الدعوة والسلطة.. من يطارد من؟!
ما من قضية شغلت الفكر الإسلامي المعاصر وبخاصة في تطبيقاته الحركية مثل قضية التغيير، وما من أطروحة ثار حولها الخلاف وأثارت الاختلاف مثل أطروحة التغيير، وإذا كانت خلافات الشيخين محمد عبده والأفغاني بشأن التغيير قد فصمت عُرَى العلاقة الوثيقة بينهما ونقلتها من الحميمية إلى الفتور، فإن التوالي الزمني وتراكم المستجدات أنتج انقسامات ومشكلات بين بعض القوى الإسلامية وبعض من ناحية، وبينها وبين مجتمعها من ناحية أخرى.
وبلغة التاريخ: فإن التحقيب يشير إلى أن التوجهات بشأن التغيير توزعت على مفصلين أساسيين، الأول شغل المساحة الزمنية الممتدة من بدايات القرن المنصرم وحتى أواسطه، والثاني هيمن على المساحة الزمنية الممتدة من النصف الثاني من القرن الفائت إلى اللحظة الراهنة.
في الحقبة الأولى كان الاتجاه السائد والنزعة الغالبة تدور في فلك نظرية "التغيير المجتمعي"، واعتماد قاعدة التغيير المجتمعي باعتبار أن نقطة الانطلاق التغييرية والفعل التغييري الناجز المتساوق مع أصول الفكرة الإسلامية يبدأ من الفرد، وأن اتساع رقعة التغيير على المستوى القاعدي يساهم في بسط ظلال التعاليم والقيم الإسلامية على كافة ميادين الحياة، مما يمنح الأفكار والقيم والسلوكيات الإسلامية القدرة على تحقيق حضور فاعل، وهو الأساس الذي يعمل على التغيير التلقائي على المستوى الفوقي، فالمجتمع ليس سوى فرد متكرر والسلطة بالأخير هي نتاج مجتمعها.
في هذا السياق يمكن فهم أفكار ومقولات الشيخ محمد عبده في مصر والنورسي في تركيا بشأن السياسة والتغيير الفوقي، كما يمكن فهم حركة العلماء الجزائريين التي أسسها الشيخ ابن باديس في العام 1931 في الجزائر، وحتى حركة الإخوان المسلمين -وبخاصة في مراحلها الأولى- لم تكن تهدف إلى الانخراط في العمل السياسي كأساس للتغيير بقدر ما كانت تسعى لمحاصرة المفاهيم التي أخذت في الانتشار حول ضرورة الفصل بين الدين والدولة.
في الحقبة الثانية حدث التحول الكبير حيث هيمنت نظرية التغيير الفوقي وباتت هي الاتجاه الغالب. وبصفة عامة يمكن القول: إن التحول صوب التغيير الفوقي وقفت خلفه عدة عوامل منها:
1- دخول كثير من الحركات الإسلامية في تجارب قاسية مع نظم الحكم مما رسخ في ذهن البعض أن المشروع الإصلاحي سيظل في إطار المراوحة ما لم يتم الاستيلاء على هذه "السلطة" التي تضطهد "الإسلاميين" وتلاحق "الدعوة".
2- أغرت النجاحات السياسية التي تحققت لبعض القوى الإسلامية الكثيرين بالتركيز على نهج التغيير الفوقي.
3- ساهمت الوضعية التي آلت إليها مسيرة بعض الحركات الإسلامية التي انتهجت سياسة التغيير المجتمعي في شيوع حالة من الإحباط واليأس لدى البعض، والذي بات يرى أن كل جهود الإصلاح ستتكسر على أقدام السلطة.
ورغم الفروق الكبيرة بين الاتجاهات الإسلامية التي نادت بالعنف كأساس للتغيير، وبين غيرها من الاتجاهات التي انتهجت الوسائل السلمية ممثلة في العمل السياسي كطريق للتغيير، إلا أن تدقيق النظر واستقراء الواقع يدفعنا إلى القول بأن كلا الاتجاهين من الممكن في المآل النهائي أن ينسب في فلسفة التغيير إلى اتجاه "التغيير الفوقي". فالاتجاهات المُسَيَّسة اختلت لديها الأوزان النسبية، فصار التغيير السياسي معادلاً موضوعيًّا للتغيير المجتمعي، وبدلاً من أن يصبح "الفرد" صاحب فعل جوهري وحاضنًا للمشروع الإصلاحي تحول إلى مادة استعمالية وصوت سياسي.
والفارق كبير بين أن يكون رصيد التجربة التغييرية على المستوى المجتمعي هو الرهان، وبين أن يكون الرهان على توجهات سياسية لجموع من الناخبين لا تستند إلى الرصيد التغييري ولا تتأسس على أبعاد قيمية، فالصوت الانتخابي لا يعكس بالضرورة منسوب وعمق التغيير، فقد تكسب قوة إسلامية هنا أو هناك حصة تصويتية مرتفعة نكاية في هذا النظام أو ذاك وسخطًا على الأداء النظامي، وفي مثل هذه الحالات لا يمكن الاطمئنان إلى هذه النتائج كقاعدة صلبة للمشروع الإصلاحي؛ لأنها ليست محصلة تغيير قيمي على المستوى المجتمعي.
إننا نسارع إلى القول: إن هذه ليست دعوة للإسلاميين للانسحاب من ساحة الفعل السياسي؛ بقدر ما هي لفتة إلى إعادة التفكير في مشهد التغيير واستخلاص العظة من الدروس والتجارب، فالتغيير على المستوى المجتمعي، وترسخ التعاليم والقيم الإسلامية وذيوعها واستقرارها ينبغي أن يكون المتغير المستقل الذي يُبنَى عليه التحرك السياسي وتحديد سقف التطلعات، وعدم الاستدراج وراء التغيرات الفجائية في المزاج السياسي، والخلل في هذه الناحية وغياب إمكانات الضبط، وتحول الفعل السياسي إلى شيء مستقل بذاته، يقف بموازاة الأفعال التغييرية الأخرى، وربما يتقدم عليها، هو الشعرة الدقيقة التي تجعل القوى الإسلامية التي تشتغل بالعمل السياسي تندرج في حالات كثيرة ضمن نمط "التغيير الفوقي".
السلطة في الإسلام نتاج للمجتمع
السلطة والدولة في الفكر الإسلامي ليست سوى نتاج للمجتمع، فالناظر في مرآة المجتمع يمكنه وبجلاء رؤية السلطة بمنظور: (كما تكونوا يُوَلَّ عليكم)، وحينما يعتقد البعض أن الدولة قادرة على صنع المجتمع الرشيد، فإنه يتناقض وثوابت فكرة الإسلام التغييرية.
إن وضع هذا التحول -التغيير الفوقي- قبالة طبيعة الفكرة الإسلامية في "أصولها الثابتة ومنابعها الصافية يدلل على أن ثمة خطأ كبير يطبع بصماته على الفكرة برمتها، ويجعلها تقف مع الإسلام الرسالي بشأن التغيير على طرفي نقيض.
حينما صدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوته توجه إلى الإنسان باعتباره وسيلة وهدف التغيير في آن معًا، وباستقراء سيرته صلى الله عليه وسلم نجده حريصًا أشد الحرص على أن يثبت في الأذهان أن رسالته تروم تحرير الإنسان، ووضعه على أعتاب الخُلُق والمثل الإسلامية، وأنه لا يهدف إلى زعزعة كيان اجتماعي مستقر، حتى ولو تحمل هو وأصحابه في سبيل ذلك العنت والمشاق. لقد تركزت سياسة الرسول التغييرية على "الإصلاح المجتمعي"، باعتبار أن الفكرة عندما تترسخ وتنتشر ستكون كفيلة بإحداث التغيير في الأبنية الاجتماعية، وسيتشكل النظام السياسي بدوره على ضوء هذه الحقائق من دون حدوث هزات حادة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن عطاءات الفكرة وتمثلها من قبل معتقديها كان محددًا أساسيًّا في سير الرسول صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان لنا أن نذكر في هذا المجال أمثلة استيضاحية، فإننا نستحضر أن سُدَّة السلطة عُرِضَت على الرسول صلى الله عليه وسلم فرفضها.
الأمر الآخر الذي قلما انتبه له الكثيرون أن قافلة الدعوة التي أرسلها صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة أفلحت في شرح صدر النجاشي الذي تُثبِت الروايات اعتناقه الإسلام، وأن الرسول صلى عليه صلاة الغائب حينما مات. كان النجاشي يتبوأ المُلك، بيد أن إسلامه ظل سرًّا ولم نسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب منه أن يسعى لاستخدام ملكه لبسط التعاليم الإسلامية عن طريق "سلطة الدولة".
ترى لماذا الإسهاب في هذا الحديث؟
الإجابة على هذا التساؤل تقدمها لنا التحولات الخطيرة في فكر وممارسات كثير من القوى الإسلامية، والتجارب المريرة للبعض منها. فلو أن هذه القوى تستبطن –وبحق- معالم الفلسفة الإسلامية للتغيير لما راهنت على جدوى التغيير الفوقي غير المستند إلى التغيير المجتمعي الراسخ، ولما ارتفعت بسقف طموحها في التغيير السياسي بمعزل عن رصيد التجربة على مستوى الجميع. إن البعض يظن خطأً أن حصيلة التغيير المجتمعي قد تتبدد إذا أقدمت الدولة على مصادرة النجاح السياسي، غير مدركين أن النجاحات السياسية قد تتأسس في بعض الأحيان على حسابات ظاهرية ومظاهر قشرية، بينما تظل معايير التغيير المجتمعي مستندة إلى حسابات دقيقة ومظاهر عميقة غير خادعة. إن هؤلاء يتصورون إن المشروع الحضاري الإسلامي لا يمكن أن يشتغل بمعزل عن الدولة أو في ظل فتور حسها الإسلامي، وهذا ما دفع قوى إسلامية جزائرية إلى الالتجاء للعنف بعدما صادر العسكر نجاحهم السياسي.
ولو أحسنت هذه القوى صنعًا لفطنت إلى أعماق الفكرة الإسلامية، واستبقوا النظام القائم ووضعوا حدودًا أقصى لا يتجاوزونها لسقف فعلهم السياسي، تاركين لتيار التغيير المجتمعي يواصل مده، ويراكم تطوراته حتى يغمر الكيان مجتمعًا ودولة.
التجربة الطالبانية .. برهان جديد
وقد أمدتنا الأيام الماضية ببرهان إضافي على عدم صواب رهان التغيير الفوقي، فحركة طالبان وصلت إلى سُدة السلطة وعوَّلت على إمكانات الدولة، ولم تُولِ اهتمامًا لممكنات المجتمع، اهتمت طالبان بمؤسسات الضبط والقسر، ولم تهتم بمؤسسات التربية، أرادت طالبان تحويل المجتمع إلى طرف يقع عليه المشروع الإصلاحي عوضًا عن أن يكون صانعًا لهذا المشروع.
إن سقوط طالبان وما رافقه من مشاهد وصور، وبعد تجريده من الملابسات السياسية، يقطع بأن الرهان على السلطة لترسيخ الفكرة وخَلْق مجتمع حيّ يتمسك بمبادئ وتعاليم الإسلام ويعيش من أجلها، إنما هو رهان خاطئ.
لو أن طالبان شرعت في تكوين "دولة الإنسان" لنافح من أجلها، لكنها أرادت أن تنتج "إنسان الدولة"، فتحولت الجماهير إلى طرف محايد لا يأبه لما يجري.
إن سعي إحدى القوى لبسط سيطرتها وإحكام قبضتها على مقاليد الأمور، ودفع الناس إلى الالتزام بالنصوص والتقيد بالأحكام بطريقة فوقية، لن يؤدي إلا إلى سيادة حالة من الاحتقان والتناحر وسيادة حالة من النفاقية ربما تعطي على السطح الظاهر مظاهر إسلامية، لكنها ستحول الإسلام إلى طقوس تفقد معها الفكرة قدرتها على الانتقال بالضمير المسلم إلى آفاق أرحب تجاوبًا مع القيم الإسلامية التي تدفع صاحبها إلى تحقيق أعلى معدلات الإنجاز والفعالية.
ويبقى قانون التغيير الفوقي: (من يصل سريعًا يسقط سريعًا).


















