة نقف الوقفات التالية:  

أولا: فهم الإسلام فهما صحيحا كدين يستوعب جميع جوانب الحياة سياسية واقتصادية وأخلاقية وغيرها لا يلزم منه بالضرورة أن يكون الجانب التطبيقي مستوعبا لكل هذه الميادين، فهناك فرق بين "شمول الفهم" و"شمول العمل".

فالأول أمر فكري نظري والثاني علمي تطبيقي. كما أن الفرد كفرد لا يلزم من كونه يفهم الإسلام أن يخوض كل ميادين الحياة فيشارك في حزب سياسي ويبني مؤسسة اقتصادية ويشارك في معهد تعليمي ... إلى غير ذلك، بل إن كل إنسان سيبرز فيما يسره الله سبحانه له عالما ومعلما، أو اقتصاديا مبرزا، أو سياسيا محنكا كما كان الصحابة رضي الله عنهم، فلم يكن خالد بن الوليد بكل عبقريته العسكرية مبرزا في النواحي العلمية أو الفقهية، ولم يكن حسان بن ثابت شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم ذا شأن في أمور الحرب ... وهكذا.

كما أنه على مستوى الفرد لا يلزمه من فهم الإسلام بشموله ألا يُخصص في الميدان الذي يحسنه. كذلك على مستوى "الجماعات" لا يلزم من تبني جماعة لفكرة أن الإسلام دين يستوعب كافة ميادين الحياة لا يلزم من ذلك أن تخوض الجماعة نفسها كافة هذه الميادين لتبرهن على شمولية الإسلام، بل يمكنها أن تتخصص في جانب تحسنه مع احتفاظها بالفهم الصحيح. 

ثانيا: إننا لا نحسب أبدا أية جماعة من الجماعات العاملة في ميدان الدعوة تفصل بين الدين وأي من جوانب الحياة، ولكن بعض هذه الجماعات آثر – كما أسلفنا- لسبب أو لآخر أن يقصر عمله على جانب من الجوانب التي يرى أن المسلمين يحتاجون إلى النهوض بها، إما لأنها أهم من غيرها في نظر هذه الجماعة، أو لأنها تحسن أن تؤدي في هذا الجانب، ولكن لا يمكن أن تنسب إلى أي جماعة أنها تبنت فكرا يفصل الدين عن الدولة أو عن الاقتصاد أو عن أي من جوانب الحياة، ومن ثم فالجميع تقريبا يتفق في الإيمان بكون الإسلام دينا جاء ينظم وجود الإنسان على هذا الكوكب بكل ما يتعلق بهذا الوجود.  

ثالثا: إننا نرى أنه من الناحية العملية فإنه في ظل المجتمعات المعاصرة بكل تعقيدها سيصعب إن لم يستحل على أي جماعة أن تعمل في ميادين عديدة وأن يكون لها عطاؤها في الميدان السياسي والفكري والاقتصادي والتربوي وغيرها مما أصبح له في الدولة المعاصرة مؤسسات ذات إمكانات تقوم عليه.

رابعا: من الأفضل للحركة الإسلامية بفصائلها المتعددة أن يتخصص كل "فصيل" فيما يحسن أن يعطي فيه، ذلكم أن المجالات التي تحتاج إلى النهوض بالأمة عديدة فالأمة لم تصب فحسب بمصيبة انهيار الخلافة في ميدان الحكم والسياسة بل الأدق أن ذلك جاء نتيجة لانهيار الأمة في جوانب أخرى أهمها الجانب الفكري والعلمي وفقدت العقلية الإسلامية أبرز مزاياها من التوهج والإبداع ومحاربة الخرافة، فأصبحت عقلية سمتها الجمود ومنهجها التقليد، وسيطرت عليها الخرافة وابتعدت تماما عن روح التحرر التي تميزت بها في عصر ازدهارها. 

والأمة اليوم تحتاج لأن تستعيد مجدها بأن تعيد للعقل المسلم روح توهجه وإبداعه، وأن تحرره من القيود التي كبلته والخرافة التي سيطرت عليه وهذه بذاتها مهمة عظيمة لئن كرست جماعة نفسها لأجلها فذلك- لعمري- أمر عظيم وحسب أي جماعة فخرا أن تتقدم فيه خطوات وهي – حينئذ- لا ينبغي أن يتوزع جهدها في ميادين أخرى وتترك لغيرها من الفصائل أن تقوم به. 

خامسا: إن التجربة أثبتت أن الجماعة التي تخوض ميدان السياسة وتوليه اهتمامها سوف يصعب عليها أن تهتم بالميادين الأخرى كالتربية والتعليم والجوانب الفكرية، ذلكم أن السياسة لها بريقها وزخرفها وقوة جذبها التي تطغى على قوى جذب غيرها من المجالات، فأي نصر سياسي ثمرته سريعة وملموسة، تراه الجماهير ويستشعر  أفراد الجماعة التي أحرزت هذا النصر أنهم قدموا به شيئا، وهذه الثمرة أمام أعينهم. أما تخريج عالم أو مفكر أو تغيير عرف أو ثقافة فذلك يحتاج إلى سنوات طوال وثمرته لا تظهر في الحال؛ الأمر الذي جعل الجماعات التي خاضت معترك السياسة لم تستطع قط أن تحدث موازنة في اهتماماتها الأخرى. وإذا أخذنا "الإخوان المسلمون" في مصر كدراسة حالة فسترى بوضوح أنه ما إن دخلت الجماعة معترك السياسة حتى طغت على الجوانب الأخرى، وقل الاهتمام بالتربية؛ الأمر الذي هو هدف الجماعة الإسلامية كما قال مؤسسها، وبعد أن كان يقوم بنفسه على أمر تربية الأفراد معلما ومربيا ناقلا لهم العلم والروح انشغل هو ومن معه عن ذلك، وشد الجميع بريق السياسة التي وإن كان لها انتصاراتها وتضاعفت بسببها الجماعة عددا لا عُدّة وكمًا لا نوعا فإنها كان لها تأثيرها السلبي على جوانب التربية والتعليم والتغيير الهادئ، ولذا كان من آخر ما قاله حسن البنا رحمه الله "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لتمنيت أيام المأثورات" أي أيام التربية الهادئة المتأنية العميقة. والشاهد من تجربة الإخوان أن المؤمن بين الاهتمام السياسي وغيره من الميادين الأخرى أمر غير ممكن من الناحية العملية، وأولى بالجماعة أن تحدد ميدان عملها المفضل لتنهض بالأمة من خلاله. 

سادسا: إن الله سبحانه وتعالى أمر الأمة "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا" وهذا الأمر يحمل ضمن ما يحمل من معان أمرا للأمة بأن تتكامل جهودها وتتضافر ويضاف بعضها إلى بعض حتى تكون المحصلة هي مجموع هذه الجهود.

ذلكم أنه كما يتنوع الأفراد في مواهبهم فينبغ كل في ناحية كذلك قد تتباين الجماعات فتحسن هذه ما لا تحسن تلك، وتنبغ هذه فيما لا تستطيع تلك. ولما كانت مناحي الحياة كثيرة وأبواب الإسلام عديدة فإن من الأفضل للأمة أن تتخصص كل جماعة في أمر من هذه الأمور وميدان من هذه الميادين وتتكامل هذه القوى ويكون ذلك تطبيقا لأمر الله تعالى بالاعتصام. 

إذ لو عملت كل جماعة فيما تعمل فيه الأخريات لجاءت المجهودات متكررة والمحصلة ضعيفة. إنها حينئذ أشبه بعدة قوى كهربية تعمل على التوازي فإذا محصلتها تساوي إحدى هذه القوى.

أما في حالة تعدد ميادين العمل فإن القوى يضاف بعضها إلى بعض وتكون شبه قوى كهربية موصلة على التوالي محصلتها تساوي مجموع هذه القوى ويتحقق حينئذ معنى الاعتصام ومبناه، وتصبح التعددية ثراء وقوة لا فقرا وضعفا.

سابعا: إنه أولى بفصائل العمل الإسلامي أن تفرز للأمة قيادات تعمل في كل ميدان حسب ما أوتيت من قدرات ومواهب من أن يتولى هو القيادة بذاته.. ونعني بذلك أن تتحول هذه الجماعة أو هذا الفصيل إلى مدرسة أو معهد يتخرج فيه الأفراد وقد تشكل وعيهم الإسلامي وتشكلت رؤيتهم وأصبح لديهم ثقافة إسلامية تحصنهم عند الاحتكاك بالثقافات الأخرى. وهؤلاء الأفراد يتطلعون بعد ذلك في المجتمع متحررين من قيد الالتزام التنظيمي، ليعمل كل فيما يحسنه وفيما يسره الله له، فهذا يعمل بالفكر من خلال متباينة، وذاك بالسياسة من خلال أحزابها ومؤسساتها، وثالث من خلال مؤسسات اقتصادية، ورابع من خلال الإعلام أو الفنون، وسادس من خلال الأدب بفروعه وهكذا...

فيكون دور هذه الجماعة أو هذا الفصيل التربية الإسلامية الصحيحة حتى إذا بلغ الفرد أشده واستوى على عوده من الناحية الفكرية والأخلاقية والروحية أُذن له في أن ينطلق بطاقاته حاملا معه ما ربي عليه فذلك أجدى من أن تتحول الجماعة إلى جسد كبير مترهل كثير العدد قليل العدة لأنها حمّلت نفسها ما لا طاقة لها به وألهاها التكاثر ولم تحسن رؤية غيرها ولا التنسيق معه، ولم تضع أهدافها في حدود قدراتها فتبعثرت قواها وتبدد كثير من طاقاتها. 

 … وبعد فهذه وقفات مع موضوع نحسب أنه يحتاج إلى كثير من النظر والتدبر.. ونرجو أن نكون قد وفقنا في إثارة الموضوع فحسب ليدلي كل بدلوه فالسفينة واحدة ونحن جميعا ركابها فنسأل الله لها النجاة إنه بحالنا خبير وعلى نصرنا قدير وهو نعم. 

شارك في ساحة الحوار حول هذا الموضوع


  محام وداعية إسلامي