لا أولوية ولا تناقض
لا أولوية ولا تناقض
البشري: الأولوية غير مطروحة والأفضلية غير واردة
|
طارق البشري |
وبعد أن تعرضنا لآراء الفريقين، قال لنا المؤرخ الإسلامي المستشار طارق البشري النائب السابق لرئيس مجلس الدولة المصري والرئيس السابق لهيئة الفتوى بالمجلس: "أرفض الثنائيات من هذا النوع، وأعتقد أن كلام الدكتور يوسف القرضاوي هو من باب التأكيد على المعنى الذي يريد أن يقوله، ولا يقصد المقارنة أو المفاضلة بين الأمرين".
وأضاف البشري: "هذا تعبير أدبي أكثر منه مفاضلة فقهية، وأنا لا أحب مثل هذه الثنائيات ولا أحب أن تثار بهذا الشكل، وقديما أثيرت ثنائيات من هذا النوع، ولم تكن نتيجتها صالحة بالنسبة لنا".
وتابع قائلاً: "في بداية القرن العشرين قامت الثنائية الشهيرة: أيهما أولى بالتقديم: الإصلاح الداخلي أم التحرر من الاستعمار الخارجي الجاثم فوق صدورنا؟ وكان حزب الأمة يقول بأولوية الإصلاح الداخلي، بينما كان ينادي الحزب الوطني بلم الجهود لإخراج المستعمر أولاً".
وأوضح المستشار البشري أن "الأولوية بين الحرية والشريعة غير مطروحة أصلاً، والأفضلية غير واردة؛ لأن كليهما عملية سياسية واجتماعية، بمعنى أن القوة التي ستحقق إجلاء الاستعمار نفس القوة نفسها التي ستصلح الداخل، وهناك أيضا موضوع حرية التعبير عن الرأي، والمحافظة على الثوابت وإثارة المفاضلة بينهما".
وقال البشري: "عندما يجتمع الأمران معًا، الحرية والشريعة، يتحقق الهدفان معًا، وعندما توضع الثنائية والتنافر بينهما يهد كل منهما الآخر".
واستخدم البشري المنطق الرياضي في التدليل على رأيه، فقال: "نحن نعرف أن واحد = واحد، ولكن لو وضعنا بينهما علامة (+) يصيران اثنين، بينما لو وضعنا بينهما علامة (-) يصيران صفرًا، ونحن نجمع ولا نُفرِّق ولا نفاضل".
وقال: "أتصور أن فضيلة الدكتور القرضاوي بعلمه وفضله الذي نعرفه جميعًا لم يقصد إقامة المفاضلة، ولا أن يقول: إن هذه أولى من هذه، وإنما كان هذا تعبيرًا أدبيّا جرى على لسانه للتدليل والتأكيد على ما يقول، فهو يريد أن يقول: إن أقدس وأهم ما كرس له حياته -هو شخصيّا- في الدنيا هو الدعوة إلى الإسلام وتحقق تطبيق الشريعة الإسلامية".
وأضاف: "يريد القرضاوي أيضًا أن يقول: إن الحرية لها هذه المنزلة العظيمة أو أكثر، وذلك من باب التأكيد على معنى الأهمية والخطورة، وأن يؤكد أن الشريعة لن يتم تطبيقها إلا من خلال إشاعة الحرية في المجتمع".
مولوي: شعاران يتكاملان ولا ينفصلان
"الأولى: من الناحية النظرية: الحرية فطرة مركوزة في أعماق الإنسان منذ أن يولد، أما الشريعة فهي تكليف من الله للإنسان لا يوجه إليه إلا بعد البلوغ. ونلاحظ هنا كذلك أنّ الإسلام –والشريعة جزء منه– هو أيضاً فطرة مركوزة في أعماق النفس الإنسانية، حتى ولو كان الإنسان طفلاً غير مكلّف بالأحكام الشرعية. قال تعالى: {فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْق اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}.
لكن من حيث الزمن، فإنّ الحرية تسبق دائمًا الالتزام بالشريعة. بل إنّ الله تعالى لم يطلب من الإنسان عبادته والتزام شريعته إلا بعد أن منحه الحرية في أن يقبل أو يرفض {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}. ولا أظنّ أنّ هذه المسألة يمكن أن تكون موضع خلاف.
ويستطرد مولوي قائلاً: "أما زاوية النظر الثانية، فهي مطالب الحركة الإسلامية: هل ترفع شعار الحرية، أم شعار تطبيق الشريعة؟".
أقول: الحرية هي قدرة الإنسان أن يفعل ما يشاء. وهي بهذا المعنى تعبير عن إنسانية الإنسان. أما ماذا يفعل الإنسان وماذا يترك في ضوء حريته، فهذا يتناول كلّ حركة الإنسان في الحياة، والإسلام كما هو معروف يطالب بالتزام الأحكام الشرعية في هذا المجال.
وحين تطبق الأحكام الشرعية فمن الطبيعي أن تحافظ على حرية جميع الناس في حدود الضوابط الشرعية التي تنظّم هذه الحرية ولا تصادرها.
فإذا كانت الحركة الإسلامية تريد أن تبين هويتها للناس، وتعلن هدفها فمن الطبيعي أن تقول: إنّ هويتها الإسلام، وهدفها تطبيق أحكامه في الحياة. وهذا ما قصده الأستاذ مأمون الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين، فالهدف هو الإسلام كلّه، والحرية جزء منه. ولا يمكن أن يكون هدف المسلم الحرية فقط؛ لأنه عند ذلك يتخلى عن رسالته في الحياة وهي تحقيق عبادة الله في الأرض عن طريق الالتزام بشريعته.
لكن من المعروف أنّ التحقق بالهوية الإسلامية لا يمكن أن يتمّ لأي مسلم إلا عندما ينال حريته في ذلك.
كما أن مطالبة أي حركة إسلامية بتطبيق الأحكام الشرعية يصعب أن تنجح إلا في ظل إتاحة الحرية للشعوب الإسلامية. وهذا ما لاحظه أستاذنا الشيخ يوسف القرضاوي عندما قال: الحرية هي المناخ الملائم لتطبيق الشريعة الإسلامية ولنشر الدعوة الإسلامية. فهي مناخ نطالب فيه بتحقيق أهدافنا، وعندما يغيب هذا المناخ فإننا نطالب باستعادته، ويصبح هذا المطلب جزءًا من أهدافنا.
ومن الطبيعي أننا عندما ننجح في تطبيق الأحكام الشرعية، فستظل الحرية – لنا ولغيرنا – مطلوبة ومحفوظة، باعتبارها تعبيراً عن فطرة الإنسان، وهي لا تقيد بضوابط شرعية إلا من أجل أن تتكامل مع جوانب الفطرة الأخرى".
ويختتم الشيخ فيصل رأيه في القضية قائلاً: "أعتقد أنّ السؤال بهذه الطريقة خطأ واضح.
- فلا يمكن أن توضع الحرية أمام الشريعة وكأنهما متناقضتان؛ إذ معنى ذلك أنك إذا طالبت بالحرية ضيعت الشريعة. وإذا طالبت بالشريعة ضيعت الحرية. وهذا أمر غير صحيح بالمطلق، ولم يقصد إليه أصلاً شيخنا القرضاوي أو أستاذنا الهضيبي.
- ولا يمكن الفصل بينهما زمنيّا، بمعنى أننا نطالب بالحرية أولاً، حتى إذا تحققت طالبنا بالشريعة. أو أننا نطالب بالشريعة أولاً، ولا يهمنا ما يقع علينا وعلى الناس من استبداد، ولا نكلّف أنفسنا عناء مقاومة الاستبداد مكتفين بالدعوة إلى تطبيق الشريعة. هذا الفصل الزمني ليس مشروعًا وليس معقولاً. فهو:
أولاً: ليس مشروعاً؛ لأننا مطالبون بالإسلام كلّه، والحرية جزء منه، ولأنّ الإسلام أمر بالقتال حتى إزالة الفتنة وما ذلك إلاّ لإتاحة الحرية أمام الناس أن يختاروا ما يريدون بغير إكراه.
وثانياً: ليس معقولاً؛ لأنّ المسلم إذا تعرّض للاستبداد فلا بد له من المطالبة بحريته في الدعوة، كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم عندما كان يتعرّض لتعذيب المشركين فيقول لهم: "خلّوا بيني وبين الناس"، أي اتركوا لي حرية تبليغ دعوتي إلى الناس.
الحرية والشريعة شعاران يتكاملان، فالحرية هي الطريق إلى تطبيق الشريعة، والشريعة هي التي تحافظ على الحرية، ولا فصل بينهما، ولا أولوية لأحدهما على الآخر زمنياً، أما من حيث الأهمية، فالأولوية للشريعة باعتبار أنّ الحرية جزء منها وليس العكس".
|
معتز الخطيب |
ويرى معتز الخطيب الكاتب والباحث السوري أن سؤال "الحرية أم الشريعة؟" سؤال إشكالي، وأن الإجابة عليه مرتهنة ابتداءً بتحديد المفهومين حتى يتم تحديد وجه العلاقة بينهما.
ويقول الخطيب: "لو اعتبرنا أن مفهوم الحرية هو ذلك النموذج الليبرالي الغربي -وهو الذي يحضر بقوة عند ذكر كلمة الحرية- فلا شك أن الاختيار سيكون للشريعة، ولكن إذا اعتبرنا أن الشريعة هي "الفقه الإسلامي" بما هو مُنتج "تاريخي" فإن تصوراتنا لمفهوم الدولة ستزهد بكل منجزات الفكر السياسي والاجتماع الحديث، لتتحول الشريعة -مع تصورات قائمة الآن- إلى "دولة عقائدية" تقوم على "المفاصلة". وضمن هذا المفهوم لـ "الشريعة" ستجد من يقول: "أحكام الحرية" لتتحول إلى جزء من الفقه!
ويضيف الباحث السوري: "إن السؤال بهذا الطريقة يبدو مغلوطًا؛ إذ يصورهما على أنهما نقيضان، إما هذه أو تلك!، في حين أن تطبيق السؤال على العالم الإسلامي يُظهر خطأ هذا التصور، لتغدو "الحرية" هي المطلب الأساسي للمسلمين ثقافةً وديانةً في وجه نُخَب متغربة تستعدي الدين وتُقصِيه"، وينتهي إلى القول: "ما نريده هو دولة مدنية تستلهم الوحي في إطار عملية اجتهادية شاملة".
ويضيف السعيد: "فالفهم الصحيح للشريعة هو أنها تعني حرية الإنسان، قال تعالى: {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}، فهي إذن تعني حريته في اعتقاده، وحريته في اختيار حاكمه، والشريعة أيضًا: أن تتعامل مع الأكبر والأقوى مثلما تتعامل مع الأصغر والأضعف، مراعيًا حريته في الاختلاف في الرأي".
ويقول: "أنا أنحاز لرأي الدكتور يوسف القرضاوي، وأعتبره الأصوب، ولكن هذه تركة قديمة؛ فالديمقراطية كفكرة محل نزاع منذ زمن طويل، وللأسف فإن كثيرين حاولوا أن يتستروا خلف الدين واتخذوه غطاءً للحاكم المستبد".
ويتابع القطب اليساري قائلاً: "على أي حال فإنه لا يمكن فصل الشريعة عن الديمقراطية والحرية، بل إن الديمقراطية والحرية انعكاس طبيعي للشريعة، وأرى أنه لا أولوية لأيتهما على الأخرى، فالشريعة والحرية وجهان لعملة واحدة، غير أني مع الدكتور القرضاوي فيما ذهب إليه".
وأوضح أنه "من خلال قراءة التاريخ يتضح لنا أنه على مدى أربعة عشر قرنًا، ادعى الكثير من الحكام أنهم يطبقون الشريعة وأنهم حُماتها، بينما هم كانوا قمة في الفساد والاستبداد وقمع الحريات العامة للرعية!!"، مشيرًا إلى أن بيعة الحكام نوعان، فهناك "بيعة الأحرار"، وهناك بيعة أخرى يطلق عليها "بيعة العبيد" أو "الإكراه"، وهي أن يُجبَر إنسان على اختيار من لا يرغب فيه!!
وينتهي السعيد إلى القول بأن "حرية الإنسان وحرية الشعوب، واعتبار أن إرادة الشعوب في اختيار حكامها هما السبيل لإقامة حكم إسلامي صحيح يستند إلى فهم شرعي صحيح؛ لأن هناك أكثر من مفهوم لفكرة الديمقراطية والحرية، غير أنه على أي حال فإن الحرية تظل الطريق السهل للوصول إلى تحكيم الشريعة".
الكبتي: نطالب بالشريعة.. مستعجلين بالحرية
|
عبد الحميد الكبتي |
ويقول عبد الحميد الكبتي، أحد الدعاة المقيمين بأوروبا: "إن المطالبة بالحرية السياسية -هذا اليوم- تدخل ضمن الأسلوب الإسلامي الصحيح في العمل، ولا تعارض بين دعوتنا إلى الحكم بالشريعة، وبين المطالبة بالتعجيل بتنفيذ الجزء المتعلق بالحرية منها قبل غيره".
ويضرب الكبتي مثالاً تاريخيًّا، فيقول: "أبسط الأمثلة لذلك ما طالب به علماء الشرع والدعاة بقيادة الشيخ محمد أبي زهرة رحمه الله من وقف تعديل قانون الأحوال الشخصية لمّا أرادت الحكومة أن تبدل بعضها بما يخالف الشرع، فهذه الأحوال الشخصية هي جزء من الإسلام طالبنا به وطالب به العلماء لأنه يمس حياة جميع المسلمين ويوقعهم في حرج، ولم يمنع عدم استعداد الحاكم من أن يطبق كل أحكام الشريعة من أن نركز على هذه الجزئية ونبرزها ونطالب بإلحاح بالحفاظ عليها، وأمر الحرية كذلك، هو جزء من أحكام الشريعة نطالب به الآن؛ لأن الناس في حرج شديد".
وينهي الكبتي كلامه بقوله: "وعلى ذلك فإن الطرفين على صواب، ويمكن الجمع بين قوليهما معًا، والأمور تفسر بظروفها، والأقوال تفهم بقرائنها، وكلا الطرفين مظنة الفهم السوي لقضية الشريعة والحرية والعلاقة المتبادلة بينهما، والمنطق السوي واضح في هذه القضية، ولا خلاف إن شاء الله".
العوا: الشريعة لا تطبق في مجتمع ديكتاتوري
|
العوا |
ويقول المفكر الإسلامي الدكتور محمد سليم العوا: "ليس هناك تعارض بين الحرية والشريعة لنطرح السؤال أيهما أولاً، فمن حيث التطبيق لا يمكن إعمال أحكام الشريعة في أي مجتمع تحكمه الديكتاتورية، ويكثر فيه مفتو السلاطين، ويندر فيه المفتون الذين يرعون حق الله وحق الأمة".
ويضيف العوا: "هذا السؤال كان من الممكن أن يكون مقبولاً لو كان هناك تعارض بين الحرية والشريعة، ولكن الواقع أنه لا تعارض بين الأمرين؛ فالشريعة لا يمكن تطبيقها في ظل الديكتاتورية وحكم الفرد وقهر الشعوب على الخضوع لإرادة الحكام".
ويتابع الدكتور العوا قائلاً: ".. لذلك لم تطبق الشريعة أبدًا في ظل الحكم الديكتاتوري، بل كان الفقه في جانب معبرًا عن أحكام الشريعة التي يقررها الفقهاء ويتداولها طلاب العلم ويعظ بها الوعاظ، وبقيت السياسة في جانب آخر يمارسها الحكام بأهوائهم في أغلب الأحيان، وبمصالح الأمة في أقلها".
ويضيف: "أرى أن مسألة تطبيق الشريعة والمناداة بها مع بقاء نظم الحكم الشمولية والخضوع المطلق لرأي الفرد في جُل البلاد الإسلامية أو كلها مسألة لا جدوى منها؛ لأنه لا تقوم للشريعة قائمة صحيحة، ولا تبقى منها باقية مفيدة إلا إذا كان الناس أحرارًا، يختارون من يحكمهم ويرفضونه عندما يريدون، وتصدر القوانين في مجتمعهم متفقة مع عقيدتهم وشريعتهم ومصالحهم".
ويوضح أنه إذا انتفى هذا فسوف نجد تطبيقًا للشريعة الإسلامية من نوع ما طبقه بعض الحكام، وهناك الكثير من التجارب التي أساءت للشريعة أكثر مما أفادتها.
وأشار إلى أن هناك بعض الحكام يبررون ديكتاتوريتهم بالزعم بأن الشعوب لم تبلغ الرشد بعد، ومن ثمَّ فهي لا تعرف مصلحتها؛ لأنها غير قادرة على الاختيار الصحيح، وقال: "هذه مسألة اخترعها الحكام الظلمة ليبقوا للأبد -حسب ظنهم- فوق عروشهم".
ويتساءل العوا متعجبًا: "لماذا المسلمون فقط هم القُصَّر؟! إنها دعاوى كاذبة".
وما زال البحث مستمرًّا
وفي الختام، وبعدما استطلعنا آراء عدد من قادة الرأي والمفكرين والعلماء من كافة الاتجاهات، بدا لنا أن الأمر ليس قطعيًّا، وأنه لا يوجد رأي واحد يتفق عليه الجميع حول هذه المسألة، بل آراء متعددة، وكلها تبدو وجيهة، حيث دافع كل منهم عن رأيه وقدَّم تفسيره الذي يقتنع به، واجتهد أن يقدم أدلته على صحة موقفه.
ونحن لا يسعنا في ختام هذا التحقيق الذي اجتهدنا فيه قدر وسعنا أن نضع إجابة للسؤال المحير: (أيهما أولاً: الشريعة أم الحرية؟) إلا أن نقول: وما زال البحث مستمرًّا.
طالع باقي محاور الملف: