الروافد الأولى لعمرو خالد
إبراهيم عزت .. البعد عن السياسة
لم يكن تحول الشيخ عزت من الإخوان إلى التبليغ قرارا عبثيا وإنما رغبة في الابتعاد عن "الإسلام السياسي" أو "الإسلام التنظيمي" إلى "الإسلام الوجداني" في سوق تدين تلك الفترة، وهو تحول شاع بصورة متكررة لدى جيل من الدعاة فيما بعد.
واستثمر الشيخ إبراهيم عزت مناخ الانفتاح الذي بدأه السادات وظل يخطب من 1975 إلى أن وافته المنية في 1983. كان خالد صغيرا في ذلك الوقت، لكنه تعرف على خطب الشيخ من خلال أشرطة الكاسيت، التي مثلت وقتئذ أحدث تكنولوجيا الاتصال في نقل الوعي الديني للجيل الجديد.
اتسمت خطب الشيخ عزت بعاطفة شديدة ونأي واضح عن السياسة، أو على الأقل مقارنة بخطب الشيخ كشك. واتسمت شخصيته بمرونة وانفتاح على بقية الإسلاميين. فعلى الرغم من تركه الإخوان فإن ملامح التأثر بهم ظلت معه، ولم يكن يجد غضاضة في أن يرى دوره التبليغي متوائما مع مساعي الحركة في تجنيد أعضاء جدد لها. وشاع عنه أنه كان يقول لبعض شباب الإخوان دون مواربة: "أنا أنتشل الناس من المقاهي للمسجد، وأنتم بعد ذلك يمكن أن تستقطبوهم لصفوفكم". لم يعتبر الشيخ عزت نفسه خصما أو منافسا لأحد.
الغزالي .. التحرر من التنظيم
|
|
| الشيخ محمد الغزالي |
طبيعة جيل السبعينيات
لقد شكلت أشرطة الشيخ عزت، وكتب شيوخ الإخوان مثل الغزالي والقرضاوي أهم مصادر التثقيف الديني بالنسبة لجيل السبعينيات في مصر، وهو الجيل الذي احتك به خالد وشكل الرافد الثالث في تكوين بداية وعيه الديني.|
|
| د. عصام العريان |
تأثر جيل السبعينيات بحالة الوعي الديني الذي كرَّسه نظام السادات لضرب الشيوعيين كعربون لصداقته الجديدة مع الولايات المتحدة، وأفرج عن تراث الإخوان المكتوب، بما في ذلك كتاب سيد قطب المثير للجدل "معالم في الطريق"، وأفرج عن قيادات الإخوان الذين اعتقلهم ناصر منذ 1964.
وقتئذ، كان العريان وحلمي الجزار وأبو الفتوح يدرسون الطب في الجامعة، وناشطين في اتحاد الطلبة باسم "الجماعة الإسلامية". ولم تكن "الجماعة الإسلامية" سوى نعت لهوية هؤلاء الطلاب، ولم يكن للنعت ولا لأصحابه علاقة بأية صيغة تنظيمية. كانت هوية "الجماعة الإسلامية" هوية عامة تعبر عن مساعي الجيل الجديد للبحث عن خلاص من هزيمته النفسية بعد 1967.|
|
| د. عبد المنعم أبو الفتوح |
لكن يمكن القول: إنهم كانوا يستبطنون فكر الإخوان من خلال كتب الجماعة وشيوخها، الذين كانوا يدعون ضيوفا محاضرين في أنشطة اتحاد الجامعة. وبعد خروجه من المعتقل مستهل السبعينيات، بدأ مرشد الإخوان المسلمين عمر التلمساني في إعادة تنظيم جماعته، وإعادتها للساحة بعد غياب، واستقطاب كوادر جدد، مثّل شباب جيل الجامعة طلائعها.
وفي 1978 التقى مصطفى مشهور والشيخ صلاح أبو إسماعيل، كممثلين عن الإخوان، مع قيادات الجماعة الإسلامية الطلابية بجامعات القاهرة والإسكندرية والمنيا (الصعيد) وعرضوا عليهم في لقاء خاص الانضمام للجماعة، ووافقت غالبية القيادات على ذلك2. فكما أشار أبو الفتوح لم يكن فكر الإخوان غريبا تماما عن هذا الجيل، وإنما تعرفوا عليه، بجانب اتجاهات أخرى، من خلال كتب الجماعة وشيوخها.
كانت معظم قيادات هذا الجيل تنتمي للطبقة الدنيا، وإن مكَّنتها فيما بعد مجانية التعليم ودخول كليات القمة (الطب والهندسة) من تحقيق حراك اجتماعي، في ظروف انفتاح اقتصادي وفرص عمل في الخليج والعراق. كان هذا الجيل يعتبر أن بلورة الوعي الديني تتم من خلال الانتماء إلى تنظيم يستوعب هذه الطبقة. وهذا يفسر استعداد قيادات هذا الجيل، أصحاب "الخلطة الفكرية"، لقبول دعوة الإخوان بالانضمام إليهم. وسنرى فيما بعد أن كلتا السمتين، سمة الوضع الاجتماعي وقبول العضوية في "الإسلام السياسي الحركي"، تغيرتا لدى الجيل الجديد الذي يخاطبه عمرو خالد.
وبحلول عقد الثمانينيات، ومجيء الرئيس مبارك للسلطة في 1982، بدأ تواجد ملحوظ للإخوان في جامعات مصر المهمة، القاهرة والإسكندرية وأسيوط، وهو تواجد جاء بعد فترة كمون من سنة 1981-1983، نتيجة الظروف الأمنية التي ترتبت على اغتيال السادات في 1981، والتضييق على الحركة الطلابية عموما. بعدها، وفي 1984 تحديدا، استعاد العمل الطلابي في الجامعات حيويته، إثر الانفراجة التي سمح بها النظام لتكريس شرعيته الديمقراطية3. وبالطبع استفاد الإخوان من هذه الفرصة، وتمكنوا من السيطرة على اتحادات الطلبة تحت مسمى جديد هو "التيار الإسلامي" (وذلك بعد أن ارتبطت تسمية "الجماعة الإسلامية" بتيارات العنف).
كان معروفا لدى بقية الاتجاهات الطلابية، مستقلين ويسار، أن "التيار الإسلامي" هو الواجهة الطلابية للإخوان المسلمين، ولم يعد مجرد مجموعة من الطلبة ذات اتجاه ديني عام، كما كان الحال في السبعينيات.
ولم يكن اسم "التيار الإسلامي" هو الذي تغير فقط في جيل إسلاميي الثمانينيات، وإنما تغيرت أشكالهم وخطابهم عن جيل السبعينيات. فطبقا لحلمي الجزار، أحد القيادات المهمة في العمل الطلابي تلك الفترة: "كنا في السبعينيات لنا لحية، ونلبس الجلابيب، وخطابنا يغلب عليه الخطاب الإسلامي المباشر، فكنا مهتمين بالزي الإسلامي، وبيع الكتب الإسلامية وإقامة المعارض الإسلامية. ومن بداية 1984، عندما نزل الإخوان بقوة في انتخابات اتحادات الطلبة، لم يكن يوجد أحد تقريبا من الإخوان له لحية، وكان الجميع يلبس بدلة أو بنطلونا وقميصا، والخطاب في تلك الفترة لم يكن إسلاميا مباشرا، وكان فيه كلام عن أهمية الحرية والديمقراطية".4
ويُرجع الجزار التحول في ملامح الإخوان الشكلية من حلق للحية وارتداء للملابس العصرية إلى الترصد الأمني، الذي كان يستهدف أصحاب المظهر الإسلامي، ويتيح حرية أكبر لطلبة الجماعة في إقامة أنشطتهم وترتيب معسكرات خارج الجامعة دون عراقيل أمنية. لكن فعليا كان للتغير الذي حصل مزايا أهم من مجرد التورية الأمنية. فبالنسبة للطلبة المستجدين، الذين لم تكن لهم أية انتماءات بعد، كان الوجه العصري للإسلاميين أكثر مقبولية من مظاهر التدين التقليدية لجيل السبعينيات، وبالتالي كانت فرص التجنيد أوسع.
ومن هؤلاء الطلبة المستجدين، كان عمرو خالد، الذي بدأ دراسته بجامعة القاهرة، في كلية التجارة، والذي تحدر من طبقة عليا متوسطة، تختلف عن جيل الطبقات الدنيا التي أتى منها العريان وماضي. وفي الوقت الذي كان العريان يلبس الجلباب ويطلق لحيته لما كان أميرا للجماعة الإسلامية في 1978، فإن عمرو خالد كان حليقا ويلبس البنطلون والقميص.
اقرأ في هذه الدراسة:
-
الروافد الأولى لعمرو خالد


















